فوق آثار الصراعات.. ملامح الشرق الأوسط القادم

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

لم تعد مسألة التطبيع السعودي- الإسرائيلي في الحسابات الإسرائيلية مجرد انتقال من العداء إلى علاقة طبيعية بين دولتين، لقد تحولت إلى جزء من الصراع على شكل النظام الإقليمي الذي يتبلور بعد سنوات من التحولات العميقة.

إن الحديث عن اتفاق نووي مدني بين الرياض وواشنطن لا يتعلق فقط بالطاقة أو التكنولوجيا، أيضًا بموقع السعودية في معادلة القوة. دولة تمتلك الثقل الاقتصادي والمكانة الدينية والموقع الجغرافي، وتحصل على ضمانات أمنية أمريكية وتعاون نووي متقدم، لن تكون مجرد حليف إضافي لواشنطن، بل مركز تأثير مستقل يمكنه إعادة تعريف علاقاته الإقليمية وفقًا لمصالحه الخاصة.

"إسرائيل" لا تتعامل مع الاتفاق السعودي- الأمريكي بوصفه مسارًا ثنائيًا منفصلًا، هي تقرأ ما قد ينتج عنه من تحولات في توازنات المنطقة. إذ إن امتلاك الرياض مظلة أمنية أمريكية وتعاونًا نوويًا متقدمًا وقدرات تكنولوجية جديدة، يمنحها هامش حركة أوسع في صياغة خياراتها الإقليمية، ما يدفع "تل أبيب" إلى محاولة ربط هذا المسار بمسار الاتفاقات الإبراهيمية، لضمان أن تكون جزءًا من البنية الجديدة لا مجرد مراقب لها.

المطلوب إسرائيليًا ليس فقط الحصول على اعتراف سعودي، أيضَا تثبيت معادلة تجعل من العلاقة مع "إسرائيل" ممرًا أساسيًا لأي إعادة ترتيب استراتيجي، في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط). ذلك أن القضية بالنسبة إلى "تل أبيب" تتجاوز قيمة التطبيع الرمزية إلى موقعها داخل شبكة المصالح والتحالفات، والتي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

غير أن التحرك الإسرائيلي لا ينفصل عن لحظة الصراع مع إيران؛ فالمواجهة الأمريكية- الإسرائيلية مع طهران تمنح "تل أبيب" فرصة لإعادة تقديم نفسها جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي، وليس مجرد طرف يسعى إلى توسيع دائرة الاعتراف به. هذا؛ مع تصاعد التوتر مع إيران، تحاول "إسرائيل" تحويل التهديد الإيراني إلى إطار جامع لإعادة تشكيل التحالفات، حيث يصبح التطبيع مع السعودية جزءًا من بنية أمنية وسياسية أوسع، لا مجرد اتفاق علاقات ثنائية.

في هذا السياق، تدرك "تل أبيب" أن إدخال الرياض إلى مسار الاتفاقات الإبراهيمية يمنحها مكاسب تتجاوز الاعتراف الدبلوماسي. هو يثبت دورها شريكًا أمنيًا متقدمًا للولايات المتحدة في المنطقة، ويمنحها موقعًا مؤثرًا في أي ترتيبات مستقبلية، تتعلق بمواجهة النفوذ الإيراني أو إعادة توزيع أدوار القوى الإقليمية.

كما أن "إسرائيل" تنظر بحذر إلى احتمال أن ينتج الاتفاق السعودي - الأمريكي مركز قوة عربيًا؛ يمتلك أدوات استراتيجية متقدمة وعلاقة مباشرة مع واشنطن وقدرة أكبر على اتخاذ قراراته؛ بعيدًا عن الحسابات الإسرائيلية. إذ منذ تأسيسها؛ بنت "إسرائيل" جزءًا كبيرًا من عقيدتها الأمنية للحفاظ على التفوق النوعي ومنع ظهور قوى إقليمية قادرة على تعديل ميزان الردع.

لذلك؛ لا يرتبط القلق الإسرائيلي بالبرنامج النووي السعودي وحده، أيضًا بالصورة الأوسع: دولة عربية كبرى تحصل على مظلة حماية أمريكية، وتُطور قدراتها التقنية، وتعيد تعريف موقعها الإقليمي وفقًا لطموحاتها الخاصة.

غير أن قراءة المشهد، من زاوية المصالح المجردة فقط، تخفي طبقة أخرى من الصراع؛ فـــ"إسرائيل" لا تحاول استثمار الخطر الإيراني لمواجهة تهديد أمني فحسب، هي تسعى أيضًا إلى تحويل الاستقطاب الإقليمي إلى وسيلة لإعادة تعريف موقعها في المنطقة، فيصبح وجودها العسكري والسياسي جزءًا من “الحل” الذي تقترحه القوى الكبرى، بعد أن كان أصلًا أحد مصادر التوتر المزمنة.

الرهان الإسرائيلي يقوم على نقل المنطقة من سؤال الصراع على الحقوق والقضايا إلى سؤال إدارة المخاطر، ومن مواجهة أسباب عدم الاستقرار إلى بناء منظومات أمنية تحافظ على موازين القوة القائمة. في هذه المعادلة؛ تصبح إيران عنوانًا جامعًا، في حين تتراجع القضايا التي شكّلت جوهر الصراع على مدى عقود، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى موقع تفصيلي داخل ترتيبات أمنية أوسع.

لهذا تحمل محاولة جر السعودية إلى التطبيع، بعد الحرب على قطاع غزة، دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية. هي محاولة لانتزاع مشهد إقليمي جديد يعلن أن التحولات الكبرى يمكن أن تمر فوق آثار الصراعات المفتوحة، وأن إعادة ترتيب التحالفات أهم من معالجة جذور الأزمات.

لكنّ المنطقة لا تُدار من غرف التفاوض والتحالفات الرسمية؛ فحسب فكل محاولة لبناء نظام إقليمي يتجاهل موازين القوى الاجتماعية والسياسية والتاريخية قد تنتج ترتيبات مؤقتة، لكنها لا تلغي التناقضات التي صنعت الصراع أصلًا. إذ إن القوة قد تفرض مسارات، لكنها لا تضمن بالضرورة استقرارها.

كما أن الاستعجال الإسرائيلي يكشف، في الوقت نفسه، بأن نافذة الفرصة ليست مفتوحة بلا نهاية؛ فالحرب على غزة ألحقت ضررًا بصورة "إسرائيل" الدولية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز النقاش العربي والدولي، وجعلت أي خطوة تطبيعية سعودية تحمل كلفة سياسية أكبر مما كانت عليه قبل الحرب.

في المقابل؛ لا تنظر الرياض إلى الملف على أنه مجرد استجابة لمطلب أمريكي أو إسرائيلي، هي تراه صفقة تعيد تعريف موقعها في النظام الدولي. إذ تريد ضمانات أمنية وقدرات تكنولوجية ودورًا سياسيًا يتناسب ووزنها، ولا تبدو مستعدة لتحويل هذه الأوراق إلى مقابل مجاني يمنح "إسرائيل" اختراقًا استراتيجيًا من دون أثمان مقابلة.

الصراع الحقيقي لا يدور حيال صورة مصافحة أو إعلان دبلوماسي، بل حيال سؤال أعمق: من يملك حق تحديد قواعد المرحلة المقبلة؟

"إسرائيل" تريد تثبيت معادلة تجعل "تل أبيب" بوابة العبور إلى أي ترتيب إقليمي جديد، مستفيدة من الصدام مع إيران ومن حاجة واشنطن إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر تماسكًا في المنطقة، في حين تسعى السعودية إلى بناء علاقة مباشرة مع الولايات المتحدة تحفظ لها مساحة الحركة والاستقلال، وتمنحها دورًا يتجاوز كونها جزءًا من محاور يحددها الآخرون.

بين هذين المسارين؛ تتحدد ملامح "الشرق الأوسط" القادم، بين نظام تكون فيه "إسرائيل" مركز العقد الأمنية والسياسية، ونظام تتعدد فيه مراكز القوة؛ فلا تمر التحولات الإقليمية الكبرى عبرها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد