الفيلسوف الفرنسي إتيان باليبار يكتب عن "فلسطين، في مواجهة الإبادة"

post-img

ينطلق الفيلسوف الفرنسي إتيان باليبار من غزّة لقراءة تبعات الكارثة على البشرية، لا على الفلسطينيين وحدهم، عبر الجمع بين مسألتين: عدالة القضية الفلسطينية، وتحليل التحولات الراهنة لمعاداة السامية وتوظيفها السياسي، كما يوضحهما في كتابه "فلسطين، في مواجهة الإبادة" (دار ديفرجنس، مدينة كيمبرلي الفرنسية، 2026).

يقرأ باليبار التوظيف السياسي لمعاداة السامية، بدءًا من الحالة الفلسطينية، ومن خلال تحليل أدوات الخطاب، مثل مساءلة اللغة التي تنقل الإبادة، والذاكرة التي تُستدعى لتبرير الجريمة التي تقع على الفلسطينيين، إضافة إلى الضغوط التي تمارس على الأصوات التي تعترض على الإبادة.

في ضوء هذا، يفكك خطاب معاداة السامية، ويناقش تحوّل ضحايا الاضطهاد في الأمس، إلى أصحاب لمشروع إمبريالي يضطهد الآخر. في المقابل، يقترح الكتاب رفض الاستسلام، أو استبدال الكراهيات، فهو لا يطرح الدفاع عن الفلسطينيين باعتبارهم أعداء لليهود، من خلال التمييز بين اليهود في العالم ودولة إسرائيل، منتقدًا المطابقة بينهما، وما تفضي إليه من مساواة معاداة الصهيونية بمعاداة السامية.

كما يقرأ باليبار ما يجري في غزة، ضمن البنية الاقتصادية للحرب نفسها، وذلك عبر ربط الإبادة بشبكة من المصالح العسكرية والمالية والتكنولوجية التي تجعل استمرار العنف جزءًا من دورة اقتصادية. ومن هذه الزاوية، يتوقف عند مشاريع إعادة تشكيل القطاع بعد تدميره، وما تحمله من تصورات تتعامل مع المكان بعد إفراغه من سكانه، إذ يقترن اقتلاع الفلسطينيين، في قراءته، بمحو آثار وجودهم المادي والرمزي. ويستعين باليبار بأفكار المؤرخ البريطاني إدوارد بالمر تومسون لمناقشة العلاقة بين تراكم السلاح واحتمالات استخدامه، حيث لا تنفصل الصناعات العسكرية عن حاجتها إلى تجديد الأسواق.

انشغال باليبار بالقضية الفلسطينية، يعود إلى عام 2004، عندما نشر مقالًا يحمل عنوان "كونية القضية الفلسطينية"، رفض فيه اختزال الصراع إلى حرب بين أخيار وأشرار، خاصة مع إشارته إلى "الاختلال المتزايد في الحقوق وموازين القوة"، في سياق رؤيته بأن الفلسطينيين هم الذين يخوضون معركة البقاء شعبًا، في وجه قوة إسرائيل العسكرية ودعم الولايات المتحدة لها.

ناقش باليبار قيمة التفكير أمام الإبادة، رأى فيه خصوصية غزة تشمل توظيف ذاكرة المحرقة لتبرير العنف الإسرائيلي. وهو يستخدم النظريات النقدية لحنة أرندت وبريمو ليفي، بما هي أدوات لفهم الحاضر، ويستعيد إدوارد سعيد في تقديم المساواة على المفاضلة المجرّدة بين دولتين، إذ لا تُبنى تسوية قابلة للحياة على أساس استمرار سيطرة شعب على آخر، مشيرًا إلى أن على أوروبا الانخراط بأسرع ما يمكن في النضال من أجل بقاء فلسطين وحريتها، ومنع تفكيك البحر المتوسط بما هو فضاء حضاري، بحسب مقابلة أجراها مع لوكا سالزا في سبتمبر/أيلول 2025 لمجلة K – Revue transeuropéenne de philosophie et arts.

يصل باليبار إلى الموضوع الفلسطيني عبر بحث في الفلسفة السياسية، شمل دراسة ماركس وسبينوزا، ونقد العنصرية والقوميات، إلى جانب أسئلة المواطنة. وقد درّس في جامعات الجزائر ونانتير وكولومبيا وكاليفورنيا، ومن كتبه "فلسفة ماركس" و"سبينوزا والسياسة" و"حدود الديمقراطية" و"خشية الجماهير".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد