منذ صاغ المؤرخ الأمريكي بول كينيدي مفهوم "الامتداد الإمبراطوري المفرط"، في مؤلَّفه المرجعي عن صعود القوى العظمى وأفولها، صار هذا المصطلح مرآة تُستدعى كلما بدت قوة عظمى تُنفق من رصيدها العسكري أكثر مما يسمح به وزنها الاقتصادي الفعلي.
ما تشهده منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط)، منذ اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران السيد علي الخامنئي، في اعتداء أمريكي- إسرائيلي مشترك في أواخر فبراير/شباط 2026، وما تلا ذلك من حرب اتسعت لتشمل الخليج ولبنان، يُعاد طرح هذا السؤال بإلحاح.
لقد استهلكت واشنطن، في دفاعها عن "إسرائيل"، في ما عُرف بـ"حرب الاثني عشر يومًا"، أكثر من مئتي صاروخ اعتراضي من طراز ثاد، أي ما يقارب نصف مخزون البنتاغون منها، ومئة صاروخ إضافي من طرازي "إس إم-3" و"إس إم-6"، بحسب ما نقله موقع "مصر 360" عن "واشنطن بوست" ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، واللذين يقدّران بأن إعادة بناء هذا المخزون يحتاج إلى سنة لتصل إلى أربع سنوات. هذا بالضبط ما يسميه عالم الاجتماع سينيشا مالشيفيتش "البيروقراطية التصاعدية للقسر": قوة الدولة تُقاس بقدرة جهازها العسكري على تعبئة موارده، لا بخطابها الرسمي؛ وحين يتآكل هذا الاحتياطي لخدمة التزام واحد، تضعف قدرة الإمبراطورية على الردع، في مسارح أخرى من العالم.
عبء الشراكة
على مدى عقود، رُوِّج للعلاقة الأمريكية- الإسرائيلية بوصفها استثمارًا منخفض الكلفة، أقرب إلى ما تسميه الباحثة ساندرا ديسترادي بـ"نظام الهيمنة": تحقيق القيادة بالإقناع لا بالتدخل المباشر. لكن حرب العام 2026 دفعت واشنطن قسرًا نحو "نظام الإمبراطورية" الأكثر كلفة. بينما أغلقت طهران مضيق هرمز، قفزت أسعار البنزين الأمريكية إلى ما يتجاوز أربعة دولارات للغالون، ما دفع إدارة ترامب، والمتمسكة بعقيدة "أمريكا أولًا"، إلى السعي لوقف الحرب، بحسب تحليل اقتصادي نشره موقع الجزيرة نت.
إزاء ذلك؛ شهد الكونغرس الأميركي تصاعدًا في الأصوات الرافضة لاستمرار المساعدات "المجانية" وتراجع التأييد الشعبي لــ"إسرائيل" إلى أدنى مستوياته تاريخيًا بين قواعد الحزبين. الأخطر أن السؤال بدأ يُطرح داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها: الباحث شاؤول أربيلي، في "زمان إسرائيل"، رأى أن الحرب التي شُنّت لإضعاف إيران أنتجت نتيجة معاكسة، إذ خرجت طهران، على الرغم من اغتيال مرشدها، إلى موقع أقوى مما كانت عليه قبل اندلاعها.
التحولات الإقليمية وتداعيات الردع
بعد أشهر من التصعيد، توصلت واشنطن وطهران، في يونيو/حزيران 2026، إلى مذكرة تفاهم من أربعة عشر بندًا، تضمنت التزامًا أمريكيًا بإعادة ما دمر في إيران بثلاثمئة مليار دولار ونافذة تفاوض مدتها ستون يومًا. غير أن الهدنة لم تُنهِ التصعيد: ففي الأول من أغسطس/آب هدد ترامب بضربات "عنيفة للغاية"، قبل أن يتراجع في اليوم التالي مباشرة. هذا النمط ليس جديدًا، فغزو العراق (2003) كان يهدف إلى موازنة إيران، لكنه تحوّل إلى ما وصفه رئيس أمريكي أسبق بـ"فيتنام ثانية" وسّعت حضور طهران عندما دعمت المقاومة العراقية.
في عدوان العام 2006 على لبنان؛ استهدف حزب الله؛ فيما وصفته كوندوليزا رايس بأنه "مخاض ولادة شرق أوسط جديد"، لكنه انتهى من دون حسم. وها هي حرب العام 2026 تكرر النمط ذاته: اغتيال رمزي كبير يليه إخفاق أكبر في ترجمته إلى تسوية سياسية حاسمة. كما كتب عبد الإله بلقزيز، العنف المجرد من مشروع سياسي جامع لا يحصد في النهاية إلا ثمار ما زرعته السياسات التي اعتمدته. هنا تكمن الخلفية الحقيقية لـ"اتفاق مكة للدفاع المشترك"، والذي وقّعته السعودية وتركيا وباكستان، في السابع من أغسطس/آب الحالي، بعدما رفضت دول خليجية، السعودية وقطر، ربط إنهاء الحرب بالتطبيع، ودفعها التذبذب الأمريكي المتكرر إلى البحث عن ترتيبات موازية، وسط صمت أمريكي - إسرائيلي رسمي يقترب من القبول الضمني.
سيناريوهات المواجهة والتحالفات
في موازاة ذلك، يتصاعد توتر من طبيعة مختلفة بين تركيا وإسرائيل، مسرحه سوريا وشرق المتوسط. وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي حذّر، في أواخر يوليو 2026، من أن دمشق وأنقرة تشكلان تهديدًا أخطر من إيران. كما شدد وزير الأمن يسرائيل كاتس على رفض السماح بتقوية الجيش السوري الناشئ. لفهم طبيعة هذا التوتر، تفيد "مفارقة" يوردها الباحث طيبي غماري، نقلًا عن بيتر فايفر، بأن المؤسسة العسكرية التي تُنشأ أصلًا للحماية، وتُمنح من القوة ما يكفي لأداء تلك المهمة، قد تتحول بفعل منطقها الداخلي إلى مصدر خطر على من إنشائها. هذا ما يصح تعميمه من علاقة الجيش بالدولة الواحدة إلى علاقة الأحلاف العسكرية بمنظومة الأمن الإقليمي. مع ذلك، تستبعد غالبية القراءات التحليلية الجادة سيناريو المواجهة المباشرة بين الجيشين، وترجّح احتكاكًا غير مباشر مسرحه سوريا.
أما الموقفان السعودي والباكستاني من دعم أنقرة في هذا السيناريو، فتحكمهما حسابات أكثر برودة من لغة "الإخوة الإسلامية" الواردة في ديباجة اتفاق مكة: الرياض ما تزال ترى في واشنطن ضامنًا أخيرًا، في حين تمنح باكستان الاتفاق ثقلًا رادعًا بحكم ترسانتها النووية المقدرة بنحو 170 رأسًا، وفقًا لمعهد "سيبري"، من دون أن يعني ذلك استعدادها لخوض حرب لا تخصها مباشرة، لا سيما أن الأطراف الثلاثة نفسها نفت وجود أي مظلة نووية مشتركة ضمن بنود الاتفاقية.
معضلة الأحلاف
يبقى السؤال الأكبر: هل تمثل العودة إلى منطق "أحلاف الأقاليم" صمام أمان يعيد التوازن، أم فصلًا جديدًا من التنافس الإقليمي؟
يقدّم المفكر السوري ياسين الحافظ مدخلًا نظريًا خصبًا: الوحدة بين أقطار متفاوتة التطور لن تكون بناءً طوباويًا "مصممًا قبليًا"، بل تركيبًا من "أحجار" متفاوتة الحجم يتقدّمها بالضرورة القطر الأكبر أو الأكثر تطورًا، وهو دور "قد لا يبدو ديمقراطيًا شكليًا" مسوّغًا، لكنه مسوَّغ من زاوية التطور التاريخي. تلك بالضبط بنية اتفاق مكة: ثقل سعودي مالي ورمزي، صناعة دفاعية تركية تتجاوز صادراتها 8.5 مليار دولار سنويًا، ردع نووي باكستاني، تشكيلة متفاوتة الأوزان قد تُنتج "نزوعات إقليمية" لا تُختزل بالضرورة في عداء.
لإدراك هشاشة الأحلاف المبنية على تهديد خارجي مشترك، يقدّم الباحث محمد بن المختار الشنقيطي سابقة تاريخية دالة: فحين واجه السّنة والشيعة الإمامية معًا حملة الفرنجة، "اكتشفوا وحدة مصائرهم" وتقاربوا سياسيًا وعسكريًا، على الرغم من الفجوة المذهبية. لكن "العامل الصليبي كان له أثره المزدوج: توحيدًا وتفرقًا"؛ إذ يظل التقارب المبني على تهديد خارجي وحده عرضة للتراجع بمجرد تبدّل موازين ذلك التهديد. هذا ما يحذر منه خبراء استضافتهم "روسيا اليوم"؛ يقولون: اتفاق مكة يحمل رسالة إلى واشنطن عن تراجع الثقة بمظلتها، لكن دول الخليج لا تسعى إلى بديل كامل عن واشنطن، بل إلى "مسار موازٍ"، تمامًا كما لم تكن الأحلاف الإقليمية السابقة، من حلف بغداد إلى حلف السنتو، أكثر من محطات عابرة سرعان ما استقطبت معسكرات مضادة.
خلاصة
في نهاية المطاف، لا تتراجع الإمبراطورية الأمريكية بفعل هزيمة عسكرية مباشرة، إنما بفعل تآكل تدريجي في مصداقية التزاماتها الممتدة. هو بالضبط ما تنبأ به كينيدي حين ربط أفول القوى العظمى بلحظة يفوق فيها حجم الوعود الأمنية حجمَ الموارد القادرة على الوفاء بها. اتفاق مكة، بمعزل عن نجاحه أو فشله في الاختبار الأول، هو أول دليل ملموس على أن حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة قرروا ألا ينتظروا إجابة ذلك السؤال المؤجَّل، وبدأوا فعليًا في كتابة إجابتهم الخاصة، بعيدًا، ولو جزئيًا فقط، عن الوصاية التي طال أمدها.
بلقزيز، عبد الإله. (1999). العنف والديمقراطية. منشورات جريدة الزمن، كتاب الجيب.
الحافظ، ياسين. (1981). في المسألة القومية الديمقراطية.
الشنقيطي، محمد بن المختار. (2016). أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية. الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
غماري، طيبي. (2019). الجندي والدولة والثورات العربية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
مالشيفيتش، سينيشا. (2022). سوسيولوجيا الحرب والعنف (طارق عثمان، مترجم). الشبكة العربية للأبحاث والنشر. (العمل الأصلي نُشر عام 2010)
مطر، حسام. (2019). ما بعد القتال: حرب القوة الناعمة بين أميركا وحزب الله (الطبعة الثانية). شركة المطبوعات للتوزيع والنشر.
Destradi, S. (2008). Empire, hegemony and leadership: Developing a research framework for the study of regional powers (GIGA Working Papers No. 79). كما ورد في: مطر، حسام (2019).
Kennedy, P. (1987). The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000. Random House.
الجزيرة نت. (2026، 1 يوليو). فاتورة المليارات وصرخة دافع الضرائب: كيف تلتهم "أمريكا أولًا" الاستثناء الإسرائيلي؟ https://www.aljazeera.net
الجريدة نيوز. (2026، 16 يوليو). هل تتحول إسرائيل إلى عبء على أميركا؟ (نقلًا عن زمان إسرائيل). https://www.aljaridanews.com
مصر 360. (2026، 14 يوليو). العلاقة الأمريكية الإسرائيلية: نفوذ متبادل يتجاوز التبعية (نقلًا عن واشنطن بوست ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية). https://masr360.net
سي إن إن بالعربية. (2026، 17 يونيو). أمريكا تنشر الاتفاق الرسمي مع إيران: اقرأ النص المكوّن من 14 بندًا. https://arabic.cnn.com
سي إن إن بالعربية. (2026، 7 أغسطس). السعودية وتركيا وباكستان توقّع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك": إليكم أبرز أهدافها. https://arabic.cnn.com
فرانس 24. (2026، 8 أغسطس). السعودية وتركيا تؤكدان أن الاتفاقية مع باكستان لا تستهدف دول المنطقة وليست مرتبطة بمساعٍ نووية. https://www.france24.com
المجلة. (2026، 16 يوليو). التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل: هل يصل حد المواجهة العسكرية؟ https://www.majalla.com
روسيا اليوم (RT Arabic). (2026، 8 أغسطس). تراجع "الهيمنة" الأمريكية: خبراء يعدّدون رسائل حلف مكة الجديد. https://rtarabic.com