انتهت اليوم الأربعاء معركة قضائية استمرت سنوات باستيلاء مستوطنين على عقار تاريخي في قلب البلدة القديمة لمدينة القدس المحتلة، والمعروف بعقار عائلة الباشا، في واحدة من أهم القضايا المتعلقة بالعقارات في المدينة المستهدفة بالتهويد والضم. وبعد أسبوع من إخلاء ست عائلات فلسطينية من عقار الباشا بموجب قرار المحكمة، وفق ما أعلنه مركز معلومات وادي حلوة، نشر مستوطنون مقطع فيديو اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي أثناء تغييرهم قفل الباب الخارجي للعقار الذي استولوا عليه.
بينما يأتي الاستيلاء على عقار عائلة الباشا في ظل توسع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلتَين ووسط هجمات المستوطنين المحميين عسكريًا وقضائيًا من سلطات الاحتلال، قال مدير دائرة الإعلام في محافظة القدس عمر رجوب إن "جلسات قضائية في محاكم الاحتلال استمرت قرابة ثماني سنوات، انتهت بإخلاء ست عائلات فلسطينية من العقار وتسليمه للمستوطنين"، واعتبر في حديث لـ"العربي الجديد"، أن ذلك "يؤكد تصاعد استخدام القضاء الإسرائيلي كأداة لتنفيذ المشروع الاستعماري داخل قلب البلدة القديمة، وليس كجهة محايدة للفصل في النزاعات العقارية".
وصف رجوب قضية عقار الباشا بأنها "واحدة من أخطر القضايا التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة، لما تمثله من نموذج واضح لتكامل أدوار مؤسسات دولة الاحتلال مع الجمعيات الاستيطانية في الاستيلاء على العقارات الفلسطينية ذات الأهمية التاريخية والاستراتيجية".
خطورة هذا الأمر تكمن، بحسب الباحث في شؤون القدس والناشط الفلسطيني فخري أبو ذياب، في أن "الجهات الاستيطانية، مدعومةً من الحكومة الإسرائيلية الرسمية، تسعى إلى تغيير التركيبة السكانية داخل البلدة القديمة، والاستيلاء على العقارات والممتلكات، ولا سيما في محيط المسجد الأقصى". وأضاف في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هذه الخطوات تهدف إلى "جلب المزيد من المستوطنين وتفريغ المنطقة من الفلسطينيين المقدسيين، الذين يمثلون خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى، الذي يوجد في بؤرة الاستهداف الإسرائيلي". وقال أبو ذياب إن "إحدى وسائل هذا الاستهداف هي الاستيلاء على الممتلكات".
معركة قضائية
تعود جذور القضية إلى مطلع القرن الماضي، حين اشترى المقدسي جودت عبد الغني الباشا القسم الشرقي من عقار الباشا في مزاد علني إثر تعثر مالكه اليهودي بالديون. وسجلت الملكية باسم جودت الباشا بصورة رسمية في سجلات الطابو (السندات الرسمية) خلال أربعينيات القرن العشرين، بينما كان القسم الغربي يضم كنيسًا ومدرسة دينية يهودية عُرفا باسم "توراة حاييم". وبعد عام 1948 غادر اليهود المكان، وسلموا مفاتيح الكنيس إلى جودت الباشا للحفاظ عليه حتى عودتهم.
إلا أن الجمعيات الاستيطانية استغلت هذه الواقعة التاريخية لاحقًا لتوسيع نطاق ادعاءاتها، إذ لم تقتصر ذرائعها على المطالبة بالكنيس، بل ادعت ملكيتها للقسم الشرقي أيضًا من العقار، رغم وجود وثائق رسمية تثبت انتقال ملكيته إلى عائلة الباشا قبل أكثر من قرن. وبدأت المعركة القضائية في عام 2018، عندما رفعت ما تسمى دائرة "القيّم العام" التابعة لوزارة العدل الإسرائيلية، بالشراكة مع جمعية "عطيرت كوهنيم" الاستيطانية، دعوى لإخلاء العائلات الفلسطينية من العقار.
خلال سنوات التقاضي، قدمت عائلة الباشا وثائق الملكية الأصلية وسندات الطابو وإثباتات الحيازة المتواصلة لعشرات السنين، إضافة إلى دفوع قانونية تستند إلى مبدأ التقادم (إثبات ملكية بمرور الزمن)، إلا أن المحكمة الإسرائيلية رفضت هذه الدفوع، واعتبرت أن الجزء الذي تديره دائرة "القيّم العام" يدخل ضمن ما يسمى "الأملاك العامة"، وهو توصيف قانوني استند إلى سوابق قضائية إسرائيلية لاستبعاد تطبيق التقادم، رغم الثغرات القانونية الواضحة. وفي منتصف الشهر الحالي، أصدرت المحكمة الإسرائيلية المركزية قرارًا برفض الاستئناف المقدم من عائلة الباشا المقدسية، الذي كان يطالب بإلغاء قرار إخلائها من العقار.
في هذا السياق، قال رجوب إن هذه الإجراءات تعكس "استخدام أدوات تشريعية وقضائية لإضفاء شرعية شكلية على عمليات الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية، بما يخالف مبادئ العدالة وقواعد القانون الدولي المتعلقة بحماية الملكية الخاصة في الأراضي المحتلة"، ورأى أن هذه القضية تكشف "عن منهجية إسرائيلية متكاملة تقوم على توظيف المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها دائرة القيّم العام، لخدمة أهداف الجمعيات الاستعمارية (الاستيطانية)، بما يحوّل النزاعات العقارية إلى أدوات سياسية لإعادة رسم الخريطة الديمغرافية للقدس المحتلة".
كما تؤكد القضية، وفق رجوب، استمرار "اعتماد الاحتلال على تشريعات داخلية تمييزية تمنح اليهود وحدهم حق المطالبة بأملاك تعود إلى ما قبل عام 1948، في الوقت الذي يُحرم فيه الفلسطينيون من المطالبة بممتلكاتهم المصادرة في القدس الغربية أو داخل الأراضي المحتلة عام 1948، ما يشكل أحد أبرز مظاهر الازدواجية القانونية التي تُكرسها سلطات الاحتلال".
ما أهمية عقار الباشا وموقعه؟
تكتسب قضية عقار الباشا أهمية استراتيجية، إذا أوضح رجوب أن القضية "تتجاوز حدود المبنى ذاته، نظرًا لموقعه في قلب البلدة القديمة وعلى مقربة من المسجد الأقصى، حيث تسعى الجمعيات الاستعمارية إلى إنشاء حزام متصل من البؤر الاستعمارية (الاستيطانية) يربط بين الحي اليهودي، وباب السلسلة، وشارع الواد، وصولًا إلى بؤرها المنتشرة في سلوان". ويعزز ذلك، وفق رجوب، "السيطرة الميدانية على المسارات الحيوية والسياحية والدينية داخل المدينة، كما يهدف الاحتلال إلى فرض وقائع ديمغرافية جديدة، وإضعاف الوجود الفلسطيني في أكثر المناطق حساسية"، ولفت إلى أن كل ذلك "يخدم مشروع تهويد القدس وتغيير طابعها التاريخي والعمراني والثقافي، وفرض رواية احتلالية جديدة حول ملكية العقارات في البلدة القديمة".
في هذا الإطار، وصف أبو ذياب العقار بالقول: "هذا العقار قديم وتاريخي، وتعود أصوله إلى الفترة المملوكية (1250 – 1517)، ما يجعله ممثلًا للتراث المعماري، فضلًا عن موقعه الملاصق تمامًا للمسجد الأقصى". وأوضح أن المستوطنين استولوا عليه "متذرعين بادعاءات عدة، أبرزها أنه من أملاك الغائبين (أملاك الفلسطينيين التي استولى عليها المستوطنون بعد نكبة 1948)". وتعد هذه القوانين، وفق أبو ذياب، "بمثابة سيف مسلط على رقاب المقدسيين، تُستخدم كوسيلة للاستيلاء على ممتلكاتهم عبر ما يسمى بقانون حارس أملاك الغائبين".