"الحركات النسويّة" في الرواية العربية.. هل تسهم فعلًا في تفكيك مجتمعاتها ؟

post-img

نجوى الموسوي/قاصة وكاتبة

واجهت الروايات التي تناولت موضوعات "النسوية" نقاشات متعدّدة واتهامات. تدفّقت الأبحاث والمقالات عن تضمين الأدب الروائيّ للكثير من الدعوات "النسوية" والشعارات التي تنادي بها جمعيّات ومنظّمات مدنيّة مختلفة.

تنوّعت الآراء: منهم من ربط الروايات بتاريخ المناداة بحقوق المرأة والتعبير عن عالمها، منهم من وضعها موضع التساؤل والشُّبهات وصولًا إلى رؤية الخطر الثقافي على الأسرة. هذه المقالة تستعرض أمثلة عن مبادئ الحركات "النسوية" في مضامين الأدب الروائي العربيّ، سواء أكان الكاتب رجلًا أم امرأة، وسواء صُنّف الإصدارُ ضمن "الأدب النسوي" أم لم يُصنف، فما هي تجليات أهداف "النسوية" في الروايات؟ وكيف تبدّى اختلاف الآراء في الكتابة عن القضايا النسوية؟ ولماذا أثارت دعوات الحركات النسوية في الروايات هواجس ثقافيّة واجتماعيّة؟ وما الوسائل التي عزّزت الهواجس من وقوع الخطورة؟

 إن "الكتابة النسائية، من زمن بعيد، تمثّل مصطلحًا غير ثابت وغير مستقر، بسبب ما يثيره هذا المصطلح من اعتراضات وما يسجَّل عنه من تحفّظات". ليس الكلام هنا عن تاريخ هذه الكتابة والتطوّر التاريخي أو الفلسفي لما سمي "الأدب النسوي"، بل عن دعوات الحركات "النسوية" التي شكّلت مضمونًا فائق الجاذبيّة لروايات ملأت سوق المعارض والمكتبات العربيّة، وخصوصًا لكُتاب وكاتبات من الوطن العربي والإسلامي ونال بعضهم جوائز كبرى، ولا مجال هنا لحصر أسمائها الكثيرة جدّا.

من المواضيع المُثارة فيها، يتجلّى على سبيل المثال تزيينُ المبادئ النسوية الآتية: الزواج المدني وزواج المرأة المسلمة من غير مسلم، رفضُ الشابات لمؤسسة الزواج الشرعي كونه مسؤولية ومشروعًا للحياة رفضًا كليّا أو رفضًا مرحليًّا قبل التقدّم في السن، التركيزُ على أن الأب (الوالد) العربي ما يزال يتحكّم ببناته ويمنعهن من التعلّم ومن اختيار الزوج وغير ذلك، تقديمُ المكانة المالية للأنثى (المنفصلة عن الذكور) على أي قيمة أسرية ثانية، الحريةُ التي تُبتغى بالخروج من أيّ انتماء دينيّ وأُسريّ،  تسويغ هروب الزوجة  من زوجها وأطفالها إن عشقت رجلا غير زوجها، تقديمُ فطرةِ الأمومة على أنها أزمة! الزنا على أنه علاقة حسيّة، تقبّل الشذوذ والمساكنة والإنجاب الحرام والإجهاض، تصوير حقوق الزوج على أنها جرائم، كل ذلك تحت مسمّيات عامة تتخذها الحركات النسوية شعارات تدعو إليها مثل: "الحقوق الإنجابية والمساواة في الأجور ومكافحة العنف المنزلي والحرية المطلقة جنسيّا ونقد الأبوية.." هل هناك وجه آخر لم تظهره تلك الروايات؟

اختلف فعلا حيال تلك الروايات الأدبيّة التي دعت إلى "مبادئ النسوية"، فمنها ما صُنّف بأنه محضُ تسليطٍ للضوء على تمكين المرأة وبروز قدراتها الإنسانيّة وأبعادها العاطفيّة وأدوارها، بشكل غير متبوع للآخر (الذكر)، ومنها ما انتُقِد ودفع بعض المختصّين في الأدب العربيّ للتمحيص أدبيّا ودينيّا معًا، فبحثوا وكتبوا في عدة عناوين مرتبطة مثل: "تحليل جذور الحركة النسويّة والاتجاهات النسويّة المعاصرة وبيان تأويل النصوص الشرعية عند الحركات النسوية المختلفة.. مع عرض الشبهات التي تثيرها النسويات عن الشريعة الإسلامية، وكذلك تناول قانون الطفل وتبعاته، إلى جانب بيان تدخلات الأمم المتحدة بأجنداتها في دساتير العالم الإسلاميّ، وما يتبع ذلك من آثار ومفاسد ومضار عقديّة واجتماعية كثيرة".

امتد الاختلاف في الآراء إلى فكرة إعلان هدف الروايات المرتبط بأجندات الدعوات النسوية؛ فهل يكون واضحًا أم يتّخذ أشكالًا خفية؟

إن الإصدارات الروائية مؤخّرًا والدراسات النقديّة لها تُظهر بوضوح اختراق الحركات "النسوية" لعالم الرواية، وإن بدأت أوّلا بإثارة التساؤلات والحيرة ولكنها تحقق أهداف أكبر معترف بها صراحةً من ذوي الاختصاص؛ فبرأيهم "إن قراءة الرواية النسويّة ليست مجرّد متعة جماليّة، هي أيضًا عملية انخراط فكري  وسياسي، تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في الافتراضات الراسخة عن النوع الاجتماعي والسلطة والعدالة. إن هذا النوع الأدبي يسعى إلى تغيير الوعي، ليس وعي النساء فحسب، وعي المجتمع بأسره.

لكن هذه المقولات أثارت الهواجس؛ حين كُشف أن العدالة للمرأة ليست هي المطلوب الوحيد، فقد تدفّقت مشهديّات آخّاذة في عوالم المرأة الشكلية والباطنية، وتعمّدت إخفاءَ وجود رجال أو ذكور معتدلين وتهميشَ مئات عمليات العنف والإرهاب والسلب بحق المرأة العربية في حروب الاحتلال وسجونه، بموازاة تجاهل الفعاليات المختصّة بإصلاح قضايا المرأة على الصعد القانونية والمجتمعية والاقتصادية في الدول العربية والإسلامية وتغييب الحلول الموجودة في الشرائع أو ما سمي "الإيديولوجيات" التي حوربت بشدّة. كل ذلك  تحت سياسات تتوخاها الرواية النسوية مثل "تفكيك الأدوار الجندرية النمطية، إذ تعمل الرواية النسوية بشكل حثيث على تحدي وتفكيك الأدوار التقليدية المخصصة للنساء مثل دور الأم، الزوجة، ربة المنزل، والجسد والجنسانية بهدف استعادة ملكية المرأة لجسدها وسرديّته، أي كما يقولون حقّها في الإجهاض والمتعة بعيدًا عن الرجل! والتخلّص من الميزات الفيزيلولوجية حين تشاءز.

وبعد، فإن وضوح هذه الأهداف أدّى في المقابل إلى صعود الدعوات المحذّرة من "تدمير القيم الإنسانية والروحية والخلقية والإضرار بالنظام الاجتماعي، وخاصة الأسرة. في حين قيل إن: "الأدب ليس جمعية نسائية؛ الأدب هو حقّ المعرفة، يطرح إشكاليات وقضايا تلامس الإنسان، أيًّا كان، حتى لو كان طفلا"؛ إلا أن استبعادَ هذه الفكرة أسهم بنشر "ثيمات" تبدّت أحيانًا بخطابيّة ظاهرة، وهناك من رأى بأن الرواية باتت "تشكّل واجهة للتحرّر بالنسبة إلى الكاتبة العربيّة، وفرصة لطرح أسئلة الهوية الأنثويّة أو قضايا الجندر وإشكالات التمييزَين الاجتماعي والثقافي بين الجنسين.

ترى منصّات ثقافية أن الكاتبة الروائيّة العربيّة "لا تجعل حركة النسوية شعارات معلنة لها، ولكنها ما وصلت إلى ما وصلت إليه، من حرية البوح والتقبّل النسبي لكتاباتها بصفتها أنثى بعد موجة سخرية من أدباء ذكوريين قبل نقاد ذكوريين، من فراغ، بل بجهد طويل ونضال شرس خاضته الأديبات الرياديات".

  أمّا خطورة بعض تلك الموضوعات أو "الثيمات" والأفكار التي اتخذت الأدب الروائي منبرًا، فتكمن في عدّة جوانب؛ ومنها:  في "الأسلوب"؛ فهو يدفع القارئ دفعًا لتبنّيها أو تصديقها أو عدم رفضها بالحد الأدنى، فالحرفةُ الروائية باللغةِ الشعرية تستفزّ القارئ للتشكيك في القِيم التي ينتظم فيها المجتمع؛ وصياغةُ الشخصيّات بتعويم بعض النماذج تجذب المرأة وخصوصًا الشابات الناشئات، والأحداثُ الشائقة تُنسج بقوة ناعمة خفية لتأخذ بيد القارئ نحو تقويض المفاهيم العامة، كل ذلك بصورٍ ممتعة "واقعية سحريّة" مثيرةٍ للمشاعر وطارحةٍ لإشكاليات إجتماعية أقل ما تسبّبه هو التشتت والضياع.

هي، من جهة، تتضمن وقائع صحيحة، بصرف النظر عن نسبتها، ومن جهة ثانية تولّد خلطًا بين المفاهيم ولا تدل على الحلول بل تضلل الطريق إليها، وتشبك الحبكات المحاكية للرغبات، وتحتوي جماليات وأبعاد خاصّة من تلك التي "لخّصتها بريجيت لوغار للرواية النسوية في أربعة محاور: "الجنس، إدراك الجسد، التجربة الحياتية، اللغة.

على صعيد جانب الانتشار؛ فقد انسحبت تلك الروايات وتنسحب إلى المسلسلات والأفلام التي تُغرق شاشات كل أفراد الأسرة حاليّا. وغدت الثيمات "النسوية" ومواصفات، مثل الجرأة وكسر "التابوهات" وغيرها تدخل في معايير جوائز أدبية عالمية وشروطها، ثم تروَّج بالملايين وتُترجم إلى عدّة لغات. ينبري كُتاب وكاتبات لاستخدام جاذبيّة المواضيع النسوية وحلاوة كشف المسكوت عنه، فيحصلون على الشهرة بصرف النظر عن ملاحظتهم  ووعيهم للنتائج السيّئة على رسالة الأدب الإنسانيّ وثقافة المجتمع ثم حضارته.

ختامًا، صحيح أن الحركات النسوية استخدمت الأدب الروائيّ لطرح مبادئها، نظرًا لقدرة السرديات بعناصرها وتقنياتها الإبداعية على التأثير في النفس الإنسانية التائهة والطامحة للرخاء، لكن ما يزال اختلاف الآراء يكتنف قضايا "النسوية" المنتشرة روائيّا، فهي شكّلت بالنسبة إلى الكثير من الباحثين خطورةً اجتماعيّة، وأثارت توليفات لقضايا فلسفيّة عميقة وتشكيكيّة في قدسيّة الأسرة في آن واحد، وخلطت بين تهديد أمان المجتمع من ناحية وحقوق المرأة المشروعة من ناحية ثانية.

ما يزال الموضوع مفتوحا للنقد الدقيق وبالأسماء. وهنا تبرز الحاجة إلى المزيد من التدقيق في ما تهدف إليه "الحركات النسوية" الناشطة عبر "الأدب الروائي"، والقرار يعود للقارئ الذكي في اختيار "ما" يطالعه وفي "من" يطالِع له.

من المهم أن تزداد الدراسات النقدية الأدبية المنهجية والأبحاث المركّزة والأطروحات عن إبداعات الأدب الروائيّ الداعية إلى مبادئ "النسوية" ذات الشبهات؛ فتناقشها وتضع مفاهيمها في الميزان وتقدّم توصيات. من الأهمية بمكان أيضًا أن ترتفع نسبة المنشورات الروائية المتعلقة بالمرأة، وتكون ذات فلسفة داعمة للقيم والعدل الصحيح، وتقدم نماذج النسوة اللواتي تبوّأن أدوارًا مجتمعيّة عظيمة توافق أبعادهن الأنثوية ولا تهمش قضاياهن.

______ 

أبرز المراجع:
  • جميلة تيسير صلاح، "الحركات النسوية في ميزان الشريعة الإسلامية"، مركز تبصير للتقريب والرد على الشبهات، ط1 ، 2025 ، القاهرة.
  • مية الرحبي، النسوية قضايا ومفاهيم دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع 2014، دمشق.
  • مروى فتحي منصور، نظرة على تجربة الفن الروائي النسوي العربي، مقال في موقع ديوان العرب.
  •  سلمى براهمة، "سرديات النسوية"،  منشورات السرديات، ط2 ،2020 ، الدار البيضاء.
  •  موقع الميادين الثقافية حوار مع الروائية علوية صبح. 2025.
  • الأدب النسائي قضايا للحوار، منتديات نور الأدب، 2008، المملكة العربية السعودية.
  • الأدب النسوي، المفهوم، والنشأة والتطور عند منظّري العرب والغربيين، سارة المحسن وابتسام المدني، مجلة اللغة العربية جامعة الكوفة العدد 27.
  • دراسة معمّقة في الأدب الروائي النسوي،  منيب محمد مراد، موقع : https://bahethoarabia.com/
  • هويدا مصطفى، إشكاليات الأدب النسوي، 2025، موقع مجلة الحرية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد