سبع قواعد عسكرية جديدة، وبوابات فعلية لم تُقفل منذ العام 2000، وأكثر من مليون لبناني نزحوا من بيوتهم. هذه ليست تفاصيل هامشية في مواجهة عسكرية عابرة، هي ملامح مسار طويل الأمد ترسمه "إسرائيل"، في جنوب نهر الليطاني منذ استئناف الحرب في آذار/مارس 2026. الخطاب الإسرائيلي الرسمي يرفض كلمة «ضمّ»، لكن وقائع الأرض تشبه إلى حدّ لافت ما عاشه الجولان السوري المحتل قبل نحو نصف قرن.
ماذا يحدث على الأرض؟
منذ اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيراني السيد علي خامنئي وتجدد المواجهة بين "إسرائيل" و«حزب الله»، في الثاني من آذار/مارس 2026، توسّعت السيطرة العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان إلى مستوى غير مسبوق منذ اندحار العام 2000. وبحلول منتصف آب/أغسطس 2026، أقرّ وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس علنًا بأن جيشه يسيطر على نحو 700 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية؛ لكن تقديرات دولية أخرى تتحدث عن مساحة أقل، بين 570 و650 كيلومترًا مربعًا.
على الأرض، أقام جيش الاحتلال الإسرائيلي سبع قواعد عسكرية جديدة، وحوّل مواقع رمزية، مثل سجن الخيام وقلعة الشقيف «بوفور»، إلى مرتكزات دائمة. كاتس نفسه قال إن جيشه «لن ينسحب» من قلعة الشقيف. كما أقامت "إسرائيل" بوابات فعلية على ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، تفصل المنطقة الواقعة تحت سيطرتها عن باقي الأراضي اللبنانية. هذا لم يحدث من قبل منذ العام 2000.
خلف هذه الأرقام حياة يومية متوقفة. أعلن كاتس أن ما بين 15 و20 ألف منزل، في 24 قرية، «دُمّرت بالكامل». مصادر لبنانية تتحدث عن دمار أصاب ما بين 39 و55 بلدة وقرية. النتيجة: أكثر من مليون نازح لبناني، أي أكثر من خمس سكان البلاد. كثير منهم لا يعرف اليوم إن كان له بيت يعود إليه.
من "الخط الأزرق" إلى "الخط الأصفر"
حتى وقت قريب، كان «الخط الأزرق» هو المرجع الوحيد لحدود الاندحار الإسرائيلي. رسمته الأمم المتحدة، في العام 2000، وطوله نحو 120 كيلومترًا. لكن في 19 نيسان/أبريل 2026، أعلن الناطق العسكري الإسرائيلي أفيخاي أدرعي عن خط جديد: «الخط الأصفر». المنطقة الواقعة بين الخطين وصفها محللون بأنها «منطقة إطلاق نار حرة»، أي مُفرغة من السكان بالكامل. هذا الخط توسّع مرة أخرى، في حزيران/يونيو 2026. معلّقون لبنانيون وصفوا الأمر بـ«الجرعات المتتالية». والنموذج ليس حكرًا على لبنان: "إسرائيل" طبّقت خطًا مماثلًا أولًا في غزة، ويضعه محللون ضمن عقيدة إقليمية واحدة تشمل أيضًا الجولان المحتل وجنوب سوريا، بمساحة إجمالية تُقدَّر بنحو 14 ألف كيلومتر مربع.
ضمّ زاحف أم ورقة ضغط تفاوضية؟
يكمن، هنا، جوهر الجدل. الزاوية الأهم، في هذا الملف، ليست السؤال الكلاسيكي: هل ضمّت "إسرائيل" الجنوب اللبناني أم لا؟، السؤال الأدق: هل كل عناصر الضمّ الفعلي موجودة على الأرض اليوم، قواعد دائمة وتدمير قرى ونزوح جماعي، وما ينتظر فقط هو الخطوة القانونية الأخير؟
فريق من المحللين يرى أن العلامات كلها تشير إلى «ضمّ زاحف»: تحوّل اللغة الرسمية الإسرائيلية من «منطقة أمنية مؤقتة» إلى «منطقة عازلة دائمة»، بحسب ما نقلته شبكة CNN. ونواب إسرائيليون، من التيار القومي المتشدد، يطالبون علنًا بضمّ جنوب لبنان بشكل دائم، بحسب تقرير لشبكة NPR، إلى جانب تصريحات مسؤولين إسرائيليين بأن لا نية للانسحاب «لأشهر وربما سنوات».
في المقابل، لم تستخدم "إسرائيل" رسميًا كلمة «ضمّ» حتى تاريخ إعداد هذا المقال. المصطلح المعتمد يبقى «منطقة أمنية» مشروطة بتفكيك سلاح «حزب الله». وثمانية جولات من مفاوضات روما، بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي وبرعاية أميركية، لا تزال جارية حتى آب/أغسطس 2026، إلى جانب انتشار للجيش اللبناني في مناطق تجريبية أولى. حتى الولايات المتحدة، الحليف الأقرب لــ"إسرائيل"، رفضت رسميًا في آب/أغسطس 2026 استمرار الوجود الإسرائيلي «بشكل دائم» في الجنوب، وعدته مخالفًا لاتفاق الإطار.
الجولان يتكلم.. سابقة تُثير القلق
المقارنة الأكثر إلحاحًا هي مع مرتفعات الجولان السورية. هناك أيضًا بدأ الأمر بـ«منطقة أمنية» غير معلنة، ثم تعيين مجالس محلية وفرض ضرائب. بعد 14 عامًا كاملة من ضمّ زاحف لم يُعترف به رسميًا، أقرّ الكنيست «قانون الضمّ» في كانون الأول/ديسمبر 1981. والأهم: الضمّ في الجولان اكتمل بعد تطهير عرقي شبه كامل، لم يترك من سكانه الأصليين إلا ما يقارب 6400 من أصل 128 ألف نسمة.
في جنوب لبنان، لا يزال النزوح، على ضخامته، أقل شمولًا من تجربة الجولان على مستوى الإقليم كله. لكنه يقترب من هذا النمط في جيوب محددة، أبرزها القرى الـ24 «المدمَّرة بالكامل». بعبارة أخرى: الوقائع على الأرض تسير بخطى تشبه الجولان، لكن الخطوة القانونية الحاسمة، إعلان الضمّ رسميًا، لم تُتخذ بعد.
ماذا بعد؟ ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول: انتصار المسار التفاوضي؛ تتقدّم مفاوضات روما، ويتوسّع انتشار الجيش اللبناني في مناطق إضافية، وتندحر "إسرائيل تدريجيًا كما حصل في العام 2000، تحت ضغط سياسي وميداني متواصل.
السيناريو الثاني : تحوّل الجمود إلى ضمّ زاحف؛ تنهار مفاوضات روما أو تتجمّد عدة سنوات، فتتحول البنية التحتية الدائمة التي بُنيت اليوم والقواعد والبوابات ولغة «الدوام» إلى واقع قانوني مكتمل، على غرار ما استغرقه الجولان من 14 عامًا.
السيناريو الثالث: التجمّد في المنطقة الرمادية؛ يستمر الوضع الحالي سنوات، من دون إعلان ضمّ رسمي ومن دون اندحار كامل. تبقى «المنطقة الأمنية» أداة ضغط تفاوضي دائمة الحضور. وهذا، بحسب التقويم الأكثر ترجيحًا حاليًا، السيناريو الأقرب إلى واقع آب/أغسطس 2026.
ما التداعيات؟
على لبنان: استمرار السيطرة الفعلية؛ يعني تآكلًا يوميًا للسيادة، وأكثر من مليون نازح بلا أفق واضح لعودتهم، وضرورة استثمار أوراق الضغط الدبلوماسي المتاحة كلها، القرار 1701 ومفاوضات روما والآلية الثلاثية، قبل أن يتحول الواقع الميداني إلى وضع قانوني يصعب تغييره.
على "إسرائيل": الكلفة الباهظة، المقدَّرة بـ6.4 مليار دولار سنويًا و40 ألف جندي احتياط، إلى جانب رفض أميركي رسمي لاستمرار الوجود الدائم، يخلقان جدلًا داخليًا حيال استدامة السيطرة على المدى الطويل، حتى بالنسبة إلى أقرب الحلفاء.
على الإقليم: تكرار نموذج «المنطقة العازلة»، في غزة والجولان وجنوب سوريا ولبنان، يكشف عقيدة إسرائيلية إقليمية موحّدة لما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعيد رسم خرائط النفوذ والأمن على حدود فلسطين المحتلة كلها، لا في جنوب لبنان وحده.