الحكومة تقود إصلاح الكهرباء «بالمقلوب»

post-img

زينب بزي (صحيفة الأخبار)

كان يُفترض أن يبدأ الإصلاح في الكهرباء من قانون تنظيم القطاع الرقم 462/2002. هذا ليس «تنظيراً» أو نصيحة أو قراءة في المسار الصحيح الذي يجب اتّباعه، بل هذا ما ألزمت به الحكومة نفسها عندما أقرّت «ورقة الإصلاحات» في أول أيامها، والتي كان يُفترض أن ينصبّ اهتمامها على التنفيذ.

كانت هذه الورقة بمثابة الخطة التي ستترجم شعار الحكومة «الإصلاح والإنقاذ». وتضمّنت «مراجعة وتحديث قانون تنظيم قطاع الكهرباء الرقم 462/2002» في مقدّمة الخطوات التي تتعلق بالقطاع، ويليها تعيين أعضاء هيئة تنظيم قطاع الكهرباء استناداً إلى المادة الثامنة من القانون نفسه، وأخيراً إعادة تنظيم مؤسسة كهرباء لبنان. لكن بعد أكثر من عام، انقلب التسلسل بالكامل: عُيّنت الهيئة، ثم أقرّت ورقة سياسة ترسم إعادة هيكلة المؤسّسة وتحويلها إلى شركات منفصلة في مجلس الوزراء، من دون أن ينبس أحد بكلمة واحدة عن تعديل القانون الذي يحكم الخطوات التالية مثل تعيين الهيئة وإعادة هيكلة المؤسسة.

لم يكن ترتيب البنود شكلياً. فمنطقياً، يُفترض تحديد شكل القطاع وصلاحيات مؤسساته بقانون مُحدث أولاً، بدلاً من قانون مضى على صدوره أكثر من عقدين، وبات بحاجة إلى مراجعة شاملة تتلاءم مع التحوّلات التي شهدها قطاع الكهرباء. وبعدها يأتي تعيين الهيئة التي ستتولى تطبيق هذا القانون، قبل الانتقال إلى إعادة هيكلة مؤسسة عامة تمتلك معظم أصول إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها. إلا أنّ الحكومة اختارت البناء على قانون صدر قبل 24 عاماً، وتأجيل مراجعته إلى وقت لاحق، رغم أن النموذج الذي أقرّته يتضمّن مؤسسات جديدة وعلاقات تعاقدية ومالية وتنظيمية لا يعالجها القانون الحالي بصورة واضحة، وهو ما ظهر جزء منه في الاعتراضات الأخيرة لعمال مؤسسة كهرباء لبنان.

عملياً، انتقلت الحكومة مباشرة إلى تنفيذ البند الثاني. ففي أيلول 2025، عيّن مجلس الوزراء أعضاء الهيئة الوطنية لتنظيم قطاع الكهرباء، بعد أكثر من عشرين عاماً على صدور القانون 462 الذي نصّ على إنشائها.

وبعد أقل من عام، أقرّ ورقة سياسة قطاع الكهرباء التي تُعدّ بمثابة خارطة طريق لإعادة هيكلة القطاع، وتتضمّن تحويل مؤسسة كهرباء لبنان إلى شركة مساهمة مملوكة بالكامل للدولة خلال المرحلة الانتقالية، وفصل أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع والتزويد، وإنشاء كيانات جديدة لإدارة هذه الأنشطة، تمهيداً لزيادة مشاركة القطاع الخاص في القطاع.

في المقابل، بقيت الخطوة التي وضعتها الحكومة بنفسها في مقدّمة الإصلاحات، أي مراجعة وتحديث القانون 462، خارج أي مسار تنفيذي. فلا مشروع قانون أُحيل إلى مجلس النواب، ولا مُسوَّدة تعديل عُرضت للنقاش، ولا حتى جرى الإعلان عن جدول زمني لإنجازها. وبذلك، انتقلت الحكومة إلى تنفيذ إصلاحات بنيوية في قطاع الكهرباء، فيما لا يزال الإطار التشريعي الذي يفترض أن ينظّم هذه الإصلاحات على حاله منذ عام 2002.

ولا تبدو الحاجة إلى تعديل القانون مسألة شكلية أو تقنية، بل هي من صلب عملية الإصلاح. فالحكومة نفسها أقرّت، عندما وضعت «ورقة الإصلاحات»، بأن القانون يحتاج إلى مراجعة، وإلّا لما وضعت تحديثه في رأس الأولويات. فالقانون وُضع قبل أربعة وعشرين عاماً، في مرحلة كان فيها قطاع الكهرباء مختلفاً بالكامل عن الواقع الحالي.

فخلال هذه السنوات، تغيّر القطاع بصورة جذرية، وظهرت تحدّيات جديدة، وانتشرت أنظمة الطاقة الشمسية، وتغيّرت إدارة الشبكات وآليات شراء الطاقة وتمويلها، فيما بقي القانون على حاله. ولا تقتصر المشكلة على قدم القانون، بل أيضاً على حجم التغييرات التي تسعى الحكومة إلى تنفيذها.

فـ«ورقة سياسة قطاع الكهرباء» لا تعالج أداء مؤسسة كهرباء لبنان فحسب، بل ترسم نموذجاً جديداً للقطاع بأكمله. فهي تتحدّث عن إعادة تنظيم المؤسسة، وفصل أنشطتها، وإنشاء شركات جديدة، وصولاً إلى إشراك القطاع الخاص بصورة أوسع في الإنتاج والتوزيع. وهذه ليست مجرّد إجراءات إدارية، بل تغييرات تمسّ البنية القانونية والمؤسساتية للقطاع، وكان يُفترض أن يسبقها تعديل تشريعي يحدّد بصورة واضحة صلاحيات كل جهة، والعلاقة بين وزارة الطاقة والهيئة الناظمة، وآلية انتقال الأصول والعقود والموظفين والالتزامات المالية إلى الكيانات الجديدة، بدلاً من ترك هذه المسائل للمراسيم أو القرارات التنفيذية، وهذا ما هو مرفوض أساساً من المعنيين، كونه لا يعطي الشرعية التي يعطيها القانون ويضمنها.

ولعل ما جرى أخيراً مع عمال مؤسسة كهرباء لبنان يعكس جانباً من هذه الإشكالية. فالاعتراضات طاولت الغموض المحيط بمستقبل المؤسسة ومصير العاملين فيها، والضمانات القانونية المرتبطة بعملية إعادة الهيكلة. وهذا ما يعيد النقاش إلى نقطة البداية: فكلّما تأخّر تحديث القانون، ازدادت الحاجة إلى تفسير مواده أو الاجتهاد في تطبيقها على واقع لم يكن قائماً عند صدوره، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من الخلافات القانونية والإدارية ويعرقل المسار الإصلاحي المرجوّ.

ولا يمكن إغفال أن تعديل القانون كان سيشكّل أيضاً فرصة لإعادة تقييم التجربة التي عاشها القطاع خلال العقدين الماضيين. فمنذ صدور القانون عام 2002، لم تُنشأ الهيئة الناظمة إلا بعد أكثر من عشرين عاماً، ولم يُنفّذ الجزء الأكبر من الإصلاحات التي نصّ عليها، فيما تغيّرت الأولويات والظروف الاقتصادية والمالية بصورة كاملة. وكان من الطبيعي أن تترافق إعادة إطلاق ورشة الإصلاح مع مراجعة لهذه التجربة، وتحديث النص بما ينسجم مع الواقع الجديد، بدلاً من الانطلاق مباشرة إلى إعادة هيكلة القطاع استناداً إلى قانون يعود إلى مرحلة مختلفة تماماً.

وهكذا، تبدو الحكومة وكأنها تسير بعكس التسلسل الذي رسمته بنفسها. فبدلاً من أن يقود القانون عملية الإصلاح، بات الإصلاح يسبق القانون، وباتت إعادة هيكلة قطاع الكهرباء تُنفّذ استناداً إلى إطار تشريعي تعترف الحكومة نفسها بأنه يحتاج إلى مراجعة وتحديث. وهذا يطرح سؤالاً أساسياً: إذا كان قانون 462 لم يعد كافياً لتنظيم قطاع الكهرباء بعد كل التحوّلات التي شهدها، فلماذا تأجّل تحديثه، فيما تُبنى عليه اليوم أهم عملية إعادة هيكلة يشهدها القطاع منذ أكثر من عقدين؟

وهل إقرار سياسة قطاع بأكمله وإنشاء شركات وتقسيم مؤسسات أسهل من تحديث بعض المواد القانونية؟ هذه المفارقة وحدها تختصر المسار الذي اختارته الحكومة في أحد أكثر الملفات حساسية وأهمية. وإن كان من مبرّر لكل ما يجري، فهو غالباً ما سيتبين لاحقاً فإمّا سيكون بسبب من تغليب المصالح والمنافع الخاصة على المصلحة العامة وإمّا بسبب محاولة تحقيق «إنجازات» قبل فوات مدة الوزير والحكومة الرسمية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد