نقاط على حروف الكهرباء…

post-img

أحمد بهجة (صحيفة البناء)

لا تزال الأزمات المالية والاجتماعية والمعيشية تنهش في جسم الاقتصاد اللبناني، من دون حلول، وإذا وُجدت محاولات متفرّقة هنا وهناك لمعالجة أزمة ما، فإنّ المناكفات والتجاذبات السياسية كفيلة بإفشال تلك المحاولات والحدّ من مفاعيلها الإيجابية على هذا القطاع أو ذاك.

ولعلّ ما حصل في قطاع الكهرباء هو المثال الأبرز على ما نقول كون هذه المشكلة المزمنة تفاقمت وتعقّدت أكثر فأكثر في الفترة الأخيرة مع تسلّم جماعة “بدنا وفينا” مقاليد وزارة الطاقة، بعدما استمرّ “النّق” لأكثر من عقد، بحجة أنّ الوزارة بعهدة التيار الوطني الحر وأنّ ما أُعلن من خطط وبرامج لم يحقّق حلم اللبنانيين بالحصول على التيار الكهربائي بشكل دائم (24/24) كما هو الحال في معظم دول العالم.

وحتى لا نعود كثيراً إلى الوراء نكتفي اليوم بالحديث عن الحقبة التي تولّى فيها الوزير الدكتور وليد فياض مسؤولية وزارة الطاقة، (أيلول 2021 ـ شباط 2025)، وهو الوزير المعروف عنه علمه وخبرته وتجربته الواسعة ليس فقط في لبنان بل على المستويين العربي والدولي أيضاً.

درَس الوزير فياض ملف الكهرباء بشكل جيد، وهو لم يكن بعيداً عنه في الأساس، لكن الوجود في مركز القرار يجعل الدراسة تأخذ منحى تنفيذياً مختلفاً.

الحلّ لم يكن مستعصياً، إذ كان يكفي كسر الحظر المزمن على سعر الكيلواط، والعائد إلى العام 1994 حين تمّ تجميد السعر على 9 سنتات، فيما كانت الكلفة أكثر من ذلك، ما يعني وقوع مؤسسة كهرباء لبنان في العجز منذ ذلك الوقت وحاجتها الدائمة للدعم الذي كان يأتي من الخزينة العامة كما هو حال الدعم للكثير من القطاعات مثل الطحين والمحروقات وغير ذلك.

قدّم الوزير فياض خطته القائمة على معادلة سهلة… رفع التعرفة إلى 27 سنتاً للكيلواط، وزيادة ساعات التغذية بالتيار الكهربائي، وتحسين الجباية لكي تصبح المؤسسة قادرة على تمويل نفسها دون الحاجة إلى سلفات من الخزينة العامة. هذه الخطة كانت بحاجة في الانطلاقة إلى سلفة واحدة حتى يبدأ التنفيذ، والاقتراح كان أن تحصل المؤسّسة من مصرف لبنان على 600 مليون دولار خلال ستة أشهر لكي تؤمّن المحروقات اللازمة لتشغيل معامل الإنتاج التي كانت تعطي نحو أربع ساعات يومياً من الفيول العراقي، بينما تبلغ القدرة الإنتاجية للمعامل نحو 14 ساعة يومياً، مما يعني أنّ غالبية المواطنين يصبح بإمكانهم الاستغناء عن الاشتراك بالمولّدات الخاصة، وما تعنيه المولّدات من أعباء وفواتير باتت اليوم أرقامها فلكية…!

لكن حساب الحقل لم يطابق كلياً حساب البيدر، إذ وافق الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة على “نصف الخطة”، أيّ أن تكون السلفة 300 مليون دولار خلال ثلاثة أشهر، وبالتالي تصبح ساعات التغذية نحو 9 ساعات فقط، وتكون نسبة الجباية أقلّ من المتوقّع أيضاً.

رغم ذلك وُضعت الخطة موضع التنفيذ، ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأت تعطي ثمارها، إذ زادت ساعات التغذية وارتفع معدل الجباية، حيث تراكم المال في حساب المؤسسة لدى المصرف المركزي، ولكن بالليرة اللبنانية، وكان لزاماً تحويله إلى الدولار من أجل استيراد المحروقات من الخارج… هنا أيضاً برزت عراقيل معينة وضعها “الحاكم” السابق، لكن الإصرار من قبل الوزير فياض أدى إلى حلحلة هذه المشكلة، ومن ثم تمّت متابعة تنفيذ الخطة طوال فترة وجود الدكتور فياض على رأس الوزارة، ولكن الأمور اختلفت مع تشكيل الحكومة الحالية وتسليم وزارة الطاقة إلى حزب “القوات اللبنانية” الذي كان مسؤولوه يعدون بأن يحققوا الإنجاز الكبير وتأمين الكهرباء لكلّ اللبنانيين على مدار الليل والنهار… إلى أن كانت الصدمة بأنهم عاجزون حتى عن الاستمرار بخطة الوزير فياض، فتراجع الإنتاج وتراجعت ساعات التغذية حتى وصلت في بعض المناطق إلى “صفر تغذية” وفي مناطق أخرى إلى ساعة أو ساعتين يومياً…

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو التالي: طالما أنّ الوزير الحالي جو صدّي عمل طوال حياته مستشاراً في مجال الطاقة في لبنان وفي أكثر من دولة أخرى، ألا يُفترض به أن يعرف أنّ متابعة تنفيذ خطة الوزير فياض والاستناد إليها هو الحلّ الوحيد للحفاظ على حدّ أدنى من ساعات التغذية، ريثما يتغيّر الواقع السياسي في لبنان ويصبح من الممكن التفكير في بناء معامل جديدة وفق الخطة الأصلية التي كان طرحها الوزير جبران باسيل منذ العام 2010، والتي أشاد بها في حينه معظم القوى السياسية وخاصة رئيس حزب القوات سمير جعجع؟

بالتأكيد يعرف الوزير صدّي هذه الحقيقة، لكن يبدو أنّ في الخفايا والخبايا ما يحول دون تحقيق أيّ شيء على صعيد الكهرباء، وذلك لتلبية مصالح حزبية ضيقة مع كارتيلات معيّنة في قطاعَي المحروقات والمولدات الخاصة، وهو ما يتجلّى بكلّ وضوح هذه الأيام مع الارتفاع الجنوني في أسعار المحروقات وفي أرقام فواتير المولدات الخاصة.

هذا الأمر ربما هو الذي دفع حزب القوات إلى تسريب معلومات عن احتمال استقالة وزير الطاقة، بهدف حرف الأنظار عن المسؤولية الكبرى التي يتحمّلها الوزير وحزبه إزاء ما يتكبّده المواطنون من أعباء نتيجة عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع المافيات من التحكّم بالناس.

وهذا يستدعي بدوره تحرّكاً من نوع مختلف على صعيد السلطة ككلّ، وأيضاً يستدعي تحركاً قضائياً لوضع حدّ لكلّ هذا العبث بالحياة اليومية للمواطنين…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد