في الأدب والفن ..التزام الحق شجاعة

post-img

محمد دعيبس/ كاتب لبناني

يُعد الفن الملتزم ركيزة أساسية من ركائز الوعي الإنساني؛ فهو ليس ترفًا فكريًا يُضاف إلى مشهد ثقافي عابر، هو موقف وجودي وأخلاقي عميق يتخذه المبدع حين يرفض الوقوف في المنطقة الرمادية للحياد إزاء ما يعج به العالم من ظلم واستبداد وتهميش.

يرفض الفنان الملتزم أن يتحول برجه العاجي إلى ملاذ آمن يهرب إليه من هموم أمته وقضايا شعبه، مؤمنًا بأن الجمال الفني حين يُفصل عن قضايا الحق والعدالة، يفقد جوهره ويغدو زخرفًا فارغًا لا يسمن ولا يغني من جوع.

لقد وُلد هذا المفهوم في رحم الصراعات الكبرى في القرن العشرين، حين وجد المثقفون أنفسهم وجهًا لوجه أمام استحقاق تاريخي حاسم: إما الانحياز الشجاع لصف المقهورين والمظلومين، أو التواطؤ المخزي بالصمت مع الجلادين. لقد عبّر الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر عن هذا الاستحقاق، بوضوح، حين طرح مفهوم الأدب الملتزم، مؤكدًا أن الكاتب لا يمتلك رفاهية الوقوف على الحياد، لأن الكلمة فعل مؤثر، والصمت أمام الجريمة يُعد جريمة أخرى توازيها في البشاعة والمسؤولية.

في العالم العربي، اتخذ مفهوم الالتزام أبعادًا استثنائية وعضوية، نظرًا إلى واقع المنطقة المثقل بتبعات المشاريع الصهيوأميركية. لم يكن التزام الأديب العربي مجرد موقف فلسفي مجرد، لقد كان استجابة حتمية لجرح نازف اسمه فلسطين، ولقهر متكرر اسمه الاحتلال، ولحلم جماعي مؤجل اسمه التحرر والعدالة الاجتماعية.

إزاء هذا الواقع؛ برزت أسماء لامعة في سماء الأدب والثقافة؛ فظهر شعراء ناطقون باسم المقاومة استطاعوا ببراعة أن يحولوا القصيدة إلى بندقية من نوع فريد، تحيي الذاكرة، توقظ الوعي الغافل، وتُبقي جذوة الحق مشتعلة في وجه محاولات الطمس والتزييف الممنهج كلها. على دربهم؛ سار الروائيون العرب أمثال غسان كنفاني، كاتبين بوعي تام أن الرواية ليست مجرد حكاية للتسلية المجردة، هي مرآة كاشفة تعكس تناقضات المجتمع وتفضح بنى الاستبداد السياسي والاجتماعي مهما بلغت الكلفة، واغتيالهم كان شهادات دامغة على أن الكلمة الصادقة تصبح خطرًا حقيقيًا يخشاه الأعداء لدرجة تستحق عندهم ثمن الرصاصة.

لم يقتصر الالتزام الفني على حدود الأدب والرواية، امتد ليشمل الحقول الإبداعية كافة بلا استثناء؛ فظهر المسرح الملتزم على يد كتاب كبار حوّلوا الخشبة المسرحية إلى منبر فاعل للمساءلة السياسية والاجتماعية، فظهرت السينما الملتزمة التي قادها مخرجون مبدعون لتحمل هموم الإنسان العربي وتناقضات هويته بين موروث التقليد ومتغيرات الحداثة.

كما تجلى الفن التشكيلي، بأبهى صوره، مع فنانين عظام مثل ناجي العلي الذي وثّق بريشته الساخرة المعاناة اليومية للاجئ الفلسطيني ومقاومته الباسلة، حتى غدت شخصية "حنظلة" أيقونة عالمية تتجاوز أطر الفن التقليدي؛ لتصبح رمزًا خالدًا للكرامة التي ترفض الانكسار مهما اشتدت المحن.

غير أن الالتزام الحقيقي لم يسقط قط في فخ المباشرة الفجة أو الخطاب السياسي السطحي؛ فقد أدرك الكبار أن الفن حين يفقد جمالياته وأدواته الفنية الرفيعة يفقد قدرته على التأثير والبقاء، ليتحول إلى مجرد مادة استهلاكية عابرة يبتلعها النسيان. لذلك، جاءت أعظم الأعمال الملتزمة محققة لتوازن دقيق ومعجزة بين عمق المضمون الثوري وجمالية الشكل الإبداعي.

في الزمن المعاصر، يواجه الفن الملتزم تحديات مضاعفة وأكثر تعقيدًا في ظل توحش رأسمالية السوق واختزال القيم الإنسانية إلى مجرد أرقام مشاهدات وتفاعلات افتراضية. يجد المبدع نفسه، اليوم، محاصرًا بين إغراءات الشهرة السريعة القائمة على المجاملة والتسطيح الممنهج، وبين مسؤوليته التاريخية الجسيمة تجاه قضايا أمته التي ما تزال تنزف دمًا من فلسطين إلى كل بقعة عربية ابتليت بالاستبداد والفساد والتبعية. حتى منابر الإعلام الجديد، والتي كان يُنتظر منها أن توسع فضاءات الحرية أمام المبدع الحر، تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات ناعمة لتدجينه وتحويله إلى مجرد صانع محتوى، يبحث عن ركوب "الترند" والانتشار السريع بدلًا من البحث المضني عن الحقيقة والعدالة.

هكذا يصبح الفن الشاهد البديل والضمير الحي لكون غاب عنه الوعي عمدًا. إن الحاجة إلى الفن الملتزم تشتد يومًا بعد يوم، ليكون الصوت الصادق في زمن التبعية والدرع الواقي للذاكرة الجمعية، مؤكدًا أن الفنان الحقيقي يظل أبدًا ذلك الضمير اليقظ الذي يجعل من جمال إبداعه سلاحًا في وجه القبح، ومن كلمته الصادقة جسرًا يعبر عليه الأحرار نحو غد أكثر عدلًا وإنسانية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد