كتب محمد علي شمس الدين «زينب» منذ عقود، ثم مضى...لكن زينب لم تمضِ معه. بقيت معلّقةً على كتف الجنوب، تتبدّل وجوهها ولا تتبدّل مأساتها... مرّةً طفلةً يسبق الخوفُ جرسَ مدرستها، ومرّةً أمًّا تجعل من ذراعيها آخر جدارٍ بين أطفالها والموت، ومرّةً امرأةً لا تطلب من الحياة أكثر من بيتٍ لا تهتزّ نوافذه، وصباحٍ يدخل إليها من دون رائحة بارود ودخان.
كم زينب عبرت من هنا منذ كتب محمد علي شمس الدين قصيدته؟ وكم زينب أخرى علينا أن نودّع، كي تنتهي القصيدة أخيرًا... وتنطفئ النار؟
ربما لهذا اختار الشاعر اسم «زينب»...فزينب في وجداننا ليست مجرّد اسمٍ يُكتب في أعلى القصيدة، إنّها ذاكرة كربلاء كلّما أعاد التاريخ فتح جرحها، وصورة المرأة التي وقفت وسط الفاجعة، ترى أحبّتها يمضون واحدًا واحدًا، ثم تبقى وحدها تحمل أسماءهم في صدرها، وتحرس حكايتهم من النسيان، كي لا يكون للموت النصر الأخير.
منذ ملحمة كربلاء، كأنّ اسم زينب صار أوسع من امرأة واحدة... يتّسع لكل أمٍّ يُمتحن قلبها بما يفوق طاقة القلوب، ولكل امرأةٍ تمرّ في النار وتخرج منها مثقلةً بالغياب، ولكل شاهدةٍ أُجبرت أن تحفظ أسماء الراحلين بعدما عجزت الحياة عن حفظهم.
اليوم...
خرجت زينب مرّةً أخرى من القصيدة..لم تعد مجازًا بين سطرين، ولا صورةً في أغنية قديمة... صارت خبرًا عاجلًا، وبيتًا مفجوعًا، وأمًّا استُشهدت مع أولادها الأربعة..وكأن الشعر، بعد كل هذه السنوات، عاد ليطرق باب صاحبه من الجهة الأكثر وجعًا..وهنا تصبح كلمات محمد علي شمس الدين أشدّ قسوة:
«لو أنَّ الفجرَ تأخّرَ ثانيةً عن موعده... لنجونا».
ثانية واحدة فقط...
ما أصغر الثانية في عمر الكون، وما أوسعها حين تصبح المسافة الوحيدة بين أمّ وأطفالها وبين الموت.
ثانية كان يمكن أن تتّسع لصرخة، لخطوة، لباب يُفتح، ليدٍ تمتدّ...ربما لحياة كاملة لم تُمنح لهم.
كتب محمد علي شمس الدين قصيدته عن زمنٍ ظننّا أن البلاد ستطويه وتضعه في خزائن الذاكرة، فإذا بالقصيدة ترفض أن تصبح ماضيًا..كلّما قلنا انتهت، خرجت منها زينب أخرى..وكلّما اعتقدنا أن النار خمدت، وجدنا رمادها على أبواب بيوتنا.
.jpg)
زينب تتكرّر، والأطفال يتكرّرون، والأمهات يتكرّرن، والبيوت التي تستيقظ ناقصةً تتكرّر.
وحده السلام الذي انتظرناه طويلًا... ما زال يتأخر عن موعده.
رحم الله الأمّ وأولادها الأربعة، ورحم كل «زينب» عبرت هذا الجنوب ولم يمنحها الفجر تلك الثانية التي كان يمكن أن تغيّر المصير.
أتقدّم بأحرّ التعازي إلى الصديقة الغالية رباب شمس الدين ابنة الشاعر الكبير محمد علي شمس الدين وابنة خالة زينب، وإلى الشاعر محمد ناصر الدين شقيق زينب، وإلى أفراد العائلة جميعًا، راجيةً لهم الصبر والسلوان أمام فاجعة تضيق أمامها الكلمات.
لعلّ أقسى ما يمكن أن نقوله اليوم:
يا محمد علي شمس الدين...لم تنتهِ قصيدتك بعد... ما تزال زينب تخرج منها كلّ يوم بوجهٍ جديد، وما نزال نرجو من الموت أن يتأخّر...ولو ثانيةً واحدة.
#ناريمان_علوش
#زينب