إنّ تداعيات الحرب على إيران، التي تخطّت عامًا، تكشف عن تحوّل عميق في مسار المواجهة. فقد استخدمت الولايات المتحدة كلّ ما تملكه من قوة جوية وبحرية، واستندت إلى قواعدها المنتشرة في المنطقة والعالم، كما استخدمت أدواتها الإقليمية، وكل أساليب الخداع والمناورة، وكانت المفاوضات نفسها إحدى أدوات هذه الحرب. ومع ذلك، كانت طهران تخرج من كل معركة في مسار الحرب الأميركية-الإسرائيلية عليها أكثر قوة.
إن الحصار الأميركي لمضيق هرمز تحوّل، في لحظة ما، إلى حصار للولايات المتحدة نفسها وللاقتصاد الغربي عمومًا. فقد استهلكت الولايات المتحدة قسمًا كبيرًا من ترسانتها التسليحية، وتعرّضت قواعدها الـ22 المنتشرة في دول المنطقة للضربات، حتى بدا الإيراني، في صورة معكوسة، كأنه يحيط أميركا بأسواره.
الحرب على إيران، التي أرادها ترامب خاطفة، تهدف إلى إسقاط الدولة الإيرانية ونظامها خلال أيام، نراها اليوم، بتداعياتها، وقد أدخلت ترامب وإدارته في متاهة لا خروج منها إلا بتقديم تنازلات كبرى. وقد تضمّنت ورقة التفاهم الموقّعة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد جانبًا من هذه التنازلات، قبل أن يحاول ترامب الانقلاب عليها بعد ساعات من توقيعها، مستفيدًا من فترة الستين يومًا التي اتُّفق عليها لإنهاء الإجراءات العملية اللازمة لتنفيذ بنود الاتفاق، وخصوصًا ما يتصل بفتح المضيق. عكس ذلك المأزق الكبير الذي وقعت فيه الإدارة الأميركية، فيما بدأت بوادر الهزيمة في الملف الإيراني تلوح في الأفق.
فهل تكون معركة مضيق هرمز، وإسقاط مغامرة السيطرة الأميركية عليه، مقبرة للإمبراطورية الأميركية وبداية لأفولها؟ وهل يمكن مقارنتها، من حيث الأثر التاريخي، بقرار جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس وطرد البريطانيين من محيط القناة ومن مصر، بما مثّل بداية أفول الإمبراطورية البريطانية؟ ولا سيما أن ذلك التحوّل جرى في ظل تأييد ودعم القوتين الصاعدتين بعد الحرب العالمية الثانية، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
هل يقود هذا الصراع الكبير والحادّ داخل الكيان الأميركي، أي الخلاف الاستراتيجي بين الدولة العميقة وخصومها حول مآلات المواجهة مع الصين، إذا ما كسبته الدولة العميقة، إلى سقوط الجمهورية الأميركية لصالح إمبراطورية تحكمها سلطة المال والبنوك الفدرالية، القادرة على الانتقال بثقلها من مكان إلى آخر حيثما تنتقل مصالحها؟
بين الولاية الأولى للرئيس ترامب، الممتدّة بين عامي 2016 و2020، وولايته الرئاسية الثانية، وما بينهما من أحداث كبرى على المستوى العالمي، ظهر بوضوح مدى حدّة الصراع بين القوتين السياسيتين داخل الكيان الأميركي. فلم تكن معركة ترامب كسابقاتها من المعارك الانتخابية، بل كانت مواجهة بين استراتيجيتين مختلفتين للتعامل مع الخطر الصيني الآتي، الذي بدأ يهدّد الريادة والسيطرة الأميركيتين، ولا سيما بعد الأزمة المالية عام 2008، وما رافقها من زيادة في البطالة وتراجع في الصناعة وإقفال الكثير من المصانع وانتقال صناعات كبرى إلى الخارج.
في هذا السياق جاءت الحرب الأوكرانية، التي أطلقها بايدن ودعمها، لتدخل عامها الرابع من دون أفق واضح للحل. وكان أوباما قد مهّد لبعض شروطها، وفق هذه القراءة، في لحظات ما قبل مغادرته البيت الأبيض ووصول ترامب إلى السلطة، عبر الانقلاب على اتفاقية مينسك عام 2016. وكان ذلك على النقيض من استراتيجية هنري كيسنجر، الذي دعا إلى احتواء روسيا في محاولة لتفادي أي إمكانية لتحالف صيني - روسي يمنح الصين قوة إضافية في مواجهة الولايات المتحدة، وليس بالضرورة عبر حرب مباشرة.
من هنا جاءت شعارات ترامب، مع تعديل لصيغة «لنجعل أميركا عظيمة من جديد»، مركّزة على وقف الحرب في أوكرانيا بوصفه هدفًا أولَ يمكن أن يساعده على احتواء روسيا. وكذلك استكمال السيطرة الأميركية على قرارات «أوبك»، وهي المهمة التي فشل في إنجازها خلال ولايته الأولى، إضافة إلى زيادة الضغط على إيران بالعقوبات، بهدف فرض سيطرة أكبر على تجارة النفط العالمية المتجهة إلى الصين.
لكنّ السنوات الثماني الماضية حملت تغيّرات كثيرة على مستوى الساحة الدولية. فالحرب الأوكرانية، التي دخلت عامها الرابع، جعلت شعار ترامب القائم على وقف الحرب يواجه صعوبات كبيرة، إذ اصطدم، في تقديري، بجدار أوروبي داعم لزيلينسكي، ومدعوم بصورة مطلقة من الدولة العميقة الأميركية، وبموقف معاند يرفض كل محاولاته لإنجاز تسوية ما للحرب الأوكرانية.
لذلك انتقل ترامب إلى ممارسة حملة ضغط علنية وعملية على المجموعة الأوروبية و«الناتو»: مرة عبر الدعوة إلى انضمام كندا إلى الاتحاد الأميركي، ومرة عبر المطالبة بغرينلاند، بذريعة ضرورتها للأمن القومي الأميركي وللاستراتيجية المرتبطة بخطوط الملاحة العالمية...ثم انتقل إلى مشروع إحكام السيطرة على النفط، وتحديدًا النفط الذي يذهب نحو 80% منه إلى الصين، في فنزويلا وإيران. وإلى جانب ذلك، ورث ملفات كثيرة تركها بايدن في مواجهته، كما فعل سلفه أوباما. منذ إعلان نتائج الانتخابات وإعلان فوز ترامب، وحتى تسلّمه السلطة في 20 كانون الثاني 2025، تراكمت أمامه ملفات غزة واليمن ولبنان والانقلاب الكبير في سوريا وأوكرانيا، وصولًا إلى قرار السماح لزيلينسكي باستخدام الصواريخ الأميركية البعيدة المدى في العمق الروسي.
انطلق ترامب في مغامراته في فنزويلا عبر عملية أمنية خاطفة، مدعومة بخيانات داخلية، استمرت لساعات، وانتهت إلى محاولة فرض السيطرة الكاملة على القرارين السياسي والاقتصادي الفنزويلييْن. وكان ذلك النصر الوحيد لترامب في حرب غير متماثلة.
خلال ما يقارب العامين من وجوده في البيت الأبيض، لم يستطع ترامب أن ينجح في حل أي من الملفات الخمسة المفتوحة. فقد انتقل من أزمة إلى أخرى، ولا يزال غارقًا في الفخ الإيراني، مع إمكان توسع الصراع في المنطقة، فيما تزداد التأثيرات الاقتصادية على الاقتصاد العالمي تعقيدًا، وتبدو عصية على الحل وفق منهجيته القائمة على «الإخضاع».
هو يقف دائمًا بين خيارين، أحلاهما مرّ: إمّا الاتفاق مع إيران، وإمّا الحرب المستحيلة، بما تحمله من تداعيات غير مضمونة على مصيره السياسي ومصير الولايات المتحدة نفسها.
في ظل كل هذه التعقيدات المرتبطة بالحرب الإيرانية ومضيق هرمز، بدأت محاولات ترامب المتكررة للحصول، عبر التفاوض ومن خلال أصدقاء مشتركين مع إيران، على ما لم يحصل عليه بالحرب. إنها الحرب التي تورّط فيها ترامب، وهو أول رئيس أميركي منذ نجاح الثورة الإيرانية يذهب إلى هذا المستوى من المواجهة المباشرة، بعدما أغواه اللوبي الصهيوني ونتنياهو تحديدًا، فضلًا عن الضغوط والابتزاز المرتبطيْن بملف إبستين، من دون أن ينتبه جيدًا إلى أن بنية إيران السياسية والأيديولوجية والأمنية والعسكرية، وتجربتها الطويلة مع العقوبات الاقتصادية ونجاحها في مواجهتها طوال أربعة عقود، ليست كفنزويلا.
حرب «قطع الرأس» في إيران أدّت إلى إثبات أن هناك رؤوسًا أكثر بأسًا. وزيادة الضغط أخرجت ما لدى الشعب الإيراني من إرادة صلبة وهائلة على الصمود والمواجهة، إلى درجة بات معها المجتمع أكثر تشدّدًا من القيادة السياسية التي تفاوض.
أجبرت هذه القيادة الأميركي على توقيع مذكّرة تفاهم في إسلام آباد، تضم أربعة عشر بندًا تكاد، بحسب مراقبين غربيين قبل غيرهم، تميل لمصلحة إيران، وتمهّد لسيطرة إيرانية على مضيق هرمز، كما تؤسس لضبط سلوك الكيان الصهيوني في فلسطين وسوريا والمنطقة عمومًا.
لقد حوّلت إيران هذه الحرب إلى حرب وجودية مع الولايات المتحدة. وهذا الصراع الوجودي لا يمكن أن تخرج منه إيران منتصرة إلا إذا ضمنت وجودها مستقلة، متمتّعة بسيادتها وحريتها، بعيدًا من العقوبات والغطرسة الاستعمارية.
كانت هذه المعارك الثلاث في مسار الحرب الأميركية ضد إيران، والتي فشلت في إخضاعها، تشكّل في الوقت نفسه إهانة للغطرسة الاستعمارية الأميركية. فالولايات المتحدة لم تستطع حماية قواعدها في المنطقة، وأظهرت الأحداث تراجع ثقة الدول الحليفة بجدوى وجودها العسكري، وبجدوى الرهان على الولايات المتحدة لتأمين حماية أنظمتها.
إن هذه الدول وجدت نفسها تدفع أثمان الدفاع عن الكيان الصهيوني، كما تتحمل كلفة الحملة الأميركية على إيران، التي بدأت بنحو 300 مليون دولار يوميًا، ثم سرعان ما وصلت إلى 600 مليون دولار يوميًا بعد وصول حاملات الطائرات، واستمرت على هذا النحو حتى اليوم.
لذلك سرعان ما حاول الانقلاب عليها عبر إيقاظ شياطين المنطقة، من لبنان إلى دول الخليج التي عانت ما عانته من هذه الحرب، واستُخدمت درعًا للدفاع عن الكيان الصهيوني. في حين لم تتحرك القواعد العسكرية المنتشرة على أراضيها أثناء قصف الكيان الصهيوني لقطر.
في لبنان، استُدعيت السلطة، المتواطئة مع قوات الاحتلال، لتعلن رفضها للبند الأول من اتفاق وقف إطلاق النار الذي فرضته إيران في مفاوضاتها مع الأميركيين، والذي يدعو ضمنًا إلى انسحاب إسرائيلي خلال ستين يومًا من الأراضي التي يحتلها في لبنان.
في مرحلة لاحقة، انتقلت السلطة من التواطؤ إلى الخيانة، عبر توقيع اتفاق إطار، من خلال مفاوضات مباشرة، يشبه معاهدة تحالف مع الكيان الصهيوني. وهو اتفاق يبرّئ الكيان من كل جرائمه منذ وجوده على أرض فلسطين حتى اليوم، عبر إعلان أن لا أطماع له في الأراضي اللبنانية، كما يتضمن، وفق هذا التصور، إعفاء العدو من جرائم الحرب التي قد يرتكبها لاحقًا، وتحديد المقاومة بوصفها العدو المشترك.
في الإطار نفسه، أي «استدعاء الشياطين»، قام وزير الخارجية الأميركي روبيو بزيارة إلى دول الخليج، وفرض عليها بيانًا يعلن رفضها لأي إدارة إيرانية أو عُمانية للمضيق، في محاولة للتملص الأميركي من البند الخامس من الاتفاق، وسط كثير من المراوغة والتهويل وحشد الجيوش والتلويح بالضربات العسكرية بهدف فرض الهيمنة.
كان التهديد العاشر قد انتهى أمده منذ أسبوع، في محاولة لاستعادة شيء من الهيبة حتى الآن. ولا ينتهي هذا المسلسل من الخداع واستدعاء الشياطين بالحلف الثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا. ولعلّ القوى الاستعمارية، كما اعتادت، تبحث دائمًا عمّن يحمل عنها أعباء فشلها في حروبها، وتنقل المواجهة في الإقليم إلى عناوين قبلية أو طائفية أو إثنية.
كما بدا واضحًا الآن، جاء مسار المواجهة الإيرانية ليؤكد حضور إيران العسكري الجدّي، في الدفاع كما في الهجوم، ويكشف عن الصمود الاستثنائي لقواتها العسكرية وشعبها وقدرته على تحمّل العقوبات دفاعًا عن كرامته الوطنية.
يُضاف إلى ذلك واقع المقاومات المتحالفة مع إيران، وكذلك الهزائم الأميركية في معاركها الثلاث معها. ولذلك، لن تجرؤ أي من قوى الإقليم، وحتى الكيان الصهيوني نفسه، على خوض حرب مع إيران ومحور المقاومة من دون الولايات المتحدة.
هكذا، فإن الأميركي لا يزال يعيش اليوم في متاهة لا مخرج منها، على الرغم من اختلال ميزان القوى لمصلحة الكيان الأميركي وسطوته على قيادات دول المنطقة وبعض حكومات العالم، التي استخدمها أدوات لخداع إيران في مفاوضات متتالية وكسب الوقت. لكن السؤال يبقى مفتوحًا:
هل يمكن لإيران أن تحوّل استنزاف الولايات المتحدة في هذه الحرب، ومعركة السيطرة على مضيق هرمز، إلى لحظة تاريخية تشبه في آثارها التحوّلات التي رافقت أفول الإمبراطوريات السابقة؟ أم أن الإمبراطورية الأميركية، على الرغم من أزماتها الداخلية وهزائمها الخارجية، لا تزال تملك من عناصر القوة ما يسمح لها بإعادة إنتاج هيمنتها وتأجيل لحظة الأفول؟