أطفال غزة يطاردون الأمل بأطباق من جريد النخيل

post-img

وردة الشنطي/القدس العربي

في غزة، لم تعد الحرب تسرق البيوت والمدارس فحسب، بل امتدت لتسلب الأطفال ملامح طفولتهم. هنا، يتحول جريد النخيل اليابس إلى لعبة، وأكياس المساعدات إلى ألوان، فيما يصبح البحث عن خيط أو قطعة بلاستيكية مغامرة قد تنتهي تحت نيران الدبابات. ومع ذلك، يصر أطفال على صناعة أطباق يدوية من مواد مهملة، وكأنهم يعلنون أن الإبداع لا يزال قادرًا على الحياة، حتى في أكثر الأماكن قسوة.

صيف مختلف

بين أنقاض الحرب، وجد فارس الحداد (14 عامًا) طريقته الخاصة لصناعة الأمل. ففي الوقت الذي يقضي فيه كثير من الأطفال عطلتهم الصيفية في البحث عن وسيلة لتمضية الوقت، يمضي فارس أيامه مع أصدقائه في صناعة أطباق من جريد النخيل اليابس، محولًا خامات بسيطة إلى أعمال تحمل لمسة من الجمال.

يقول فارس إن هذا الصيف يختلف عن كل ما سبقه؛ فلا حدائق مفتوحة، ولا أنشطة ترفيهية، ولا مواد للأشغال اليدوية كما كان الحال قبل الحرب. لذلك يبدأ يومه بالبحث عن جريد النخيل اليابس، يجمعه بعناية، ثم ينظفه ويهيئه ليكون المادة الأساسية لأطباق يصنعها بيديه.

لم يكن نقص الأوراق الملونة أقل قسوة. فالحرب جعلت الحصول عليها شبه مستحيل، لكنه رفض الاستسلام لهذا الواقع. وبين طرود المساعدات الإنسانية، لفتت انتباهه الأكياس البلاستيكية، فقرر منحها حياة جديدة. يقصها ويغلف بها الأطباق، فتمنحها ألوانًا ولمعانًا يعوضان غياب أوراق الزينة.

هربا من رصاص الدبابات

يشارك فارس أصدقاءه هذه التجربة يومًا بعد يوم، فيتعاونون على جمع الخامات وتبادل الأفكار، ويقضون ساعات في العمل والضحك، بعيدًا عن أصوات الحرب التي فرضت نفسها على تفاصيل طفولتهم. ويشعر بالفخر كلما أنجز طبقًا جديدًا، لأنه يرى فيه دليلًا على أن الإبداع يمكن أن يولد من أبسط الأشياء. بالنسبة إليه، لم تعد الأكياس البلاستيكية مجرد مخلفات، ولا جريد النخيل بقايا أشجار، بل أصبحت أدوات تمنحه فرصة لملء فراغ الصيف بما يحب، وتؤكد له أن الحرب قد تسلب الأطفال الكثير، لكنها لا تستطيع انتزاع قدرتهم على الابتكار.

خيوط الموت

أما صديقه عز الدين العبد، فلم يقتصر دوره على المساعدة في صناعة الأطباق، بل تولى مهمة البحث عن الخيوط التي تُستخدم في تثبيتها، وهي مهمة تبدو بسيطة، لكنها في غزة تحولت إلى رحلة يومية محفوفة بالمخاطر. يقول عز الدين إن الحصول على الخيوط أصبح بالغ الصعوبة مع استمرار الحرب واختفاء مستلزمات الأشغال اليدوية من الأسواق، لذلك اعتاد التوجه إلى بائع يقف قرب المسجد المجاور لمكان نزوحهم، لأنه الوحيد الذي يوفر هذا النوع من الخيوط.

يضيف: «يستغل الرجل قلة البضاعة؛ ففي بعض الأيام يبيعنا ثلاثين مترًا من الخيط بشيكل واحد، وفي أيام أخرى يرفع السعر دون سبب. ومع ذلك، نضطر إلى الشراء لأننا لا نجد مكانًا آخر.» ورغم صعوبة تأمين الخيوط، يواصل عز الدين وفارس وأصدقاؤهما صناعة الأطباق، محاولين تحويل ساعات الفراغ إلى مساحة للتعلم والإبداع. لكن الحرب لا تمنحهم حتى فرصة الاستمتاع بهذه اللحظات البسيطة.

يروي عز الدين موقفًا لا يزال عالقًا في ذاكرته: «انتهينا من صناعة أحد الأطباق، لكننا لم نثبته جيدًا، وما إن حملناه حتى أفلت منا وحملته الرياح. ركضنا خلفه ونحن نضحك، من دون أن ننتبه إلى أين يقودنا.» ويتابع: «كنا نركز على الإمساك بالطبق فقط، وفجأة وجدنا أنفسنا قريبين جدًا من الخط الأصفر، وفي اللحظة نفسها بدأت الدبابات تطلق النار بكثافة. تجمدنا من شدة الخوف، ولم نستوعب كيف وصلنا إلى هناك.» يؤكد أن ثواني قليلة كانت كفيلة بإنهاء حياتهم، فتركوا الطبق في مكانه وعادوا مسرعين، فيما كانت أصوات الرصاص تملأ المكان. ويقول: «في تلك اللحظة أدركنا أننا كنا أقرب إلى الموت مما تخيلنا».

منذ ذلك اليوم، أصبح الأطفال أكثر حذرًا، لكنهم لم يتخلوا عن هوايتهم. فما يصنعونه ليس مجرد أطباق من جريد النخيل، بل محاولة صغيرة لاستعادة جزء من طفولتهم التي تسرقها الحرب يومًا بعد آخر.

في غزة، قد تبدو هذه الأطباق اليدوية أعمالًا بسيطة، لكنها تحمل بين جريدها وخيوطها حكاية جيل يحاول انتزاع لحظات من الفرح وسط الحرب. وبين رحلة البحث عن الخامات، ومواجهة الاستغلال، والاقتراب من الموت أثناء مطاردة طبق حملته الرياح، تتجسد طفولة تعيش واقعًا يفوق عمرها. ورغم كل ذلك، يواصل هؤلاء الأطفال نسج الأمل بأيديهم، مؤمنين أن ما تصنعه الإرادة يبقى أقوى من كل ما تحاول الحرب أن تهدمه.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد