هل مصر في الحساب الصيني.. أكثر من ممر!

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

لم تكن زيارة الرئيس الصينيي "شي جين بينغ" إلى القاهرة تحتاج إلى مناسبة أكبر من توقيتها حتى تكتسب معناها. سبعون عامًا على العلاقات المصرية- الصينية، واتفاقيات واستثمارات ومشروعات مشتركة، كلها أسباب كافية للحديث عن زيارة بمستوى دولة. لكن السياسة لا تقرأ المناسبات وحدها، أيضًا تقرأ اللحظة التي تقع فيها المناسبة. و"شي" جاء إلى مصر في وقت تتغير فيه خريطة المنطقة تحت ضغط الحرب الأميركية- الإيرانية، حيث تصبح الممرات البحرية ومصادر الطاقة وطرق التجارة جزءًا مباشرًا من الصراع.

لذلك؛ تبدو مصر في الحساب الصيني أكبر من سوق، وأكبر من دولة عربية ذات ثقل سياسي. موقعها يجعلها نقطة التقاء بين مسارات لم تعد منفصلة عن بعضها البعض: الخليج العربي، البحر الأحمر، قناة السويس، البحر المتوسط وأفريقيا. في زمن تصبح فيه كل واحدة من هذه الجغرافيا معرضة للاهتزاز، ترتفع قيمة الدولة التي تقع بينها جميعًا.

الصين تعرف ذلك جيدًا. هي لا تنظر إلى قناة السويس بصفتهها مجرد طريق تختصر به سفنها المسافة بين آسيا وأوروبا. ما يهم بكين هو الشبكة التي يمكن أن تنشأ حول هذا الطريق: مناطق صناعية، موانئ، تخزين، نقل، طاقة، تكنولوجيا، تصنيع وأسواق تمتد من أوروبا إلى أفريقيا. لهذا؛ فإن وجود الشركات الصينية، في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ليس استثمارًا منفصلًا عن استراتيجية أوسع لإعادة بناء سلاسل الإمداد الصينية على امتداد العالم.. وفي المقابل قيمة الموقع المصري أضحت أكثر اهمية مع الحرب الحالية.

مضيق هرمز، والذي ظل لعقود أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، لم يعد يبدو طريقًا مضمونًا لمجرد أن القوى الكبرى تملك أساطيل ضخمة حوله. الحرب على إيران أظهرت شيئًا أكثر قسوة: الممر البحري يمكن أن يتحول في لحظة إلى أداة ضغط، والدولة التي تملك القدرة على تعطيل الطريق تستطيع أن تفرض تكلفة على اقتصاد دول أكبر منها عسكريًا وماليًا.

بالنسبة إلى الصين، هذه ليست مشكلة شرق أوسطية بعيدة. إنها مشكلة تتصل مباشرة باقتصادها. جزء كبير من الطاقة التي تحتاج إليها الصناعة الصينية يأتي من منطقتنا، وأي اضطراب طويل في الخليج يرفع كلفة الطاقة والتأمين والشحن، ما يجبر الشركات تاليًا على إعادة حساب الطرق والمخاطر. إذ حين تصبح الملاحة في هرمز أكثر تعرضًا للتهديد، تصبح كل عقدة أخرى في شبكة التجارة العالمية أكثر أهمية.

بناء على ذلك؛ يمكن فهم دور قناة السويس بطريقة مختلفة. إذ ليس بمقدروها أن تحتل الأهمية نفسها لمضيق هرمز، فلكل منهما وظيفة مختلفة. لكنّهما جزء من منظومة واحدة. الطاقة الخارجة من الخليج تحتاج إلى طرق، والبضائع الآتية من آسيا تحتاج إلى طرق، وأوروبا وأفريقيا تحتاجان إلى الوصول إلى هذه الشبكة. إذ كلما ارتفع مستوى الخطر في أحد الممرات، ارتفعت قيمة القدرة على الحركة عبر الممرات الأخرى.. هذا يمنح مصر ورقة لم تكن تحتاج إلى اختراعها... والورقة موجودة في الجغرافيا نفسها.

المشكلة هي أن الجغرافيا وحدها لا تصنع القوة. مصر تملك قناة السويس، لكن السؤال هو من يستفيد من قيمتها الأكبر؟ يمكن أن تمر السفن في القناة، من دون أن يتحول ذلك إلى قوة صناعية مصرية .. يمكن أن تقام المصانع الصينية على ضفافها من دون أن تنتقل التكنولوجيا إلى الداخل المصري. ويمكن أن تتوسع الاستثمارات من دون أن تتوسع معها قاعدة الإنتاج المصرية.

لذلك؛ فإن العلاقة مع الصين لا ينبغي أن تقاس بعدد الاتفاقيات ولا بحجم الأموال التي تدخل مصر.. المعيار الأهم هو: ما الذي يبقى لمصر بعد أن تنتهي الاستثمارات من بناء مشروعاتها؟

إذا تحولت منطقة قناة السويس الاقتصادية إلى قاعدة إنتاج مصرية مرتبطة بالصناعة الصينية وإلى مركز تصدير للأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، وإذا دخلت الشركات المصرية في سلاسل التوريد، وانتقلت التكنولوجيا والخبرة، يصبح الموقع المصري مصدرًا لقوة إنتاجية. أما إذا بقيت مصر مجرد منصة تستضيف رأس المال الأجنبي، تكون قد قدمت الجغرافيا وحصلت على عائدها، لكنها لم تحول الجغرافيا إلى سيادة اقتصادية... هذا هو الجزء الذي يجعل الصين مختلفة به عن الولايات المتحدة في هذه اللحظة، من دون أن يعني ذلك أن الصين تعمل خارج حسابات مصالحها.

واشنطن بنت نفوذها الإقليمي أساسًا على الأمن والتحالفات والقواعد العسكرية، وربطت استقرار طرق الطاقة والتجارة بمنظومة أمنية، هي التي تقودها. أما الصين فقد دخلت من بوابة التجارة والبنية التحتية والإنتاج، لكنها بدأت تتحرك أبعد من ذلك.. إذ عندما يتحدث "شي" عن ضرورة إعادة تشكيل منظومة الأمن، في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط)، ورفض التدخل الخارجي، لا يعني أن بكين لا تعرض نفسها بصفة المستثمر وحسب، أيضًا بصفتها قوة تريد أن يكون لها رأي في القواعد التي تحكم المنطقة.

الفرق مهم..!

إذ كشفت الحرب على إيران أن المنظومة الأمنية التي قادتها الولايات المتحدة ليست قادرة على ضمان كل ما كانت تعد بضمانه. القواعد الأمريكية موجودة، والأساطيل موجودة، والتفوق الجوي موجود، مع ذلك بقي مضيق هرمز قابلًا للاهتزاز، وبقي الخليج معرضًا لتداعيات الحرب، وبقيت حركة الطاقة والتجارة تبحث عن مسارات أكثر أمانًا.

لا يعني هذا أن الهيمنة الأمريكية انتهت. مثل هذه الاستنتاجات السريعة لا تصمد أمام الواقع. الولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأكبر في المنطقة، وما تزال تملك أدوات مالية وسياسية هائلة. لكن الحرب أضعفت فكرة أكثر أهمية من القوة نفسها، وهي أن هذه القوة لا تستطيع وحدها إنتاج الأمن الذي تحتاج إليه المنطقة. هذه المساحة التي تتوسع فيها الصين.، لكنها ليست اللاعب الأوحد الذي يجب أن تنظر إليه القاهرة.

إيران دخلت الحرب من موقع مختلف. إذ لم تكن تملك السيطرة على النظام المالي العالمي ولا حاملات الطائرات، لكنها امتلكت شيئًا لا تستطيع القوة العسكرية تجاهله، وهو الجغرافيا. وجودها ضمن محيط مضيق هرمز منحها قدرة على رفع تكلفة الحرب، وتحويل طريق تجاري عالمي إلى ورقة استراتيجية مهمة .. في البحر الأحمر ظهرت معادلة أخرى، حين أدت الهجمات على الملاحة إلى إعادة حسابات شركات الشحن والطاقة، وأصبحت المسافة والكلفة والتأمين جزءًا من نتائج الحرب.

هكذا عادت الجغرافيا إلى قلب السياسة.

على مدى عدة عقود؛ بدا أن التكنولوجيا والأساطيل والطائرات تستطيع أن تتجاوزها. الحرب تقول خلاف ذلك. تستطيع القوة الكبرى أن تضرب دولة، لكنها لا تستطيع أن تضرب موقعًا جغرافيًا وتزيله من الخريطة. تستطيع أن تفرض السيطرة العسكرية على مساحة محددة، لكنها لا تستطيع أن تلغي الحاجة إلى الطرق التي تمر عبرها التجارة والطاقة.. هذا يفسر أيضًا لماذا لا يمكن فصل مصر عن الصراع على مستقبل "الشرق الأوسط".. علمًا أن الكيان الإسرائيلي يحاول بدوره المحافظة على موقعه قوةً عسكرية مركزية في أي نظام إقليمي جديد.

الولايات المتحدة تريد الحفاظ على قدرتها على ضبط هذا النظام. إيران، بدورها، تريد منع تحويل المنطقة إلى فضاء مغلق أمام نفوذها. الصين، أيضًا، تريد ضمان طرق تجارتها وطاقة اقتصادها، وفي الوقت نفسه توسيع حضورها في صياغة النظام المقبل. أما دول الخليج؛ فهي تبحث عن مساحة أوسع من الأمان والاستقلال في عالم لم تعد فيه المظلة الأمريكية تبدو كافية وحدها.

مصر تقع في منتصف هذه الخريطة، من دون أن تختار ذلك. هذا بالضبط ما يجعل علاقتها مع الصين أكثر أهمية مما تبدو عليه في البيانات الرسمية. إذ إن القاهرة ليست مضطرة إلى أن تصبح جزءًا من محور صيني حتى تستفيد من صعود الصين. وليست مضطرة أيضًا إلى قطع صلاتها بواشنطن. القوة المصرية الممكنة في المرحلة المقبلة لا تأتي من اختيار طرف ضد طرف، إنما جعل الطرفين وغيرهما بحاجة إلى مصر بدرجة ترفع كلفة الضغط عليها. ذلك أن الصين تستطيع الاستثمار في دول كثيرة، لكنها لا تستطيع أن تستنسخ قناة السويس وموقع مصر بين البحرين وأفريقيا والمتوسط. وهذه ميزة تفاوضية نادرة، لكن امتلاكها شيء واستخدامها شيء آخر.

أما مصر، والتي تفهم هذه المعادلة، لا تتعامل مع الصين بوصفها ممولًا يجب إرضاؤه، ولا مع أمريكا بوصفها قوة يجب استرضاؤها، ولا مع موقعها الجغرافي بوصفه قدرًا ثابتًا. تتعامل معه بصفته أصلًا سياسيًا واقتصاديًا يجب تحويله إلى قدرة .. عندها تصبح زيارة الرئيس الصيني "شي جين بينغ" إلى القاهرة جزءًا من قصة أكبر بكثير من العلاقات الثنائية.. فالصين تبحث عن عقدة آمنة في شبكة عالمية تتعرض للاهتزاز، وإيران أثبتت أن المضيق يمكن أن يصبح سلاحًا مهمًا، والخليج اكتشف أن أمن الطاقة ليس منفصلًا عن أمن الحرب.. كما أن البحر الأحمر أصبح جزءًا من معادلة الصراع.. والسويس تكتسبت قيمة إضافية كلما زادت المخاطر على الطرق الأخرى.

أما الولايات المتحدة، فتواجه للمرة الأولى منذ عقود شرقًا أوسط لا يمكن اختزاله بسهولة في شبكة واحدة من التحالفات والضمانات. في هذه اللحظة لا تحتاج مصر إلى أن تصبح تابعًا للصين كي تخرج من الهيمنة الأمريكية. تحتاج فقط إلى أن تفهم أن العالم نفسه بدأ يفتح لها مساحة كانت مغلقة؛ فالمطلوب ليس استبدال مركز بمركز، المطلوب هو أن تتوقف مصر عن تقديم موقعها لخدمة الآرين، وأن تبدأ في استخدامه مصدرًا لقوتها.. إذ إن الدول لا تصبح مستقلة؛ لأنها تختار حليفًا أقوى.. تصبح أكثر استقلالًا عندما يصبح موقعها واقتصادها وقدرتها على الحركة جزءًا من حسابات الجميع.

تلك ربما تكون القيمة الأهم التي تكشفها لحظة مصر والصين: أن الحرب التي بدأت على إيران وامتدت إلى الخليج وهرمز، أعادت إلى المنطقة شيئًا ظن كثيرون أن عصر القوة الحديثة قد تجاوزه.. لقد أعادت إليها قيمة الطريق.. ومن يملك الطريق لا يملك التجارة وحدها.. يملك جزءًا من القرار.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد