ليست المشكلة، في الحروب الحديثة، أن قدرتها على التدمير هائلة، بل لأن هذه القدرة كثيرًا ما تُقاس بما تستطيع القنابل تدميره، لا بما تعجز عن الوصول إليه. إذ تستطيع الطائرة أن تهدم منزلًا، والصاروخ أن يسوّي منشأة بالأرض، والقصف أن يقطع طريقًا أو يدمر بنية تحتية، لكن هذا كله لا يجيب وحده عن السؤال الأهم في أي حرب طويلة: هل استطاع القصف أن يقتل الرغبة في الصمود والاستمرار؟
تبدأ، هنا، المسافة بين القوة المادية والقوة التي تصنع التاريخ. إذ إن الحرب لا تقع على الأرض وحدها، وإن كانت الأرض مسرحها الأكثر وضوحًا.. إنها تقع أيضًا في الذاكرة والهوية وتصور الإنسان لنفسه ولعدوه وللقضية التي يقاتل من أجلها. لهذا؛ السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على الإنسان، كما أن تدمير البنية المادية لا يعني بالضرورة تدمير القدرة على إعادة إنتاج المقاومة.
لذلك؛ تصبح العقيدة أكثر من منظومة من الأفكار والاعتقادات. حين تتحول العقيدة إلى وعي جماعي، تبدأ في إنتاج معنى للتضحية ومعنى للصبر ومعنى للخسارة ومعنى للاستمرار، حين تصبح الكلفة أعلى من الحسابات المادية المباشرة. هي لا تلغي العقل الاستراتيجي، ولا تعوض التنظيم والسلاح والخبرة، لكنها تمنح هذه العناصر إطارًا يفسر لماذا ينبغي استخدامها، لماذا ينبغي الاستمرار عندما تصبح الحرب طويلة ومكلفة؟
إذ إن العقيدة المقاومة لا تولد في فراغ، والذاكرة ليست حكايات قديمة تستعاد في المناسبات. كلاهما يتشكل من تجربة تاريخية طويلة، يتعلم فيها المجتمع أن ميزان القوة ليس ثابتًا، والهدنة قد توقف النار، لكنها لا تنهي بالضرورة الصراع، والاتفاق السياسي لا يصبح ضمانة حقيقية لمجرد أنه وُقّع، ما لم تسنده قوة تمنع الطرف الأقوى من إعادة تفسيره؛ وفقًا لمصالحه.
يكشف تاريخ الصراع العربي مع المشروع الصهيوني تراكمًا طويلًا لهذه التجربة. إذ منذ الهدن التي أعقبت حرب العام 1948، مرورًا بالحروب والاحتلالات والاجتياحات، وصولًا إلى مسارات التسوية التي لم توقف الاستيطان والسيطرة على الأرض، ظل الصراع أوسع من الأوراق التي وُقعت لإنهائه. لم تكن تلك التجارب مجرد وقائع تنتمي إلى الماضي، لقد تحولت مع الزمن إلى ذاكرة سياسية تحدد كيف تنظر الأجيال اللاحقة إلى معنى الاتفاق ومعنى الضمانات ومعنى القوة.
في هذا السياق؛ يصبح التاريخ جزءًا من تفسير المقاومة، لا مجرد خلفية لها. المقاومة التي تنشأ بعد عقود من الاقتلاع والاحتلال والحصار لا تكون مجرد استجابة لحدث عابر، هي نتيجة تراكم طويل من التجارب التي تعيد تشكيل وعي المجتمع. الذاكرة تتحول إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى هوية، ثم تصبح الهوية قادرة على إنتاج الاستعداد لتحمل الكلفة والاستمرار في الصراع.
لذلك؛ لا يكفي أن ننظر إلى المقاومة بصفتها تنظيمًا عسكريًا يمكن تفكيكه بضرب بنيته أو استهداف قياداته. إذ إن التنظيم قد يتغير، والقيادة قد تتبدل، والسلاح قد يُدمّر، لكن السؤال الأعمق يبقى: ماذا عن الفكرة التي أنتجت ذلك كله؟ ماذا عن البيئة التاريخية والسياسية التي جعلت المقاومة ممكنة أصلًا؟
في هذا الصدد؛ يوجد أحد أكثر الجوانب التي يصعب على القوة المادية وحدها فهمها؛ فالجيوش تستطيع أن تحصي الصواريخ التي أطلقت والمنشآت التي دُمرت والمقاتلين الذين خرجوا من المعركة والمساحات التي احتلّت.. لكنها لا تستطيع بسهولة أن تقيس مقدار المعنى الذي بقي في وعي المجتمع، ولا مقدار القدرة التي ما تزال تسمح بإعادة إنتاج الفكرة التي قامت عليها المقاومة.
لذلك؛ لم تكن الإمبريالية في تاريخها مشروعًا للسيطرة على الأرض والثروات فقط، لقد كانت معنية أيضًا بإعادة تعريف العالم نفسه. من يملك القدرة على تسمية الأشياء يملك جزءًا من القدرة على التحكم فيها. الاحتلال يصبح «أمنًا»، والمقاومة تصبح «إرهابًا»، والهيمنة تصبح «استقرارًا»، والتبعية تصبح «شراكة».. وحين تستقر هذه التعريفات في الوعي، تصبح السيطرة على الإنسان أعمق من السيطرة على الأرض.
الصهيونية نفسها تقدم نموذجًا على أن القوة لا تبدأ بالبندقية وحدها. المشروع الصهيوني لم يُبنَ على المؤسسات العسكرية والسياسية فحسب، أيضًا على رواية تاريخية وذاكرة وهوية ومفاهيم عن الأرض والعودة والدولة. لهذا؛ الصراع مع هذا العدو لا يمكن أن يكون صراعًا على الجغرافيا وحدها، أيضًا هو صراع على من يملك حق رواية التاريخ، ومن يحدد معنى الأرض، ومن يستطيع أن يجعل ذاكرته هي الذاكرة التي تفرض نفسها على المستقبل.
بناء على ذلك؛ تتضح وظيفة المقاومة في بعدها الأعمق.. إنها لا تدافع عن الأرض بوصفها مساحة جغرافية فقط، أيضًا تدافع عن القدرة على إنتاج معنى مختلف للتاريخ، وعلى رفض تحويل الهزيمة إلى قدر نهائي. لهذا؛ استهداف المقاومة لا يستهدف السلاح وحده، أيضًا يستهدف الذاكرة التي تمنح السلاح عناه، ويحاول تحويل الاحتلال إلى أمر طبيعي، والمقاومة إلى عبث، والتضحية إلى خسارة بلا جدوى.
لكن المعنى ليس بديلًا عن القوة. العقيدة لا تصنع السلاح، والإرادة لا تعوض التخطيط، والشجاعة لا تلغي اختلال موازين القوة. إنما الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأن التفوق العسكري يكفي لإنهاء صراع يستمد جزءًا من قدرته على الاستمرار من منظومة معنى متجذرة في التاريخ والهوية والوعي.
يمكن للقصف أن يهدم البيت الذي يحمل الذاكرة، لكنه لا يضمن هدم الذاكرة. ويمكنه اغتيال حامل الفكرة، لكنه لا يضمن اغتيال الفكرة.. ويمكنه فرض الهزيمة في ميدان، لكنه لا يستطيع وحده أن يجعل المهزوم يقتنع بأن هزيمته أصبحت قدرًا تاريخيًا نهائيًا.
لذلك؛ الحرب لا تُحسم دائمًا عندما تتوقف المدافع، ولا عندما تُهدم المدن، ولا حتى عندما يُجبر طرف على التراجع ميدانيًا. هناك حرب أخرى تستمر بعد ذلك كله، حرب على الذاكرة، وعلى تفسير ما حدث، وعلى قدرة الإنسان على تحويل الخسارة إلى سردية، والسردية إلى هوية، والهوية إلى إرادة، والإرادة إلى فعل.
يمكن للقصف أن يهدم ما هو مادي، وأن يقتل، وأن يجرح، وأن يقتلع، لكنه يظل عاجزًا عن قصف المعنى نفسه..حين يبقى المعنى حيًا، فإن ما يبدو انتصارًا نهائيًا بالقوة قد لا يكون أكثر من مرحلة في صراع لمّا يُحسم بعد.