لا تكشف الحروب الطويلة حجم الخسائر المادية والبشرية فحسب، تضع أيضًا البنية الاجتماعية أمام اختبار عميق يتعلق بقدرتها على الاستمرار وإعادة تنظيم نفسها تحت الضغط. في النموذج اللبنانية، تبدو هذه المسألة أكثر تعقيدًا، بفعل تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وتداخلها مع تداعيات الحروب والاعتداءات والنزوح والضغوط المعيشية.
في مقابل القراءة التي تفترض أن استمرار الأزمات يؤدي، بصورة تلقائية، إلى تفكك المجتمع وتآكل روابطه الداخلية، تبرز قراءة اجتماعية أخرى ترى أن المجتمعات التي تمتلك رصيدًا من الذاكرة المشتركة وشبكات التضامن والارتباط بالأرض والهوية، يمكن أن تحول الأزمات الطويلة إلى عامل لإعادة إنتاج التماسك وتعزيز القدرة على الصمود.
تشير هذه المقاربة إلى أن الحرب لا تعمل في اتجاه واحد؛ فهي من جهة تفرض ضغوطًا هائلة على البنى الاقتصادية والاجتماعية، لكنها من جهة أخرى قد تدفع المجتمع إلى تفعيل آليات داخلية للتكافل والتعافي، خصوصًا عندما يشعر أفراده بأنهم يواجهون تحديًا مشتركًا يمس وجودهم واستقرارهم.
الدكتور علي كريّم لـ«أوراق»: مجتمع المقاومة يُقاس بقدرته على إعادة إنتاج تماسكه
يرى الدكتور علي كريّم، وهو الباحث في علم الاجتماع السياسي، في حديث إلى موقع «أوراق»، أن مقاربة مجتمع المقاومة في لبنان تحتاج إلى الخروج من القراءة السطحية التي تربط، بصورة مباشرة، بين طول أمد الأزمات وبين تفكك المجتمع. إذ إن الحروب الطويلة، وفقًا للقراءة السوسيولوجية، تضع المجتمعات أمام اختبارات قاسية، لكنها لا تنتج نتيجة واحدة بالضرورة؛ فقد تقود في بعض الحالات إلى التفكك، بينما يمكن أن تدفع في حالات أخرى إلى إعادة تنظيم العلاقات الداخلية وتعزيز التضامن وتطوير آليات جديدة للصمود.
يشير كريّم إلى أن المشكلة الأساسية تبدأ عندما يجري التعامل مع المجتمع على أنه كتلة جامدة، فيُفترض أن أي ضغط يصيبه يؤدي تلقائيًا إلى تآكل بنيته. بينما المجتمع، في علم الاجتماع، كائن حي ومتغير، يمتلك قدرة على التكيف وإعادة إنتاج علاقاته ومؤسساته ورموزه، وقد يعيد توزيع أدواره وموارده استجابة للظروف التي يمر بها. ن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه، بحسب كريّم، ليس فقط: «ما حجم الأضرار التي لحقت بالمجتمع؟»، إنما: «كيف تصرف المجتمع بعد تعرضه لهذه الأضرار؟ هل استطاع أن يعيد إنتاج نفسه اجتماعيًا؟»
يضيف أن هذا السؤال أكثر أهمية عند دراسة مجتمع المقاومة في لبنان؛ لأنه تعرض، على مدى سنوات طويلة، لمستويات متعددة من الضغط الأمني والاقتصادي والاجتماعي، فالحكم عليه بناء على لحظة واحدة أو مؤشر اقتصادي منفرد لا يعطي صورة علمية كاملة عن واقعه.
الضغط الطويل لا يعني التفكك تلقائيًا
يوضح كريّم أن هناك فارقًا جوهريًا بين «الاستنزاف» و«التفكك». الاستنزاف قد يصيب المجتمع نتيجة الحرب والفقر والنزوح وتراجع فرص العمل وارتفاع كلفة الحياة. قد ينعكس على نفسية الأفراد وقدرتهم الاقتصادية، لكنه لا يعني بالضرورة أن الروابط التي تجمعهم قد انهارت. أما التفكك الاجتماعي؛ فهو عملية أعمق، تظهر عندما تبدأ المؤسسات والروابط التي تحفظ المجتمع بالتآكل بصورة مستدامة، وعندما تتراجع الثقة المتبادلة، وتضعف شبكات التكافل، وتتزايد الفردانية، وتنقطع الصلات بين الأجيال، وتتحول الاختلافات السياسية إلى قطيعة اجتماعية، ويصبح الفرد عاجزًا عن الاستناد إلى محيطه الاجتماعي في مواجهة الأزمات.
في هذا الصدد، يقول كريّم، يجب أن نكون دقيقين جدًا في استخدام المصطلحات؛ لأن المجتمع قد يكون فقيرًا ومتعبًا وقلقًا ومثقلًا بالخسائر، لكنه في الوقت نفسه متماسك. إذ إن ـ«المجتمع المتعب» ليس بالضرورة «المجتمع المفكك»، والتذمر ليس دليلًا كافيًا على الانهيار. يرى كريّم أن أحد أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة المجتمعات الواقعة تحت الضغط هو تحويل مظاهر التذمر كلها إلى مؤشرات سياسية أو اجتماعية كبرى؛ فالفرد الذي يعاني بسبب الغلاء قد يعبّر عن غضبه، والذي يعاني البطالة قد ينتقد السياسات الاقتصادية، والذي يواجه صعوبة في تأمين احتياجات عائلته قد يشعر بالإحباط. لكن هذه المواقف، مهما كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإثبات حدوث تحول في البنية الاجتماعية.
يطرح، هنا، سؤالًا أساسيًا: ماذا ينتج عن التذمر؟ هل يؤدي إلى انسحاب الفرد من محيطه الاجتماعي؟
هل يؤدي إلى انهيار الثقة؟ هل يقطع الروابط العائلية والأهلية؟ هل يوقف أشكال التكافل؟ هل يغير بصورة مستدامة هوية المجتمع وانتماءاته؟ أم أن الفرد يبقى، على الرغم من غضبه واحتجاجه، جزءًا من شبكة اجتماعية أوسع ويواصل الاعتماد عليها والإسهام فيها؟
بحسب كريّم، هنا تحديدًا ينبغي أن يبدأ التحليل العلمي. المجتمع المتماسك ليس مجتمعًا بلا خلافات. ويرفض كريّم، في هذا السياق، الربط بين التماسك الاجتماعي وبين غياب الخلافات؛ فلا يوجد مجتمع حي من دون اختلافات في الرأي والمصالح والتقييمات السياسية والاجتماعية. والمجتمع الذي يضم مئات الآلاف أو الملايين من الأفراد لا يمكن أن يكون كتلة متجانسة بالكامل. التماسك، إذًا، لا يعني التطابق.
قد يختلف الناس في السياسة والاقتصاد والخدمات والإدارة، لكنهم في الوقت نفسه يحتفظون بعلاقاتهم العائلية والاجتماعية، ويتعاونون في مواجهة الأزمات، ويشتركون في مجموعة من الرموز والقيم والذاكرة والتجارب. من هنا؛ وجود النقد الداخلي، بل وحتى ارتفاع حدته، لا يعني بالضرورة انهيار المجتمع. المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الاختلافات قادرة على البقاء داخل إطار اجتماعي مشترك، أم أنها تتحول إلى قطيعة وانفصال دائمين.
رأس المال الاجتماعي أهم مما تظهره الأرقام الاقتصادية
كما يركز كريّم على مفهوم «رأس المال الاجتماعي» بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم الصمود؛ فالمجتمع لا يمتلك رأس مال اقتصاديًا فقط، يمتلك أيضًا شبكة من العلاقات والثقة والتعاون والمعرفة المتبادلة التي يمكن استخدامها عندما يتعرض للخطر. العائلة التي تستقبل عائلة نازحة، والجيران الذين يتشاركون الموارد، والأفراد الذين يقدمون المساعدة للمتضررين، والمغترب الذي يدعم عائلته، والشباب الذين ينظمون مبادرات تطوعية، والمؤسسات المحلية التي تعيد ترتيب مواردها لمساعدة السكان، كلها تشكل أجزاء من رأس مال اجتماعي..هذا الرأس المال لا يظهر بالضرورة في الناتج المحلي أو في مؤشرات الفقر والدخل. لذلك، المجتمع قد يبدو ضعيفًا جدًا من الناحية الاقتصادية، لكنه يمتلك في المقابل مخزونًا اجتماعيًا كبيرًا يساعده في البقاء.
شبكات التكافل ليست مجرد مساعدات
هذا؛ ويرى كريّم أن أهمية التكافل لا تتوقف عند قيمة المساعدة التي يحصل عليها الفرد؛ فعندما تساعد العائلة فردًا من محيطها، أو تستقبل بلدة سكانًا نازحين، أو يسهم المغتربون في دعم أهلهم، فإن العملية لا تنتج فقط منفعة مادية، تعيد أيضًا تأكيد العلاقة بين الأفراد والجماعة.. بمعنى آخر، التكافل يقول للفرد: «أنت لست وحدك».. هذا الشعور، بحسب المقاربة السوسيولوجية، له قيمة كبيرة في أوقات الأزمات. إذ إن المجتمع الذي يشعر أفراده بأنهم متروكون لمصيرهم يصبح أكثر هشاشة، في حين أن المجتمع الذي يمتلك قنوات فعلية للمساعدة المتبادلة يستطيع توزيع آثار الأزمة على شبكة أوسع بدل أن يتحول كل فرد إلى وحدة معزولة.
الحرب قد تعيد تنظيم المجتمع
من المفاهيم المهمة التي يركز عليها كريّم مفهوم إعادة إنتاج التماسك؛ فالمجتمع لا يخرج من الحرب كما دخلها. قد تتغير أماكن السكن، وتتوسع شبكات العلاقات، وتتبدل طرق العمل، وتظهر مؤسسات جديدة، وقد تختفي مؤسسات أخرى، وتتغير أدوار الأسرة والبلدية والجمعيات والمبادرات الشبابية.. لكن التغير في الشكل لا يعني بالضرورة انهيار الوظيفة الاجتماعية.. فإذا استطاع المجتمع أن يعيد تنظيم نفسه ويخلق وسائل جديدة لتأمين احتياجاته والمحافظة على التواصل بين أفراده، فإننا نكون أمام عملية تكيف اجتماعي. هنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في مفهوم الصمود: الصمود ليس المحافظة على كل شيء كما كان، هو القدرة على التغير من دون فقدان الهوية والروابط الأساسية.
الأرض ليست مجرد مكان
عند الحديث عن مجتمع المقاومة، يرى كريّم أن العلاقة بالأرض تحتاج إلى قراءة سوسيولوجية خاصة؛ فالقرية أو البلدة ليست مجرد مكان للإقامة. إنها شبكة من العلاقات: الأسرة، الجيرة، المدرسة، المقبرة، مكان العبادة، العمل، الذاكرة، المناسبات، والروابط التاريخية. لهذا، فإن عودة السكان إلى مناطقهم بعد النزوح لا تحمل معنى اقتصاديًا فقط. عندما يعود الفرد إلى منزله، أو يعيد فتح متجره، أو تعود المدرسة إلى العمل، أو تستأنف البلدة نشاطها الاجتماعي، فإن المجتمع يستعيد جزءًا من بنيته. من هنا يمكن عدّ العودة وإعادة الإعمار وإعادة تشغيل المؤسسات مؤشرات على «التعافي الاجتماعي»، وليس فقط على التعافي الاقتصادي.
الهجرة لا تعني دائمًا قطع العلاقة بالمجتمع
يشير كريّم كذلك إلى أن دراسة المجتمع اللبناني تحتاج إلى التعامل مع ظاهرة الاغتراب بطريقة مختلفة؛ فالهجرة قد تعني خسارة بشرية واقتصادية بالنسبة إلى البلد، لكنها لا تعني بالضرورة انقطاع العلاقة الاجتماعية. في كثير من الحالات يبقى المهاجر جزءًا من الشبكة العائلية، ويشارك في دعم الأسرة والمجتمع المحلي، ويحتفظ بعلاقات يومية مع موطنه الأصلي.. هنا تصبح الجغرافيا أقل أهمية من الشبكة الاجتماعية..فقد يعيش الفرد خارج لبنان، لكنه يبقى حاضرًا اقتصاديًا واجتماعيًا في حياة أسرته وبلدته. تاليًا؛ قياس قدرة المجتمع على الصمود يجب أن يأخذ في الحسبان هذه الشبكات العابرة للحدود.
الذاكرة الجماعية مورد للصمود
أما الذاكرة الجماعية، فيضعها كريّم في موقع مركزي في فهم المجتمعات التي مرت بتجارب حرب متكررة؛ فالذاكرة لا تحفظ الأحداث فقط، بل تنتج تفسيرًا مشتركًا لها. عندما يمر مجتمع بتجربة قاسية ثم ينجح في استعادة حياته، تصبح هذه التجربة جزءًا من ذاكرته الجماعية، وقد تؤثر لاحقًا في طريقة تعامله مع أزمات جديدة. من هنا يمكن أن تتحول الذاكرة إلى مورد نفسي واجتماعي. المجتمع الذي يتذكر أنه تجاوز أزمات سابقة قد يمتلك قدرة أكبر على تخيل إمكانية تجاوز الأزمة الجديدة..لكن الذاكرة لا تعمل وحدها؛ كما يرى كريّم، فهي تحتاج إلى مؤسسات وأسرة وتعليم وإعلام وممارسات اجتماعية تنقلها بين الأجيال..
الهوية الجمعية لا تعني إلغاء الفرد
كذلك يرى كريّم أن الهوية الجمعية تؤدي وظيفة أساسية في المجتمعات التي تواجه تهديدات ممتدة. لكن الهوية الجمعية لا تعني إلغاء الفرد أو إلغاء اختلافاته.. إنها توفر إطارًا أوسع يستطيع الفرد أن يرى نفسه من خلاله. عندما يشعر الفرد بأن ما يتعرض له ليس تجربة شخصية معزولة، إنما جزء من تجربة جماعية، فذلك قد يقلل من الشعور بالعجز الفردي ويعزز الاستعداد للتعاون. من هنا؛ يمكن فهم العلاقة بين الهوية والصمود: الهوية لا تمنع الألم، لكنها تمنح الألم معنى جماعيًا، وهذا المعنى قد يساعد المجتمع في الاستمرار.
الحرب النفسية تبدأ أحيانًا من صورة المجتمع عن نفسه
في الحروب الحديثة، لا تستهدف المعركة الموارد المادية فقط، تستهدف أيضًا قدرة المجتمع على تصور مستقبله. هنا، يرى كريّم أن الحديث المتكرر عن الانهيار والتفكك قد يتحول إلى عنصر في الصراع نفسه؛ فالرسالة التي تقول للمجتمع إن بنيته انهارت يمكن أن تكون محاولة للتأثير في توقعاته وسلوكه.. لكن لا ينبغي أيضًا المبالغة في قوة الإعلام؛ لأن الرواية الإعلامية لا تصبح واقعًا اجتماعيًا إلا إذا وجدت بيئة اجتماعية قابلة لتصديقها.. لهذا؛ فإن أفضل طريقة لاختبار رواية الانهيار هي العودة إلى الواقع: ماذا يفعل الناس؟
هل توقفوا عن مساعدة بعضهم؟ هل انهارت العلاقات العائلية؟ هل توقفت المؤسسات المحلية؟ هل تخلى الناس عن مناطقهم بصورة نهائية؟ هل توقفت المبادرات التطوعية؟ هل انقطعت العلاقة بين الداخل والاغتراب؟ أم أن هذه الشبكات لا تزال تعمل على الرغم من الضغوط؟
بين الصورة الإعلامية والواقع الاجتماعي
يحذر كريّم من بناء أحكام اجتماعية على مشهد إعلامي واحد؛ فالإعلام بطبيعته يلتقط الحدث الاستثنائي، بينما علم الاجتماع يهتم بالسلوك المتكرر. قد تكون هناك عائلة غاضبة، أو مجموعة تنتقد، أو شاب يقرر الهجرة، أو منطقة تعاني أزمة اقتصادية، وهذه كلها وقائع حقيقية ينبغي أخذها بجدية، لكنها لا تسمح وحدها بالانتقال إلى حكم شامل على مجتمع بأكمله.
التحليل السوسيولوجي يحتاج إلى النظر في الاتجاه العام
هل هذه الظاهرة تتسع؟ هل تستمر؟ هل تغير العلاقات الاجتماعية؟ هل تنتقل إلى الأجيال الجديدة؟ هل تؤدي إلى انهيار المؤسسات؟ هل تنتج أنماطًا جديدة ومستدامة من السلوك؟ إذا لم تتوافر هذه الشروط، فإن الحديث عن تحول بنيوي يحتاج إلى الحذر.
متى يمكن أن نتحدث فعلًا عن تفكك؟
يضع كريّم مجموعة من المؤشرات التي يمكن من خلالها اختبار أي فرضية تتحدث عن تفكك اجتماعي.
أولها تراجع الثقة؛ ثانيها انهيار شبكات التضامن،ثالثها تفكك المؤسسات الوسيطة، رابعها تصاعد الفردانية على حساب الجماعة؛ خامسها تحول الخلاف السياسي إلى قطيعة اجتماعية، سادسها انقطاع الروابط بين الأجيال، سابعها فقدان العلاقة بالمكان، ثامنها عجز المجتمع عن إعادة إنتاج مؤسساته وعلاقاته بعد الصدمات.. أما إذا بقيت هذه العناصر فاعلة، ولو بأشكال مختلفة، فإن المجتمع قد يكون أمام أزمة قاسية أو استنزاف شديد، لكنه ليس بالضرورة أمام تفكك.
الصمود لا يعني عدم وجود الألم
يشدد كريّم على أن مفهوم الصمود يجب ألا يُساء فهمه؛ فالمجتمع الصامد ليس مجتمعًا لا يتألم، وليس مجتمعًا لا يعترض، وليس مجتمعًا لا يعاني الفقر والهجرة والقلق. الصمود يعني القدرة على الاستمرار رغم هذه العوامل. قد يكون المجتمع الصامد مجتمعًا مثقلًا بالخسائر، لكنه قادر على إعادة بناء حياته. هذا فارق جوهري.. إذا كان معيار الصمود هو غياب الألم، فلن نجد مجتمعًا صامدًا في العالم. أما إذا كان معيار الصمود هو القدرة على استعادة الوظائف الاجتماعية الأساسية بعد الصدمة، فإننا نمتلك أداة أكثر واقعية لقياس الظاهرة.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الصدمة
من هنا، يطرح كريّم معيارًا أساسيًا لفهم التجربة: ماذا يحدث بعد الصدمة؟ هل يعود الناس؟ هل تعود المدارس؟ هل يعاد فتح المحال التجارية؟ هل تستعيد البلديات والمجالس المحلية نشاطها؟ هل تعود المناسبات الاجتماعية؟ هل تستمر شبكات المساعدة؟ هل تعود العائلات إلى التواصل؟ هل يستمر دعم المغتربين؟ هل يستطيع المجتمع أن يعيد إنتاج حياته اليومية؟ هذه الأفعال قد تكون أكثر أهمية في التحليل السوسيولوجي من عشرات التصريحات السياسية..لأن المجتمع يُقاس في النهاية بقدرته على تحويل القيم إلى ممارسة.
مجتمع المقاومة.. بين الاستنزاف والصمود
يخلص كريّم إلى أن مجتمع المقاومة في لبنان لا ينبغي أن يُدرس وفق ثنائية مبسطة تقوم على «الصمود أو الانهيار»..الواقع أكثر تعقيدًا. قد يكون المجتمع مستنزفًا لكنه متماسك.، قد يكون فقيرًا لكنه غني بشبكات التضامن..قد يشهد هجرة لكنه يحافظ على علاقاته العابرة للحدود..قد يشهد اختلافات داخلية، لكنه يحتفظ بإطار مشترك من الهوية والذاكرة والانتماء. قد يتغير، لكن التغير لا يعني بالضرورة التفكك.
بحسب كريّم، تكمن القيمة الحقيقية لعلم الاجتماع السياسي: ليس في إصدار حكم سريع على المجتمع، وإنما في اكتشاف الآليات التي تجعله قادرًا على الاستمرار.السؤال ليس فقط كم خسر المجتمع، بل كم بقي لديه من قدرة على إنتاج العلاقات والمؤسسات والمعنى.
ليس السؤال فقط هل يعاني الناس، أيضًا هل ما يزالون قادرين على مساعدة بعضهم البعض؟
ليس السؤال فقط هل هناك اختلاف، أيضًا هل ما تزال هناك مساحة اجتماعية تسمح بإدارة الاختلاف؟
ليس السؤال فقط هل غادر بعض السكان، أيضًا هل انقطعت علاقتهم بالمجتمع الذي خرجوا منه؟
ليس السؤال فقط هل دُمرت مناطق، أيضًا هل يستطيع أهلها العودة وإعادة بناء حياتهم؟
.jpg)
«المجتمع الذي يستطيع أن يتغير من دون أن يفقد نفسه هو المجتمع الأكثر قدرة على الصمود». في المحصلة، يرى كريّم أن أهم ما تكشفه تجربة المجتمعات الواقعة تحت ضغط طويل هو أن التماسك ليس حالة جامدة. المجتمع المتماسك لا يعني مجتمعًا لا يتغير، إنما هو مجتمع يستطيع أن يتغير من دون أن يفقد العناصر الأساسية التي تمنحه هويته وقدرته على التعاون. قد تتغير أشكال التضامن، وتتبدل المؤسسات، وتتوسع شبكات الاغتراب، وتتغير طرق العمل والإغاثة والتواصل، لكن إذا بقيت الثقة والذاكرة والهوية والعائلة والعلاقة بالمكان وشبكات التكافل قادرة على إنتاج السلوك الجماعي، فإن المجتمع يكون قد حافظ على قدرته الأساسية على الاستمرار.
لهذا، فإن قراءة مجتمع المقاومة في لبنان تحتاج إلى أكثر من مراقبة المؤشرات الاقتصادية أو متابعة الخطاب الإعلامي.. إنها تحتاج إلى النزول إلى مستوى الحياة اليومية. هناك، في العائلة والبلدة والمدرسة والمتجر والمبادرة التطوعية وعلاقة المقيم بالمغترب، يمكن اكتشاف حقيقة التماسك الاجتماعي. من هذه الزاوية، السؤال الذي ينبغي أن يحكم دراسة المجتمع تحت الضغط ليس: هل تعرض للاستنزاف؟ فهذا أمر لا جدال فيه، إنما: هل استطاع الاستنزاف أن يفكك علاقاته الأساسية، أم دفعه إلى إعادة تنظيم نفسه وإنتاج أشكال جديدة من التضامن؟
إذا كان المجتمع قادرًا، بعد كل صدمة، على إعادة فتح مؤسساته، واستعادة سكانه، وتجديد شبكاته، ومساعدة أفراده، والحفاظ على ذاكرته وهويته، فإننا أمام ظاهرة اجتماعية تتجاوز مفهوم الاحتمال..إننا أمام قدرة على إعادة إنتاج الذات تحت الضغط. هذه، في علم الاجتماع السياسي، واحدة من أكثر العلامات دلالة على الصمود.