مدارس السوق تترّيث في تسليم الإفادات: هل تتأخر دفاتر السوق؟

post-img

رؤى قاسم (صحيفة الأخبار)

لطالما شكّل قطاع تعليم السوق وإصدار رخصها مرتعاً للفوضى في لبنان، وضحيتها الأولى دائماً هو المواطن. وعلى الرغم من محاولات عديدة لضبطه وتنظيمه، فإن أغلب هذه المحاولات باء بالفشل. آخر هذه المحاولات كان قراراً أصدره وزير الداخلية أحمد الحجار حمل الرقم 825 في السابع من شهر تموز الحالي، يتعلق بتنظيم بدلات تعليم السوق في مدارس قيادة المركبات الآلية، وتحديد آلية استيفائها «وفق معايير موحّدة وعادلة»، أو هكذا يقول القرار.

وبموجب قرار وزير الداخلية الجديد، يحدّد البدل المخصص لمدارس تعليم السوق وفقاً لمستوى الطالب، والآلية المستخدمة، ونوعها. ويحدّد مستوى الطالب في القيادة في «حصة تقييم مدتها 40 دقيقة على الأقل، وتتقاضى المدرسة لقاءها مليون و350 ألف ليرة». من بعدها يحدّد مستوى الطالب على سلّم من 5 مستويات، يبدأ بمستوى جيد جداً، وينتهي في مستوى ضعيف جداً. وعندها تتقاضى مدرسة تعليم السوق البدل الخاص بها الذي تراوح قيمته من 11 مليون و250 ألف ليرة للطالب الذي يستخدم سيارة المدرسة ومستواه جيد جداً، وصولاً إلى 26 مليوناً و550 ألف ليرة للضعيف جداً. أما بدل تقديم طلب الامتحان إلى مصلحة السيارات والآليات، فحدّد القرار قيمته بمليونين و250 ألف ليرة.

غير أن القرار الذي يفترض به «تنظيم العمل» أثار، بعد صدوره ومع بداية تطبيقه قبل يومين، موجة من الغضب والاعتراض لدى عدد غير قليل من أصحاب مدارس تعليم السوق، في نقابة أصحاب مكاتب تعليم قيادة السيارات في لبنان، المعروفة بـ«1947» ورئيسها عفيف عبود، ونقابة مدارس السوق في لبنان، ورئيسها حسين حيدر.

نقابيون يرفضون القرار

الغضب الأكبر كان لدى أعضاء نقابة الـ«1947»، التي يرأسها عفيف عبود، وتمثل المكاتب العاملة في بيروت وجبل لبنان، حيث تعمل غالبيتهم في نافعة الدكوانة، إذ اعترض 210 أعضاء من أصل 242 في الجمعية العمومية للنقابة على القرار، يقول زياد فضول أحد أصحاب المكاتب، والمنتسب إلى النقابة.

«القرار مجحف بحقنا»، يؤكد فضول، «خصوصاً مع الارتفاع المستمر في تكلفة المعيشة، والمحروقات اللازمة لتشغيل السيارات، ولا سيما أثناء جلسات التعليم الميدانية على الطرقات، وإيجارات المكاتب وأراضي التدريب وميادين الفحص في المدن مقارنة بالأرياف، فضلاً عن الجهد الذي يبذله المدرب».

ويشير فضّول إلى أنه قبل إصدار هذا القرار، كانت المدارس تجني أرباحاً مقبولة تمكّنها من تأمين قوت يوم العاملين فيها، كما أن التكلفة بالنسبة إلى الطالب، وخصوصاً الذي لا يحتاج إلى عدد كبير من حصص التدريب، كانت مقبولة، نظراً إلى أنها تُدفع مرة واحدة فقط.

أما في حال الالتزام بقرار وزارة الداخلية، فيشير فضول إلى أن «هامش الربح أصبح منخفضاً جداً، حتى بات مشابهاً للعمل بلا أجر»، إذ يصل البدل في حده الأقصى إلى حوالى 325 دولاراً، وهو، بحسب فضّول، بالكاد يغطي المبلغ الذي يتكلفه المكتب عن كل طالب.

لذا ينتقد فضّول فكرة «استمارة التقييم» التي من المفترض أن يخضع لها كل طالب، والتي تحدد مستواه من ضعيف جداً إلى جيد جداً، معتبراً أنه من غير الممكن تقييم الفرد في جلسة واحدة مدتها 40 دقيقة على الأقل، وأن بدل هذا التقييم، البالغ 15 دولاراً، لا يغطي حتى تكلفة البنزين المصروف أثناءها. ويحذّر من أن هذه الاستمارة ستفتح الباب أمام بعض المتدربين للادعاء بأن مستواهم القيادي جيد، لأن القرار الجديد حدد بدل التدريب بناءً على المستوى المعطى فيها، فمثلاً أصحاب تصنيف الـ«جيد جداً» يدفعون حوالى 125 دولاراً، ما يعني جهداً أكبر على المدرب مقابل بدل أقل.

كذلك، ينتقد فضّول تحميل مدرسة القيادة المسؤولية في حال عدم اجتياز الطالب الامتحان، وإجبارها على تقديم عدد غير محدد من الحصص التدريبية الإضافية له، بتكلفة لا تتجاوز 50 دولاراً.

«تريّث» في إعطاء الإفادات... وتوجّه للطعن

وفي هذا السياق، يلفت فضّول إلى أن وزارة الداخلية تواصلت مع النقيب عبود وعدد من الأعضاء المعترضين، قبل أن يجتمع النقيبان عبود وحيدر مع الوزير الحجار، الذي طلب تجربة الآلية لمدة شهر، على أن يتم تعديلها لاحقاً بناءً على الملاحظات.

غير أن الغالبية الكبرى من أعضاء نقابة الـ«1947» رفضت طلب الوزير، واتخذت قراراً بـ«التريّث» ووقف منح إفادات بانتهاء الحصص التدريبية ونجاح الطلاب (من دون وقف الحصص التعليمية)، وهي الإفادات اللازمة لإجراء الامتحان، ملوّحةً بالتصعيد والطعن بالقرار أمام مجلس شورى الدولة في حال عدم تراجع الوزير عن قراره.

كيف بدأت القصة؟

تقول مصادر «الأخبار» إن المسعى بدأ بعد أن وصلت إلى وزير الداخلية ورئيس هيئة إدارة السير والآليات والمركبات، قبل حوالى عام، عدة شكاوى وإخبارات حول وجود سماسرة يتقاضون أكثر من ألف دولار كبدل لإنجاز الدفاتر، وصلت، في إحدى الحالات، إلى حوالى 1400 دولار.

حينها، طلب الوزير الحجار من رئيس المصلحة والنقابات المعنية إيجاد حل لهذه الفوضى، وعليه، تمت دراسة آلية تنظّم بدلات تعليم السوق في المدارس، بالتعاون بين نقابة الـ «1947»، ونقابة مدارس السوق، والمصلحة، بهدف الحد من استغلال المواطنين، ولا سيما الفئة الشابة وذوي الدخل المحدود.

وفي هذا السياق، يقول حيدر إنه قبل الحرب الأخيرة على لبنان، اعتمدت نقابته هذه الآلية لفترة تجريبية على حوالى 70 طالباً، وكانت النتائج جيدة، إذ لم يتجاوز بدل التدريب والحصول على إجازة السوق، في أغلب الحالات، 425 دولاراً كحد أقصى.

ولا ينفي حيدر صحة مطالب أعضاء نقابة الـ«1947»، مقراً بوجود بعض الثغرات، ولا سيما في البدلات التي تتقاضاها المدارس نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة منذ إعداد الآلية. ويشير إلى أن القرار يجيز تعديل هذه البدلات، ولذلك تتم حالياً دراستها بالتعاون مع مختصين اقتصاديين، تمهيداً لرفعها إلى الوزير مع التعديلات الأخرى المطلوبة لحفظ حق المواطن ومدرسة السوق، ومنع الاحتكار والاستغلال، بناءً على الاتفاق مع الوزير الحجار.

حينها، وفي حال عدم تجاوب الجهات المعنية، يؤكد حيدر أن نقابته ستكون إلى جانب نقابة الـ1947 في قرار اللجوء إلى مجلس شورى الدولة للطعن بالقرار، معتبراً أنه من الأفضل عدم الذهاب إلى «التصادم» مباشرة، خصوصاً أن الحصول على نتيجة من مجلس الشورى قد يتطلب أشهراً.

وعلى الهامش، تتخوف مصادر نقابية، في حديث مع «الأخبار»، من أن يكون الهدف من القرار الحد من قدرة مدارس السوق على الاستمرار، واستبدالها بمدارس أخرى «يُحضّر لها» وفقاً لنظام العمل في دول أخرى، ليتم بعدها احتكار هذا القطاع ورفع بدلات التعليم والحصول على دفتر السوق وغيره.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد