صندوق «اللمّيات» لا يوقف انهيار مباني طرابلس

post-img

راجانا حمية (صحيفة الأخبار)

لم تكد تكتمل الفرحة بقرار مجلس الوزراء، الأسبوع الماضي، إنشاء صندوق خاص لمعالجة أزمة الأبنية المتصدّعة في طرابلس، حتى تحوّلت إلى غصّة، بعدما طلبت بلدية المدينة إخلاء مبنيين مُهدّدين بالسقوط على أوتوستراد التبانة. هكذا يبدو قدر المدينة العتيقة، التي بالكاد تلتقط أنفاسها بين كارثة وأخرى. فلا يكاد يمر يوم هادئ حتى تعود «طرطقة» الحجارة المتساقطة من مبانٍ تتهاوى تباعاً كأحجار الدومينو فوق رؤوس سكانها، كما حصل مراراً في أحياء القبة والتبانة وضهر المغر وغيرها.

ومنذ مطلع العام، حصد الإهمال المزمن والفقر ومخالفات البناء عشرات الضحايا، بعدما بقي كثيرون في منازلهم لعدم امتلاكهم بديلاً، إلى أن انهارت فوق رؤوسهم. ولم توقظ هذه المآسي السلطة إلا متأخرة، فسلكت مسارين: الأول تكليف الهيئة العليا للإغاثة بدفع بدلات إيواء للعائلات التي أُخرجت من المباني الآيلة للسقوط، وهو ما جدّد مجلس الوزراء تأكيده في جلسته الأخيرة بالموافقة على استمرار هذه المدفوعات. وتمثّل الثاني بإنشاء صندوق خاص يُموّل من منح داخلية وخارجية لمعالجة ملف عمره عشرات السنين من الإهمال والمخالفات والحروب.

القرار الذي جاء بعد أربعة أشهر على سقوط 14 ضحية في طرابلس، لا يعني أن الحل بات قريباً. فعدا اعتماد الدولة مجدّداً سياسة «الشحادة» عبر التعويل على التبرعات الداخلية والخارجية لمعالجة قضية تمس حياة الناس، فإن الصندوق لا يزال، عملياً، أقرب إلى صندوق افتراضي، يقوم على فرضية أن التمويل سيأتي حتماً، وهو ما لا يستند إلى أي ضمانة. وتلفت مصادر معنية إلى أنه «لا يمكن بناء خطة على أموال قد لا تأتي»، مضيفةً أنه «لو كانت المشكلة تُحل بالتبرعات، لكان أغنياء المدينة أولى بتمويل هذا الصندوق، وهو ما لم يحصل». كما أن إطلاق الصندوق يحتاج إلى نظام داخلي وآليات تنفيذية وإدارية، ما يجعله أقرب إلى «صندوق رفع عتب»، هدفه الإيحاء بأن السلطة قامت بما عليها.

يبقى الإجراء العملي الوحيد الذي تنفّذه الدولة هو دفع بدلات الإيواء التي حدّدتها الحكومة بأربعة آلاف دولار للعائلة على مدى سنة، تُصرف على أربعة أقساط فصلية. أمّا على الأرض، فلا تزال الخطوات بطيئة، إذ لم يُنجز حتى الآن مسح شامل للأبنية، ولا تزال الصورة غير مكتملة. وحتى اليوم، أعدّت الفرق الهندسية المشتركة بين بلدية طرابلس ونقابة المهندسين في الشمال ملفات نحو 1100 مبنى، يقسّمها نقيب المهندسين شوقي فتفت بين 200 و250 مبنى في المدينة التراثية، ونحو 850 مبنى مأهولاً. وهذه الأخيرة، وفق رئيس لجنة الهندسة في البلدية مصطفى فخر الدين، «هي التي وردت بشأنها بلاغات عبر الخط الساخن الذي خصّصته البلدية، وقد جرى الكشف عليها تباعاً بدءاً بالأكثر خطورة». ويشدّد على أن ذلك «لا يعني أن هذه المباني هي فقط المُهدّدة في طرابلس، ولا أنها كلها آيلة للسقوط».

فالكشوفات أظهرت وجود مبانٍ تحتاج إلى ترميم، وأخرى إلى تدعيم، وثالثة إلى الهدم. واستناداً إلى هذه النتائج، طلبت البلدية إخلاء نحو 140 مبنى تشكّل خطراً على السلامة العامة، من دون أن يعني ذلك حكماً هدمها. ويشير فخر الدين إلى أن اللجنة المشتركة أحالت ملفات هذه الأبنية إلى الهيئة العليا للإغاثة، التي يُفترض أن تكلّف شركة «خطيب وعلمي» بإجراء كشف إضافي قبل اتخاذ القرار النهائي. ويضيف أن الهيئة أوصت حتى الآن بهدم ما بين 36 و40 مبنى، فيما أصدرت البلدية قرارات بهدم 16 مبنى فقط.

أمّا المدينة التراثية، فلا تبدو حالها أفضل، إذ يؤكد فتفت أن التقارير «غير مطمئنة» نتيجة عقود طويلة من الإهمال وغياب الصيانة، مُقدِّراً كلفة معالجة الأبنية التراثية وحدها بما لا يقل عن 30 مليون دولار. ويقول إن الأمر طبيعي في مدينة تُركت مبانيها من دون ترميم، فـ«أي مبنى يتجاوز خمسين عاماً بلا صيانة سيصل إلى مرحلة يصبح معها غير صالح للحياة». ويضيف أن العمر الهندسي للمبنى الإسمنتي يناهز 75 عاماً، فيما توجد في طرابلس مبانٍ تجاوزت هذا العمر منذ زمن، من دون أي أعمال صيانة.

لكنّ الأزمة لا ترتبط بالعمر والإهمال وحدهما، بل تتشابك فيها عوامل أخرى، أبرزها مخالفات البناء والإضافات العشوائية التي أُلحقت بالمباني، ما يجعل معالجتها أكثر تعقيداً. ويوضح فتفت أن هذه المخالفات قد تغيّر مصير المبنى، فإذا أصبحت كلفة ترميمه أو تدعيمه أعلى بكثير من قيمته، فيصبح الهدم هو الخيار الأكثر واقعية.

ولذلك، يصعب حتى الآن تقدير الكلفة الإجمالية للمعالجة، لأن الأبنية ليست ضمن فئة واحدة، فبعضها يحتاج إلى ترميم، وبعضها إلى تدعيم، فيما يتطلّب بعضها الآخر الهدم. ويشير فتفت إلى أن الكلفة قد تُراوِح بين عشرة آلاف و200 ألف دولار للمبنى الواحد، فيما يبقى تقدير الكلفة الإجمالية مستحيلاً قبل إنجاز المسح الشامل، علماً أن هبة كويتية بقيمة مليون دولار خُصّصت لدعم هذا المسار.

ولا يزال الملف، حتى الآن، في مرحلة التقييم المزدوج، إذ يتبع الكشفَ الذي تجريه البلدية والنقابة كشف آخر تنفّذه الهيئة العليا للإغاثة عبر «خطيب وعلمي». ويوضح رئيس الهيئة، العميد بسام النابلسي، أن العمل يجري وفق آلية تعطي الأولوية للمباني الأكثر خطورة. ومن أصل 130 إلى 140 مبنى مُصنّفاً ضمن هذه الفئة، كشفت الهيئة حتى الآن على 83 مبنى، على أن تُرفع التقارير الفنية تباعاً إلى بلدية طرابلس، صاحبة القرار النهائي.

غير أن ما بعد التقييم يبدو أكثر تعقيداً. فإذا كان قرار الهدم هو الأسهل، فإن الترميم والتدعيم يصطدمان بعقبة أساسية، تتمثّل في أن غالبية هذه المباني أملاك خاصة، وبالتالي فإن مسؤولية ترميمها تقع على عاتق مالكيها، لا البلدية. ومن هنا، يبقى التنفيذ رهناً بإرادة المالك وقدرته. وفي محاولة لإيجاد مخارج، طرحت البلدية أفكاراً عدة، من بينها تسهيل استعادة المالكين لمنازلهم، بحيث يحصل المستأجر على سنة إخلاء مقابل عدم العودة إلى المأجور، بما يتيح للمالك ترميم العقار. إلا أن هذا الطرح يفتح بدوره باباً جديداً من النزاعات بين المالكين والمستأجرين، ويعيد إحياء الخلافات المرتبطة بقوانين الإيجارات.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد