عندما يصبح الرئيس فوق الجمهورية.. لبنان ينزلق نحو الاستبداد!

post-img

كريم حداد/ جريدة الأخبار

لا يولد الاستبداد مُكتمِلًا، ولا يدخل الحياة السياسية مُعلِنًا عن نفسه. يبدأ عادةً بتوسيع محدود لصلاحية، أو بالسكوت عن تجاوز يوصف بأنه استثنائي، أو بتحويل قرار جماعي إلى إرادة فردية بذريعة الحرب أو الضرورة أو إنقاذ الدولة. ثم تتراكم السوابق، فيصبح ما كان مرفوضًا عرفًا، وما كان استثناءً قاعدة، ويتحوّل رئيس الجمهورية تدريجيًا إلى صاحب الجمهورية.

في لبنان، قد لا يأتي الاستبداد في صورة انقلاب عسكري أو إلغاء صريح للدستور. طبيعة النظام الطائفي وتعدّد مراكز القوة يجعلان الانزلاق أكثر احتمالًا في صورة زحف بطيء: رئيس يتصرّف كأنه المصدر الوحيد للشرعية، يختزل مجلس الوزراء، يحتكر التفاوض في القضايا المصيرية، يوظّف المؤسسات الأمنية في خدمة رؤيته، ثم يصنّف المعترضين بين وطنيين وخونة.

الخطر هنا لا يتعلّق بشخص بعينه بقدر ما يتعلّق بتحوّل في مفهوم الرئاسة. تبدأ المشكلة عندما تُستبدل رئاسة الجمهورية بجمهورية الرئيس، ويصبح الدفاع عن المقام الرئاسي ذريعة لتحصين شاغله من المحاسبة، ويُقدَّم الاعتراض على سياساته بوصفه استهدافًا للطائفة التي ينتمي إليها أو تهديدًا لهيبة الدولة. والرئيس الذي لا تحدّه المؤسسات يفقد صفته الدستورية ويتحوّل من حكم بين اللبنانيين إلى طرف يستخدم الدولة في نزاعه معهم.

تبدأ المواجهة بتسمية الأمور بأسمائها. فليس كل اعتراض على رئيس الجمهورية خلافًا شخصيًا، ولا كل انتقاد له استهدافًا للمسيحيين، كما أن نقد رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب ليس استهدافًا لطائفتيهما. الطائفية هي الحصن الأول للاستبداد اللبناني، لأنها تتيح لكل مسؤول الاحتماء بجماعته عندما يعجز عن الدفاع عن قراراته بالقانون.

لذلك يجب نقل النقاش من ثنائية «مع الرئيس أو ضده» إلى الأسئلة الدستورية الواضحة: هل تصرّف الرئيس ضمن صلاحياته؟ وهل صدر القرار عن المؤسسة المختصة؟ ثم هل احتُرمت آليات اتخاذ القرار؟ وهل بقيت أجهزة الدولة في خدمة القانون، أم تحوّلت إلى أدوات لإخضاع الخصوم؟

دستور لبنان بعد اتفاق الطائف لا ينشئ نظامًا رئاسيًا. فالسلطة التنفيذية مَنوطة بمجلس الوزراء، والقوات المسلحة تخضع لسلطته، وإن كان رئيس الجمهورية يحمل صفة القائد الأعلى لها. وهذا القيد أساسي لمنع عسكرة الرئاسة أو تحويل الجيش إلى جهاز تابع للقصر. فالجيش مؤسسة وطنية، ولا يجوز استخدامه لفرض خيارات سياسية داخلية أو لتنفيذ إرادة فردية.

كذلك لا يستطيع الرئيس أن يقرّر منفردًا في قضايا الحرب والسلم، والتعبئة العامة، والطوارئ، والسياسة الأمنية والاتفاقات الدولية. هذه قرارات تعود إلى مجلس الوزراء، وبعضها يحتاج إلى أكثرية موصوفة أو إلى موافقة مجلس النواب. ولا يجوز أن تتحوّل اللقاءات الرئاسية أو التفاهمات غير المنشورة إلى التزامات تفرض على الدولة من خارج مؤسساتها.إن أخطر أشكال الاستبداد هو الذي يستخدم السرية الدبلوماسية لتجاوز الحكومة والبرلمان، ثم يضع اللبنانيين أمام أمر واقع قيل لهم إنه أصبح التزامًا دوليًا لا يمكن التراجع عنه. قضايا السيادة والحدود والأمن والحرب والسلم لا تُختصر باجتماع مُغلق ولا ببيان مُبهم ولا بمُراسلات لا يعرف الرأي العام مضمونها.

من هنا تبدأ المواجهة بإعادة الاعتبار إلى مجلس الوزراء. فالوزراء ليسوا مستشارين لدى الرئيس، ورئيس الحكومة ليس مديرًا تنفيذيًا عنده. فالجميع أصحاب صلاحيات دستورية ويتحمّلون المسؤولية أمام مجلس النواب. وحين يمتنع رئيس الحكومة أو الوزير المختص عن توقيع قرار غير دستوري، فإنه لا يعطّل الدولة، بل يمنع الاستيلاء عليها.

يفرض الدستور في معظم أعمال رئيس الجمهورية توقيع رئيس الحكومة والوزير المختص. والتوقيع ليس إجراءً بروتوكوليًا، بل هو توزيع للمسؤولية ومنع للإرادة المنفردة. ولذلك لا يجوز للوزير أن يبرّر توقيعه بأنه كان ينفّذ توجيهات عُليا. فالمسؤولية لا تسقط بمجرّد الادّعاء بالطاعة.

مسؤولية المواجهة تنطلق من إعادة الاعتبار إلى مؤسسات الدولة، وتمرّد القضاة والموظفين على تنفيذ قرارات غير دستورية، ورفع الصوت من أجل منع التغوّل، دون اعتبار النقد موجّهًا إلى طائفة

بعد الحكومة يأتي دور مجلس النواب. فالاستبداد لا يصنعه الرئيس وحده؛ يصنعه أيضًا البرلمان الذي يتخلّى عن وظيفته. حين يلتزم النواب الصمت، ويفضّلون التسويات الخاصة على المواجهة العلنية، تتحوّل السلطة التشريعية إلى شاهد على تمدّد السلطة الفردية.

لا يكفي أن يعترض النواب في الإعلام. عليهم استخدام أدواتهم الدستورية: الأسئلة والاستجوابات، وجلسات المناقشة، ولجان التحقيق، ومُساءلة الحكومة عن قراراتها، ومراجعة المجلس الدستوري عند الضرورة. الكتلة النيابية التي تملك وسائل الطعن والمحاسبة ثم تكتفي بإصدار البيانات تساهم عمليًا في تطبيع التجاوز.

كما أن رئيس الجمهورية ليس فوق المُساءلة. صحيح أن إجراءات اتهامه بخرق الدستور أو الخيانة العظمى مُعقّدة، لكن مجرّد وجودها يؤكد أنه مؤتمن على الدستور وليس مالكًا له. والمحاسبة لا تبدأ فقط عند الوصول إلى الاتهام الرسمي؛ بل تبدأ بتوثيق التجاوز، وتحليله قانونيًا، ومنع تحوّله إلى سابقة.

الاستبداد لا يكتمل إلا حين تصبح المحاكم مُتردِّدة، والتعيينات القضائية خاضعة للولاء، وأجهزة الادعاء جزءًا من جهاز الحكم. وحين تُستخدم الاستدعاءات أو المُلاحقات لإرهاب المعارضين، يجب أن يكون القضاء خط الدفاع الأول عن حرية التعبير والصحافة والاجتماع وعن الحريات الفردية. والحكم المُتغوِّل يستهدف صحافيًا هنا، وقاضيًا هناك، وموظفًا يرفض أمرًا، وأستاذًا يعترض على رقابة. وإذا ترك كل واحد وحيدًا، أصبح عقابه رسالة إلى الآخرين. أمّا عندما تتشكّل شبكة حماية قانونية وإعلامية ومهنية، فترتفع كلفة الاستهداف ويصبح القمع أقل قدرة على نشر الخوف.

الاستبداد لا ينفّذ قراراته بنفسه؛ إنه يحتاج إلى سلسلة من الموظفين، يقنع كل واحد منهم نفسه بأنه مجرّد حلقة صغيرة. لكنّ مخالفة القانون لا تصبح مشروعة لأنها صدرت عن سلطة عُليا.

الدفاع عن صلاحيات الرئيس المشروعة لا يتناقض مع مقاومة تغوّله. بالعكس، من يردْ حماية الرئاسة يجب أن يمنع اختزالها بشخص، لأن الأشخاص يذهبون وتبقى السوابق. وإضعاف الحكومة والبرلمان والقضاء لا يؤدّي إلى رئيس قوي ودولة قوية، بل إلى تفكّك النظام وتحويل الصراع السياسي إلى تنازع أهلي على مركز السلطة.

لا ينبغي انتظار إغلاق الصحف واعتقال النواب كي يقال إن البلاد دخلت الاستبداد. المواجهة تبدأ عند الانتهاك الأول: حين يتحدّث الرئيس باسم الحكومة من دون قرارها، أو يضع الجيش في موقع سياسي، أو يعقد التزامات خارجية خلف المؤسسات، أو يستخدم الأجهزة لملاحقة منتقديه.

الشجاعة السياسية في لبنان ليست في الشعارات القصوى، بل في منع الخوف من توزيع الصمت على الجميع. شجاعة الوزير أن يرفض التوقيع، وشجاعة النائب أن يطلب المحاسبة، وشجاعة القاضي أن يطبّق القانون على صاحب السلطة، وشجاعة الموظف أن يحتفظ بالوثيقة، وشجاعة الصحافي أن ينشر الحقيقة، وشجاعة المواطن أن يدافع عن حقوق خصمه كما يدافع عن حقوق حليفه. كما أن مواجهة الانزلاق إلى الاستبداد لا تعني إسقاط هيبة الرئاسة، بل إنقاذها من أن تصبح غطاءً للاستبداد. فلبنان لا يحتاج إلى رئيس بلا حدود، بل إلى مؤسسات قوية تمنع أي رئيس من الاعتقاد أنه أقوى من الجمهوري

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد