«التكوّن العلائقي» وصناعة الهوية السياسية: الحالة اللبنانية نموذجًا

post-img

زهراء إبراهيم عقيل/جريدة الأخبار

كيف تتكوّن الهوية السياسية؟ يمثّل هذا السؤال أحد الأسئلة المحورية في الفكر السياسي، لأنه يتصل بالكيفية التي تنشأ بها علاقة الفرد بالجماعة السياسية، وبالآليات التي تتبلور عبرها معاني الانتماء، والثقة، والمشاركة مع تحوّل السياقات الاجتماعية والسياسية. وقد أولت الأدبيات اهتمامًا واسعًا بدور الدولة ومؤسساتها في بناء المواطنة وتعزيز الانتماء السياسي، حتى غدا المجال المؤسسي المدخل الرئيس لتفسير الهوية السياسية.

غير أن اتساع الدراسات المقارنة كشف مفارقة لافتة، فقد أظهرت مجتمعات متقاربة في بنيتها المؤسسية هويات سياسية متباينة، كما شهدت مجتمعات أخرى تحوّلات في أنماط الانتماء، والثقة، والمشاركة مع استمرار الأطر الدستورية والتنظيمية ذاتها. ويبرز لبنان مثالًا دالًا على هذه المفارقة، إذ شهد خلال السنوات الأخيرة تحوّلات اجتماعية وسياسية أعادت تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة، ورافقتها تغيرات ملموسة في الهوية السياسية، مع بقاء البنية المؤسسية على قدر كبير من الاستقرار.

تقود هذه المفارقة إلى سؤال يتجاوز حدود المقاربة المؤسسية: كيف تتكوّن الهوية السياسية؟ وأين يبدأ تفسير تحوّلاتها؟

يقوم هذا المقال على أطروحة مفادها أن تفسير هذه المفارقة يقتضي الانتقال من دراسة العناصر إلى دراسة العلاقات التي تنتج آثارها. فالحالات التي يعسر تفسيرها في ضوء المقاربة المؤسسية تكشف أن العلاقة بين المجتمع والدولة تمثّل وحدة التفسير الأساسية لمسار الهوية السياسية وتحوّلاتها. وانطلاقًا من هذه الأطروحة، يقترح المقال نظرية «التكوّن العلائقي» إطارًا لتفسير الكيفية التي تتكوّن بها الهوية السياسية وتتطور عبر الزمن.

يشير مصطلح «العلائقي» في هذه النظرية إلى أن العلاقة تمثّل المجال الذي تتحدد داخله خصائص الأطراف وآثارها عبر التفاعل، فالمجتمع يكتسب أثره في الدولة من خلال علاقته بها، كما تكتسب الدولة أثرها في المجتمع من خلال العلاقة نفسها. وداخل هذا المجال تنتظم الخبرات والممارسات، وتتولّد أبعاد الهوية السياسية.

تقوم نظرية التكوّن العلائقي على مفهومين متكاملين، بنية تفاعلية تنتظم داخلها العلاقات، وحركة تفاعلية تعيد تنظيم هذه البنية عبر الزمن. ومن خلال تكاملهما تتكوّن الهوية السياسية وتتطور مع تحوّل العلاقة بين المجتمع والدولة.

أين تقف المقاربة المؤسسية؟

احتلت المقاربة المؤسسية موقعًا محوريًّا في تفسير الهوية السياسية، وربطت نشأتها بالدولة ومؤسساتها، وعدّت القانون، والتعليم، والنظام الدستوري، وآليات المشاركة العامة، ركائز أساسية في بناء المواطنة، وتعزيز الانتماء السياسي، وترسيخ الثقة بالمجال العام. وأسهم هذا الاتجاه في توضيح أثر المؤسسات في بناء الهوية، ورسّخ تصورًا يجعلها نقطة الانطلاق الرئيسة لفهم تحوّلات الحياة السياسية.

غير أن نتائج الدراسات المقارنة كشفت حدود هذا التفسير، فقد اقترنت بنى مؤسسية متقاربة بهويات سياسية مختلفة، كما شهدت مجتمعات تحوّلات واضحة في الهوية مع استمرار الأطر القانونية والتنظيمية ذاتها. وتثير هذه الحالات سؤالًا جوهريًّا: إذا تقاربت العناصر المؤسسية، فمن أين جاء الاختلاف؟

يقود هذا السؤال إلى مراجعة وحدة التفسير نفسها. فالمؤسسات تؤثّر في المجتمع، كما يعيد المجتمع تشكيل أثر المؤسسات عبر الخبرة والممارسة والتفاعل. وعند هذه النقطة، تتقدّم العلاقات إلى مركز التفسير، فمن داخلها تتحدد خصائص العناصر، وتتكوّن آثارها، وتكتسب دلالتها في الحياة السياسية.

من هنا، تغدو العلاقة بين المجتمع والدولة المدخل الأكثر قدرة على تفسير التحوّل والاستمرار معًا، فالخصائص التي تُنسب إلى أي منهما تتحدد داخل التفاعل المتبادل، ثم تكتسب معناها مع استمرار هذا التفاعل أو مع إعادة تنظيمه. وعندما تصبح العلاقة وحدة التفسير الأساسية، تغدو نظرية التكوّن العلائقي امتدادًا منطقيًّا للتحليل، لا إضافة خارجية إليه. من هذا المنطلق، ينتقل التحليل إلى بناء النظرية من خلال مفهومين متكاملين هما البنية التفاعلية التي تنتظم داخلها العلاقات، والحركة التفاعلية التي تعيد تنظيم هذه البنية عبر الزمن مع تغيّر الخبرات والممارسات.

العلاقة... وحدة التفسير الأساسية

إذا كانت المقاربة المؤسسية تعجز عن تفسير حالات تتغير فيها الهوية السياسية مع بقاء المؤسسات على حالها، فإن السؤال ينتقل من البحث في العناصر إلى البحث في العلاقات التي تمنح هذه العناصر أثرها. لذلك تنبثق نظرية التكون العلائقي، فهي تغيّر وحدة التفسير، وتنقل التحليل من العناصر إلى العلاقات التي تنتج آثارها.

وتقوم الفكرة المركزية في هذه النظرية على أن العلاقة بين المجتمع والدولة تمثّل وحدة التفسير الأساسية للهوية السياسية، فالخصائص التي تُنسب إلى كل منهما تتحدد داخل التفاعل المتبادل، ثم تكتسب معناها مع استمراره وتحوّله. ولهذا، يرتبط تغيّر الهوية بتحوّل العلاقة التي تنتجها، أكثر من ارتباطه بتغيّر أحد طرفيها.

يقوم التكوّن العلائقي على بنية تفاعلية تنتظم داخلها العلاقات، وحركة تفاعلية تعيد تنظيم هذه البنية عبر الزمن. ومن خلال هذا التكامل تتكوّن أبعاد الهوية السياسية، والمتمثّلة في الانتماء، والثقة، والمشاركة. بذلك ينتقل تفسير الهوية من البحث في أثر العوامل المنفصلة إلى فهم الكيفية التي تنتج بها العلاقات هذه العوامل، وتعيد تنظيم آثارها داخل سيرورة واحدة. وهكذا ينتقل تفسير الهوية من أثر العناصر إلى العلاقات التي تنتج أثرها عبر الزمن.

الحركة التي تغيّر الهوية

تكشف الحركة التفاعلية الكيفية التي تتطوّر بها أبعاد الهوية، فهي تعيد تنظيم البنية التفاعلية مع تبدّل الخبرات الاجتماعية أو الممارسات المؤسسية، فتتغيّر معاني الانتماء، والثقة، والمشاركة تبعًا لذلك. تبرز هذه الحركة عندما تعيد الأحداث الكبرى ترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة، أو عندما تُفضي الخبرات المتراكمة إلى تحوّلات تدريجية في أنماط التفاعل. وفي الحالتين، يرتبط تطور الهوية بتحوّل العلاقات التي تقوم عليها.

تبعًا لذلك، يجتمع تفسير الاستمرار والتحوّل داخل منطق واحد، فاستمرار البنية التفاعلية يقود إلى استمرار كثير من أبعاد الهوية، في حين تفتح إعادة تنظيمها المجال أمام مسارات جديدة. ولهذا تختلف آثار الإصلاحات المؤسسية من مجتمع إلى آخر، لأن أثرها يرتبط أيضًا بطبيعة العلاقات التي تعمل داخلها.  تقود هذه النتيجة إلى اختبار النظرية في الحالة اللبنانية، لأنها تقدّم محطات تكشف أثر التحوّلات في العلاقة بين المجتمع والدولة على أبعاد الهوية.

الحالة اللبنانية واختبار النظرية

تمثّل الحالة اللبنانية ميدانًا مناسبًا لاختبار نظرية التكوّن العلائقي، فقد شهدت خلال السنوات الأخيرة تحوّلات متلاحقة في العلاقة بين المجتمع والدولة، ورافقتها تغيّرات واضحة في أبعاد الهوية. وتوضح هذه المحطات أن تحوّل الهوية يرتبط بتحوّل العلاقات التي تنتجها، إلى جانب أثر المؤسسات:

(1) ثورة السابع عشر من تشرين الأول 2019: اندلعت في ظل أزمة اقتصادية ومالية متفاقمة، ثم تحوّلت إلى حركة شعبية واسعة امتدّت إلى معظم المناطق اللبنانية، وشارك فيها أفراد من بيئات اجتماعية وطائفية متعددة، مطالبين بالإصلاح، وتعزيز المُساءلة، وتحسين أداء مؤسسات الدولة.

تكتسب هذه المحطة أهميتها لأنها تكشف تحوّلًا في العلاقة بين المجتمع والدولة. فقد ظهرت ساحات احتجاج عابرة للانقسامات المناطقية والطائفية، واتسعت دوائر العمل المدني، وبرز خطاب يركّز على المواطنة والمصلحة العامة. وتكشف هذه الوقائع إعادة تنظيم البنية التفاعلية، وما تبعها من تغيّر في أبعاد الهوية.

(2) انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020: شكّل محطة مفصلية في الحياة العامة، لما خلفه من خسائر بشرية ومادية واسعة، وما أثاره من نقاش حول كفاءة المؤسسات العامة وآليات المساءلة.

وفي المقابل، برزت المبادرات الأهلية على نطاق واسع، وحلّت في كثير من المواقع محل وظائف كان يُنتظر أن تؤديها المؤسسات العامة، سواء في الإغاثة أو تنظيم المساعدات أو الاستجابة السريعة. وتعكس هذه التجربة تحوّلًا في توزيع الأدوار داخل البنية التفاعلية، وما رافقه من تغيّر في الثقة، والمشاركة، والعلاقة مع مؤسسات الدولة.

(3) استمرار الهوية الطائفية: تتضح القدرة التفسيرية للنظرية أيضًا في استمرار أنماط واسعة من الهوية رغم تعدد الإصلاحات المؤسسية، وتعاقب الحكومات، وتغيّر القوانين الانتخابية.

ويعود ذلك إلى استمرار شبكات القرابة، والانتماءات الطائفية، والمؤسسات الدينية، والعلاقات المحلية، وآليات توزيع الموارد، ووسائل التعبئة السياسية، في إنتاج الخبرات التي تغذي البنية التفاعلية. ومع استمرار هذه العلاقات، واصلت الحركة التفاعلية إنتاج كثير من أنماط الهوية، فجاءت آثار الإصلاحات متفاوتة بين سياق وآخر.

دلالة التطبيق

تكشف هذه المحطات أن تفسير التحوّلات السياسية يكتسب اتساقًا أكبر عندما ينطلق من العلاقة بين المجتمع والدولة. فكل تحوّل في البنية التفاعلية يفتح مسارًا جديدًا للحركة التفاعلية، ويقود إلى تغيّر في أبعاد الهوية، بينما يقترن استمرار العلاقات باستمرار كثير من خصائصها. وتؤكد الحالة اللبنانية، بذلك، أن العلاقة تمثل وحدة التفسير الأساسية التي تقوم عليها نظرية التكون العلائقي.

خاتمة

تكشف نظرية «التكوّن العلائقي» أن الهوية السياسية تنشأ داخل العلاقة المتبادلة بين المجتمع والدولة، وأن خصائص كل منهما تتحدد عبر هذا التفاعل المستمر. وتمثّل البنية التفاعلية الحيز الذي تنتظم داخله هذه العلاقات، بينما تقود الحركة التفاعلية تحوّلها عبر الزمن، فتفسر تطور الهوية داخل منطق واحد يجمع بين الاستمرار والتحوّل.

أظهرت الحالة اللبنانية أن التحوّلات الكبرى تكتسب تفسيرًا أكثر اتساقًا عندما تُقرأ من خلال العلاقة بين المجتمع والدولة، وأن أثر الإصلاحات المؤسسية يرتبط أيضًا بطبيعة العلاقات التي تعمل داخلها.

بذلك ينقل «التكوّن العلائقي» تفسير الهوية السياسية من البحث في العوامل المنفصلة المؤثّرة فيها إلى الكشف عن الكيفية التي تنتج بها العلاقات هذه العوامل، وتعيد تنظيم آثارها عبر الزمن. وتمثّل هذه النقلة المنهجية الإضافة الرئيسة للنظرية، إذ تجعل العلاقة وحدة التفسير الأساسية بدلًا من التعامل مع المجتمع والدولة والمؤسسات كعناصر مستقلة سابقة على التفاعل.

من هنا، تفتح النظرية مجالًا لدراسات مقارنة تتناول مجتمعات مختلفة، وتختبر قدرتها التفسيرية في سياقات متنوعة. ووفق هذا المنظور، تبدأ التحوّلات الكبرى في الهوية السياسية داخل العلاقات التي تمنح المؤسسات أثرها وتحدد كيفية حضورها في الخبرة الاجتماعية، بما يجعل تغيّر الهوية مرتبطًا بإعادة تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد