حين يكتب الجنوب اللبناني شروط الحرب

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

لم تعد معادلة الحرب تُقاس بحجم القوة المستخدمة، بل بقدرة هذه القوة على إنتاج النتيجة التي أُطلقت من أجلها. إذ إن الصواريخ التي تغيّر ميزان الردع ليست بالضرورة الأكثر عددًا، والقصف الذي يملأ السماء لا يعني بالضرورة أن القرار أصبح أكثر قربًا. الفارق بين امتلاك القوة والقدرة على توظيفها هو المسافة التي تفصل بين الحرب المفتوحة والتسوية المفروضة.

المشهد الحالي يحمل هذه المفارقة بوضوح. الولايات المتحدة دخلت المواجهة، وهي تراهن على أن التفوق العسكري سيجبر إيران على إعادة تعريف موقعها وشروطها، لكن استمرار الصراع كشف حدود القوة عندما تصطدم بخصم لا يبحث عن النجاة فقط، أيضًا ليمنع الطرف الآخر من تحويل تفوقه العسكري إلى واقع سياسي دائم.

عندما تصل القوة إلى سقف تأثيرها، لا تختفي، لكنها تغير وظيفتها. تتحول من أداة حسم إلى أداة ضغط، ومن محاولة فرض النهاية إلى محاولة تحسين شروط الوصول إليها. عند هذه النقطة يبدأ الحلفاء بالتحرك داخل المساحة التي تركها تراجع القدرة على الحسم المباشر.

استخدام أوراق الحلفاء ليس جديدًا في السياسة الدولية، لكن دلالته تختلف باختلاف موقع القوة التي تستخدمها. الدولة التي توسع نفوذها تدفع حلفاءها إلى الأمام؛ لأنها تريد إضافة أوراق جديدة إلى ميدانها، أما الدولة التي تواجه سقفًا في قدرتها؛ فتدفعهم؛ لأنها تحتاج إلى خلق مسارات ضغط لم تعد قادرة على إنتاجها وحدها.

استهداف أوكرانيا سفينة إيرانية يندرج تحت هذا النوع من الصراع. إذ إن القضية ليست في الحدث العسكري بحد ذاته، هي في محاولة نقل الاشتباك إلى مساحة أخرى، وفتح مسار جديد يفرض على طهران توزيع حساباتها. غير أن اختبار هذه الأدوات لا يكون بحجم الاستفزاز، بل بقدرتها على تغيير سلوك الخصم؛ فالخصم الذي يختار توقيت الرد لا توقيت الاستفزاز يملك جزءًا أساسيًا من إدارة المعركة.

المشهد الإسرائيلي يحمل التناقض نفسه. ذلك أن المشكلة بين واشنطن و"تل أبيب" لم تعد خلافًا حيال استمرار الحرب فقط، أيضًا في تعريف نهايتها. الإدارة الأمريكية تحتاج إلى صيغة خروج تحفظ موقعها، وتمنع تحول المواجهة إلى استنزاف مفتوح، في حين يحتاج نتنياهو إلى استمرار التوتر؛ لأن توقف الحرب يفتح الأسئلة التي حاول تأجيلها باستمرار الحرب.

عندما يختلف الحلفاء على شكل النهاية، يتحول التحالف من أداة لإنتاج القرار إلى مساحة صراع حيال القرار نفسه. لا يعني ذلك سقوط العلاقة بين الطرفين، لكنه يكشف أن المصالح لم تعد تتحرك في الاتجاه ذاته.

في قلب هذه المعادلة يظهر لبنان، بصورة مختلفة، عن الصورة التي حاولت بعض القراءات تثبيتها طوال المرحلة الماضية. إذ لم يعد الجنوب مجرد ساحة ضمن ساحات متعددة، ولم يعد ملفه قابلًا للفصل عن بقية الملفات كما لو كان قضية محلية منفصلة؛ فالموقع الحقيقي لأي جبهة لا تحدده مساحتها الجغرافية، بل قدرتها على التأثير في مسار الصراع كله.

محاولة فصل لبنان عن إيران تقوم على افتراض أن الجنوب يمكن إخراجه من معادلة الإقليم. أما المقاربة الإيرانية فتقوم على افتراض معاكس، وهو أن أي ترتيب إقليمي يفقد استقراره إذا تجاوز القوة الموجودة على هذه الجبهة، أو حاول التعامل معها على أنها ملف ثانوي.

الفارق بين البوابة والهامش أن الهامش يمكن تجاهله، أما البوابة فتحدد طريقة الدخول والخروج. لكن لبنان تجاوز حتى هذا الوصف؛ لأن المسألة لم تعد مرتبطة بكونه ممرًا إلى الصراع، بل بكونه نقطة تتوقف عندها حسابات الأطراف الأخرى؛ فأي تفاهم لا يمر عبر هذه العقدة سيبقى معرضًا لإعادة الإنتاج في الميدان.

لذلك؛ يصبح الجنوب جزءًا من تعريف التسوية، لا مجرد بند داخلها. كما أن الطرف الذي يحدد نقطة البداية في التفاوض يملك قدرة أكبر على التأثير في شكل النهاية؛ لأن التفاوض لا يبدأ من فراغ، بل من موازين القوى التي أنتجتها الحرب.

مع ذلك؛ لا تقود هذه المعادلة بالضرورة إلى حرب شاملة؛ فالحروب الكبرى لا تندلع فقط؛ لأن الأطراف تملك القدرة عليها، بل عندما ترى أن كلفة عدم خوضها أعلى من كلفة خوضها. في اللحظة التي يصبح فيها التصعيد غير قادر على إنتاج مكاسب تتناسب وثمنه، تتحول الضربات الكبرى إلى أدوات لتحسين شروط التفاوض بدلًا من كونها مقدمة للحسم النهائي.

المرحلة الحالية لا تبدو صراعًا على من يطلق الضربة الأقوى، إنما على من ينجح في صياغة القاعدة التي ستُدار وفقها المرحلة التالية. واشنطن تريد منع تشكل واقع لا تتحكم به، وإيران تريد تثبيت واقع لا يمكن تجاوزه، ونتنياهو يحاول إبقاء الحرب مفتوحة قبل أن تغلق عليه أبواب الداخل.

الحرب الطويلة لا تكشف فقط حجم القوة، بل تكشف حدودها. في لحظة معينة؛ يصبح السؤال الأهم ليس من يملك القدرة على الإيذاء، إنما من يملك القدرة على تحويل الصمود إلى معادلة سياسية. عندها تتحول الجبهات التي أُريد لها أن تكون هامشًا إلى مراكز قرار، وتتحول المناطق، والتي حاول البعض عزلها، إلى مفاتيح تحدد شكل النظام القادم.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد