في بعض الحروب لا تكون القوة في كثافة النار وحدها، إنما في القدرة على تحديد إيقاعها، وجعل الطرف الآخر يدفع ثمن استمرارها؛ حتى عندما لا يبدو أنه يتراجع على الخريطة. الطرف الذي يرد على كل ضربة بالشكل الذي يريده خصمه؛ قد يجد نفسه يخوض حربًا وفقًا للإيقاع الذي فرضه المهاجم، في حين يستطيع الطرف الذي يحتفظ بقدر من الغموض، في توقيت الرد وشكله، أن يحول الزمن نفسه إلى عنصر من عناصر المعركة.
ما يجري في الجنوب اللبناني يضع هذه الفكرة تحت الاختبار. "إسرائيل" كثفت ضرباتها وتحركاتها البرية، وأعلنت السيطرة على مرتفع علي الطاهر وتدمير منشآت قالت إنها تابعة للمقاومة. يمكن التعامل مع هذه الوقائع على أنها جزء من محاولة إسرائيلية لتغيير البيئة الميدانية وفرض واقع جغرافي جديد، لكن إعلان السيطرة لا يكفي وحده لإثبات أن الموقع تحول إلى مكسب استراتيجي مستقر، ولا أن ما تحقق على الأرض يمكن ترجمته تلقائيًا إلى تغيير دائم في قواعد الاشتباك. الموقع قد يُنتزع، لكن قيمته العسكرية والسياسية تتحدد أيضًا بكلفة الاحتفاظ به، وبالقدرة على حمايته، وبما يستطيع الطرف الآخر أن يفعله بهذه السيطرة أو في محيطها.
المسألة أعمق من مرتفع بعينه. القصف الذي يطال مناطق واسعة لا يحقق أثره فقط؛ بتدمير منشأة أو إخلاء موقع، إنما بمحاولة إعادة تشكيل المجال الذي تتحرك فيه المقاومة. النزوح والضغط على البيئة المدنية وتعطيل الحركة واستنزاف الموارد كلها؛ وسائل يمكن أن تجعل الأرض نفسها جزءًا من الضغط العسكري. إذا كان الهدف هو دفع المقاومة إلى كشف قدراتها أو نقلها إلى نمط من المواجهة يمكن رصده واستهدافه، فإن عدم الانجرار إلى هذا الإيقاع يصبح، في حد ذاته، خيارًا عسكريًا يستحق القراءة.
لا يعني ذلك أن كل هدوء هو خطة، ولا أن كل تأخر في الرد يحمل بالضرورة حسابًا استراتيجيًا عميقًا. لكن اختزال المشهد، في معادلة "إسرائيل تضرب والمقاومة تنتظر"، يفقد الحرب أحد أهم عناصرها. إذ إن المقاومة التي لا تكشف كل ما لديها، ولا تجعل كل ضربة إسرائيلية سببًا لفتح مستوى جديد من المواجهة، تحتفظ بدرجة من الغموض تجعل حسابات الخصم أكثر تعقيدًا. في المقابل، كلما توسعت العمليات الإسرائيلية، ارتفعت كلفة تثبيت نتائجها وحمايتها وتحويلها من سيطرة مؤقتة إلى واقع دائم.
المعادلة نفسها لا تتوقف عند الحدود اللبنانية. إن الحرب الدائرة في الإقليم تكشف أن السلاح لم يعد وحده هو الأداة التي تحدد قدرة الأطراف على الصمود. الطاقة والملاحة والممرات البحرية والتأمين وحركة التجارة والقدرة على إبقاء خطوط الإمداد مفتوحة، كلها أصبحت أجزاء من المعركة. ما يحدث في مضيق هرمز مثلًا لا يمكن فصله عن الحسابات العسكرية والسياسية الأوسع، لأن التحكم في حركة الطاقة لا يضغط على الخصم في ميدان القتال فقط، إنما ينقل جزءًا من كلفة الحرب إلى اقتصاده وأسواقه وحلفائه.
لذلك؛ اكتسب مضيق هرمز قيمة تفاوضية تتجاوز كونه ممرًا بحريًا. المفاوضات الأميركية الإيرانية التي ارتبطت بإعادة فتح المضيق كشفت أن كل طرف يحاول استخدام ما يملكه من أوراق قبل أن يتنازل عنها. واشنطن تريد حرية الملاحة، وطهران تريد إنهاء الحصار ورفع القيود عنها، وبين المطلبين تظهر حقيقة أكثر أهمية: السيطرة على إيقاع الأزمة قد تكون في بعض اللحظات أكثر قيمة من توجيه ضربة إضافية.
تتصل هذه المعادلة أيضًا بالبحر الأحمر وباب المندب، حيث لا تصبح المسألة مجرد حركة سفن بعينها، إنما كلفة طريق كامل. كل اضطراب في الملاحة يرفع حسابات التأمين والشحن والطاقة، ويجبر الدول والشركات على إعادة ترتيب طرقها، وتلك الكلفة لا تتوزع بالتساوي بين أطراف الصراع. لهذا؛ فإن قدرة أي طرف على إبقاء خصمه تحت ضغط اقتصادي ولوجستي، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة في كل لحظة، تمنحه نوعًا مختلفًا من القوة.
أما الولايات المتحدة، فتواجه معادلة إضافية؛ لأن الحرب لا تجري خارج حساباتها الداخلية. انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني تقترب، وقد أصبحت أسعار الطاقة وكلفة المعيشة من القضايا المرتبطة مباشرة بالنقاش الأميركي حيال الحرب مع إيران. هذا لا يعني أن القرار الأميركي تحكمه الانتخابات وحدها، ولا أن أي نتيجة انتخابية يمكن التنبؤ بها من هذه المعطيات، لكنه يعني أن استمرار الحرب لها كلفة سياسية داخلية لا يمكن فصلها عن كلفته العسكرية والاقتصادية.
في المقابل؛ لا يمكن قراءة الموقف السعودي هلى أنه تفصيل تابع للمواجهة الأميركية الإيرانية. إن أمن الحدود وحركة التجارة والطاقة ومشاريع البحر الأحمر والعلاقة مع الحرب في اليمن؛ كلها تجعل الرياض معنية مباشرة بمآلات أي تسوية تعيد ترتيب ميزان القوة الإقليمي. لهذا؛ فإن القلق من أي اتفاق يعيد توزيع أوراق القوة، في الخليج والبحر الأحمر، هو ليس مجرد موقف دبلوماسي، إنما يرتبط بمصالح أمنية واقتصادية طويلة المدى.
المشهد كله يعيدنا إلى سؤال واحد: من يملك الزمن؟ فالدولة التي تستطيع أن تحسم سريعًا قد لا تحتاج إلى الانتظار، لكن الطرف الذي لا يستطيع خصمه حسم الحرب ضده يصبح امتلاك الوقت جزءًا من قدرته على الصمود. في حرب متعددة الساحات، لا يكفي أن تسأل من يملك الصاروخ الأبعد مدى أو الطائرة الأكثر تطورًا؟ عليك أن تسأل من يستطيع إبقاء المعركة في مستوى يحتمله، ومن يدفع ثمن استمرارها، ومن يتحمّل أن تمتد أسابيع أو أشهر من دون أن تتحول كلفة الحرب عليه إلى أزمة أكبر من المكاسب التي حققها؟
لذلك؛ لا ينبغي أن تُقرأ التطورات في الجنوب اللبناني على أنها سلسلة من المواقع التي تسقط أو تُستعاد. كما لا ينبغي أن تُقرأ المواجهة الإقليمية على أنها تبادل متواصل للضربات. الحرب تُدار أيضًا بالامتناع والتأخير والغموض وتوزيع الكلفة واختيار المكان الذي يدفع فيه الخصم ثمنًا أكبر. قد يكون أخطر ما في الحرب بالنسبة إلى الطرف المتفوق ناريًا أن يكتشف، بعد وقت طويل، أن كل مكسب ميداني يحتاج إلى قوة أكبر لحمايته، وكل توسع في الجغرافيا يفتح عليه مساحة جديدة من الاستنزاف.
القوة في النهاية ليست فقط في القدرة على ضرب الخصم، إنما في القدرة على جعل الزمن يعمل لمصلحته. من يملك رفاهية الانتظار، أو يستطيع أن يجعل خصمه يدفع كلفة الانتظار، قد يمتلك في لحظة معينة ورقة لا تظهر على الخرائط، لكنها تحدد اتجاه الحرب أكثر من أي مرتفع أو منشأة أو غارة.