إدارة ترامب تضيّق على الصحافيين الأجانب

post-img

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تشديد قواعد منح التأشيرات للصحافيين الأجانب العاملين في الولايات المتحدة، عبر تقليص مدة تأشيراتهم إلى 240 يومًا بدلًا من خمس سنوات، فيما خُفّضت مدة تأشيرات الصحافيين الصينيين إلى 90 يومًا فقط، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من منظمات معنية بحرية الصحافة.

أفادت وزارة الأمن الداخلي الأميركية، الخميس الماضي، بأنّ النظام الجديد يلغي العمل بآلية "مدة الوضع القانوني" (Duration of Status) التي كانت تتيح للصحافيين الأجانب الإقامة والعمل في الولايات المتحدة طوال فترة استيفائهم شروط التأشيرة، من دون تحديد مدة زمنية ثابتة. لا يقتصر القرار على الصحافيين، بل يشمل أيضًا الطلاب الأجانب والمشاركين في برامج التبادل الثقافي، إذ ترى الإدارة الأميركية أن النظام السابق سمح لهم بالبقاء في الولايات المتحدة لفترات غير محددة "من دون رقابة حكومية دورية".

قال وزير الأمن الداخلي، ماركواين مولين، إن نظام "مدة الوضع القانوني"، الذي استمر العمل به قرابة نصف قرن، "أضر بالأمن القومي وخلق بيئة مواتية للاحتيال في نظام الهجرة". وأضاف أن تحديد مدد زمنية واضحة للتأشيرات سيتيح للسلطات "فحص الأفراد والتدقيق في أوضاعهم ومراقبتهم بصورة أفضل".

زعم أن آلاف الطلاب الأجانب استغلوا النظام السابق عبر الاستمرار في التسجيل في البرامج الدراسية لتجنّب مغادرة الولايات المتحدة، مؤكدًا أنّ الإدارة تسعى إلى استعادة السيطرة على نظام الهجرة من خلال قواعد أكثر صرامة.

في المقابل، قوبل القرار بانتقادات حادة من منظمات الدفاع عن حرية الصحافة، التي اعتبرت أن تقليص مدة الإقامة سيؤثر سلبًا في قدرة المراسلين الأجانب على أداء عملهم باستقلالية. رأت منظمة "مراسلون بلا حدود" أن القرار "يدمر قدرة الصحافيين الدوليين على تغطية الأحداث من داخل الولايات المتحدة، ويجعل من الصعب للغاية على المؤسسات الإعلامية الأجنبية العمل فيها".

قال مدير المناصرة في المنظمة بأميركا الشمالية، بِن غرازدا، في بيان صادر عن المؤسسة، الجمعة، إن السياسة الجديدة تفرض على الصحافيين ومؤسساتهم "أعباءً قانونية ومالية وإدارية غير ضرورية"، وتمثل "عقوبة جديدة على الصحافة" تفرضها إدارة ترامب ووزارة الأمن الداخلي. وأضاف غرازدا أن إلزام المراسلين بدورة متواصلة من تجديد التأشيرات يهدد حرية الصحافة، إذ قد يشعر الصحافيون بأن عليهم تجنب نشر تقارير قد تثير غضب الإدارة، خشية رفض طلبات تجديد تأشيراتهم.

شدد على أن الولايات المتحدة لطالما عُرفت بأنها من أبرز المدافعين عن حرية التعبير وحرية الصحافة، إلا أن السياسة الجديدة "تتعارض مباشرة مع هذه القيم". ودعا الكونغرس إلى التدخل لضمان قدرة الصحافيين الأجانب على العمل بحرية ونقل الأخبار إلى جماهيرهم حول العالم.

حذرت المنظمة من أن النظام الجديد يفتح الباب أمام استخدام التأشيرات وسيلةً للضغط السياسي على المراسلين الدوليين، مشيرة إلى أن وزارة الأمن الداخلي تمتلك بالفعل سوابق في منع دخول أشخاص إلى الولايات المتحدة بسبب آرائهم أو مواقفهم، وهو ما قد يسمح لها، بموجب النظام الجديد، بمعاقبة التغطيات الصحافية الناقدة بصورة انتقائية.

لفتت "مراسلون بلا حدود" إلى أن وزارة الأمن الداخلي طرحت هذه التعديلات للمرة الأولى في أغسطس/آب 2025، وبررتها بالحاجة إلى تشديد إجراءات التدقيق في حاملي التأشيرات. وأوضحت أنها قادت، العام الماضي، تحركًا ضم 17 منظمة معنية بحرية الصحافة للمطالبة بسحب المقترح، محذرة من أنه يفرض قيودًا غير مبررة على عمل المراسلين، ويمنح السلطات مساحة واسعة لإساءة استخدام صلاحياتها.

من جهتها، وصفت لجنة حماية الصحافيين السياسة الجديدة بأنها "سلوك يعبّر عن تراجع ديمقراطي، لا عن دولة تتصدر الدفاع عن حرية التعبير"، وحذرت من أن اضطرار الصحافيين إلى تجديد تأشيراتهم بصورة متكررة قد يدفعهم إلى تجنّب نشر تقارير قد تُغضب الإدارة الأميركية، خشية رفض طلبات التجديد، بما ينعكس سلبًا على حرية الصحافة.

يأتي القرار في وقت تواصل فيه إدارة ترامب اتّخاذ إجراءات مشددة في ملف الهجرة، بالتوازي مع تصعيد ضغوطها على عدد من المؤسسات الإعلامية عبر تهديدات وإجراءات قانونية. رأت المنظمة أن تشديد قواعد التأشيرات يأتي ضمن سلسلة إجراءات اتخذتها إدارة ترامب لزيادة الضغط على وسائل الإعلام التي تنتقدها. إذ استدعت وزارة العدل، الأسبوع الماضي، عددًا من صحافيي صحيفة "نيويورك تايمز"، للإدلاء بشهاداتهم أمام هيئة محلفين كبرى، بشأن تقارير تناولت مخاوف أمنية مرتبطة بالطائرة الرئاسية التي قدمتها قطر هديةً للولايات المتحدة، فيما تطعن الصحيفة في هذه المذكرات القضائية، ووصف محاميها ديفيد ماكرو تلك الإجراءات بأنها "تعسفية وغير مقبولة".

من المقرر دخول النظام الجديد حيز التنفيذ بعد 60 يومًا من نشره في السجل الفيدرالي، فيما ستكون القيود أشد على الصحافيين الصينيين، الذين ستقتصر مدة تأشيراتهم على 90 يومًا. كانت إدارة ترامب الأولى اقترحت تطبيق هذا الإجراء عام 2020، إلا أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن تراجعت عنه. وبعد إحيائه مجددًا، وصفت وزارة الخارجية الصينية القرار بأنه "تمييزي"، ودعت واشنطن إلى التراجع عنه واحترام الحقوق المشروعة للصحافيين الصينيين، مع تأكيد بكين احتفاظها بحق اتخاذ "إجراءات مضادة بالمثل".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد