قبل أشهر قليلة، حين كنت أراجع أرشيف جريدة قديمة، في مكتب صغير في بيروت، وقعت عيني على صورة نسيتها الذاكرة الجماعية: مقاتلون من «المرابطون» يتحصنون في شوارع بيروت الغربية، في صيف العام 1982. لم أكن أعرف حينها أن هذه الصورة ستبقى عالقة في ذهني، حين أكتبُ هذا المقال. سألت نفسي، وما ازال أسأل: لماذا يغيب هذا المشهد عن الذاكرة السياسية اللبنانية؟ من قرر أن سردية المقاومة تبدأ من نقطة معينة، وتنتهي عندها؟
لا أجزم بجواب حاسم. لكنني أخشى أن يكون التبسيط، أو ربما التسييس، قد اختصر تاريخًا أكثر تعقيدًا بكثير مما يُروى اليوم على المنابر وشاشات التواصل.
حين كان «المرابطون» في الخط الأول
في بيروت الغربية، في حزيران 1982، كان الجيش الإسرائيلي يتقدم بألف دبابة نحوها، وترافقه آلة إعلامية ضخمة تعد بحسم سريع. لكن ما حدث كان مختلفًا. لقد واجهت القوات الإسرائيلية مقاومة وطنية لبنانية فاعلة أجبرتها على الخروج من بيروت الغربية، في أواخر أيلول 1982. من كان في قلب تلك المواجهة؟ حركة «المرابطون»، ذات الغالبية السّنية الساحقة في طرابلس وبيروت وصيدا، والتي قدّرت مصادر إسرائيلية نفسها عديدها المقاتل بما يقارب سبعة آلاف عنصر، خلال تلك المرحلة (سويد، 1998، ص 13-15).
هل كان هؤلاء عابرون في المشهد؟ لا أظن ذلك. كانوا جزءًا من نسيج مقاومة متعددة الطوائف، امتد من صيدا إلى الرشيدية وعين الحلوة، حيث لم تفرّق البنادق يومها بين سني وشيعي ومسيحي وطني رافض للاحتلال. أذكر، وأنا أقرأ هذه الوقائع، أن بعض كبار السن في طرابلس وصيدا ما يزالون يتحدثون عن تلك السنوات بفخر مكتوم، وكأنهم يخشون أن يُتهموا اليوم بادعاء بطولة لم تعد «موضة».
المفارقة، وهي تؤلمني حقًا، أن جزءًا من الخطاب السياسي المعاصر يتعامل مع «السّنة» وكأنهم طارئون على قضية فلسطين ومواجهة إسرائيل، أو في أحسن الأحوال متفرجون. لكن من يراجع تاريخ صيدا وطرابلس وبيروت الغربية بين العام 1975 و العام 1982 يكتشف صورة مختلفة تمامًا. عائلات سنية بكاملها قدّمت شهداءها في تلك المواجهات، وأحياء كاملة تحوّلت إلى خطوط تماس مباشرة مع جيش الاحتلال. هل هذا تفصيل هامشي؟ لا أعتقد.
«سيأتي دورهم»... من يقول هذا، ولماذا الآن؟
أنتقل إلى الحاضر، وأعترف أنني أكتب هذا الجزء بقلق حقيقي، لا بحماسة خطابية. إذ إن الخطاب الإسرائيلي، وبعض الخطاب الإقليمي المساند له ضمنًا، بدأ يستخدم عبارة لافتة: «دور السنة سيأتي». يقال هذا أحيانًا بلهجة تحذيرية موجهة إلى دمشق تحديدًا، وأحيانًا بلهجة أقرب إلى التلميح الاستراتيجي. حين هدد وزير الحرب الإسرائيلي الرئيس السوري الانتقالي قائلًا إنه سيدفع ثمنًا باهظًا إذا سمح لقوات معادية بتهديد مصالح الأمن الإسرائيلي، لم يكن يخاطب فردًا بعينه بقدر ما كان يرسم حدود ما تراهه إسرائيل «المسموح به» لأي سلطة سنية ناشئة في المنطقة (فرانس24، 2025).
هل هذا تهديد وجودي فعلًا، أم مجرد أداة ضغط تفاوضي؟ لا أملك يقينًا كاملًا هنا، ومن يدّعي غير ذلك فهو، في رأيي المتواضع، يبسّط أمرًا بالغ التعقيد. لكن المؤكد أن هناك من يقرأ في هذا الخطاب رسالة أعمق: أن أي قوة سنية، سواء أكانت دولة أم حزبًا أم تنظيمًا، إذا اقتربت من حدود «الخط الأحمر» الإسرائيلي، فمصيرها لن يكون أفضل من مصير من سبقها. أليست هذه، في جوهرها، إعادة إنتاج لمنطق «فرّق تسد» الذي عرفته المنطقة طويلًا؟
ما يقلقني، شخصيًا، هو أن هذا الخطاب قد يجد من يستثمر فيه محليًا، بتكريس صورة نمطية عن «سنّة متفرجين» أو «سنّة عاجزين»، في حين أن الوقائع التاريخية، كما مرّ معنا، تقول خلاف ذلك تمامًا.
تركيا الراية والتهديد الذي لا يُخفى
مع التحولات الجديدة يتسع المشهد إقليميًا. إذ إن تركيا اليوم، بما تمثله من ثقل سياسي وعسكري ومرجعية رمزية لقسم واسع من الرأي العام السني في المنطقة، باتت في مرمى قلق إسرائيلي معلن. الرئيس التركي نفسه لم يترك مجالًا للتأويل حين قال إن دمشق وبيروت مدينتان شقيقتان لإسطنبول، وإن أمن تركيا لا يبدأ من هاتاي فحسب؛ بل من حلب ودمشق وبيروت، مضيفًا أن بلاده لن تسمح بفرض أي أمر واقع في «بلدان الأشقاء» (الجزيرة نت، 2026). كلام كبير. ربما كبير أكثر من اللازم؟ لا أدري. لكنه يعكس، على الأقل، إدراكًا تركيًا لحجم التصعيد الإسرائيلي في سوريا ولبنان.
في المقابل، تحليلات متخصصة تشير إلى أن إسرائيل، وإن لم تُدرج تركيا رسميًا ضمن خانة «الخصم الاستراتيجي المباشر»، إلا أنها تنظر بقلق متصاعد إلى تمدد النفوذ التركي، وتعمل، بحسب مصادر بحثية، على تحريك أدوات ضغط اقتصادية وسياسية لإضعاف موقع أنقرة الإقليمي، بالضغط على واشنطن لمنع تقديم العون لتركيا، والعمل عبر الأسواق المالية على إضعافها اقتصاديًا (مركز الجزيرة للدراسات). أليس لافتًا أن الدولة الوحيدة التي ترفع اليوم، ولو بخطاب سياسي أكثر منه عسكريًا مباشرًا، راية الدفاع عن «الأشقاء» السّنة في الشام وبيروت، تجد نفسها هي أيضًا مستهدفة بأدوات ضغط متعددة المستويات؟
أرى في هذا التقاطع، بين خطاب «دور السّنة القادم» في لبنان وسوريا، وبين محاولات إضعاف تركيا، نمطًا واحدًا لا نمطين منفصلين. وربما، من يدري، تكون هذه القراءة متسرعة. لكنني لا أستطيع تجاهل أن التوقيت ليس بريئًا أبدًا.
السنّة في الصف الوطني... تاريخيًا، لا استثناءً
أعود، قبل أن أختم، إلى نقطة أراها جوهرية: إن الانخراط السني في مواجهة إسرائيل لم يكن استثناءً طارئًا، بل جزءًا أصيلًا من الصف الوطني اللبناني منذ عقود. من مظاهرات الصيادين في صيدا، في العام 1975، والتي سقط فيها الزعيم معروف سعد، إلى معارك المخيمات والأحياء الغربية في بيروت، إلى انخراط شرائح سنية واسعة في الحركة الوطنية اللبنانية آنذاك، ثمة خط متصل، وإن تعرّض للتشويه أو التغييب، بحسب متابعات إعلامية متكررة لهذا الملف في السنوات الأخيرة... فهل نحن أمام إعادة اكتشاف لحقيقة غائبة؟ أم أمام محاولة، إسرائيلية بالدرجة الأولى، لإعادة تعريف «من هو العدو القادم» ما يخدم استراتيجية تفتيت طويلة الأمد؟
لا أملك جوابًا نهائيًا، ولا أدّعي ذلك. لكنني أرى أن السؤال نفسه يستحق أن يُطرح بجدية، لا أن يُدفن تحت ركام الاصطفافات الطائفية الآنية. فمن يضمن أن التاريخ لن يعيد نفسه، بشكل أو بآخر، إن استمر التغييب على حاله؟
الجزيرة نت. (2026). أردوغان يهدد بقوة: هل حان الصدام المؤجل مع إسرائيل؟ استرجع من https://www.aljazeera.net/opinions/2026/6/14
فرانس24. (2025). تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل في سوريا يثير مخاوف بشأن صراع نفوذ مفتوح على كل الاحتمالات. استرجع من https://www.france24.com/ar
مركز الجزيرة للدراسات. إسرائيل وتركيا: توترات عابرة أم تضارب مصالح كبرى؟ استرجع من https://studies.aljazeera.net/ar/article/6593
مؤسسة الدراسات الفلسطينية. حروب إسرائيل على لبنان (1978-2024): قراءة مقارنة. استرجع من https://www.palestine-studies.org/ar/node/1656406
سويد، محمود. (1998). الجنوب اللبناني في مواجهة إسرائيل. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
المصري اليوم. (2026). تركيا وحقيقة الهدف الإسرائيلي بعد إيران. استرجع من https://www.almasryalyoum.com/news/details/4290304