أمين معلوف يقرّ بكوابيسه في "متاهة الضائعين...  الغرب وخصومه"

post-img

أرنست خوري/العربي الجديد

في عصر الاستسلام العالمي للذكاء الاصطناعي، قد يخطر على بال قارئ كتابٍ، معيار جديد لتقييم العمل: هل يستطيع أي من أفراد تلك العائلة الملعونة، تشات جي بي تي، أو كلود، أو جيميني، أو غيرهم، أن يكتب مثل هذا المؤلَّف؟ سؤال افتراضي قد يخطر على بال من ينتهي من الصفحات الـ500 للكتاب الأحدث للمؤرخ والروائي اللبناني ــ الفرنسي أمين معلوف، "متاهة الضائعين ــ الغرب وخصومه" (ترجمة: رلى ذبيان، دار الفارابي، بيروت، 2024). والغبطة تتحقق إن أجاب القارئ على تساؤله بالنفي، أي باستبعاد أن يتمكن هذا "الذكاء" (حتى إشعار آخر) من إنجاز عمل معرفي من هذا النوع، مع أن الكتابة التاريخية التي ينتمي إليها العمل المذكور، من أكثر الأصناف عرضةً لأن تكون ضحية لقدرات هذه التقنية الخارقة، إلا عندما تصدر مثلما اشتغلها معلوف، بعيدة عن السرد البليد الذي يمكن لنقرة أن تجمعه في غضون ثوانٍ قليلة.

لمّا كانت مراجعة الكتاب أمرًا مختلفًا عن تلخيص مضمونه وإبطال متعة قراءته، حاله كحال مراجعة فيلم، فإنه ربما أمكن افتتاح الملاحظات بما لم يكتبه معلوف، ولكنه ترك للقارئ مهمة استنتاجه، وهو ما يجوز اختزاله بأن الشعوب والأمم ليست أسيرة تاريخ أجدادها وأسلافها، بل إنها قادرة، بنخبها وقياداتها ومثقفيها وساستها أن تقطع مع ماضيها، لا أن تنكره. هكذا فعل اليابانيون مثلًا على مراحل، في عصر الميجي وما بعد الحرب العالمية الثانية.

مسألة أن التاريخ يحكم أو يجب أن يحكم الحاضر والمستقبل، نظرية هوياتية قومية وفاشية عمومًا، أي نقيضة لما يفكر فيه معلوف المهجوس في صفحات الكتاب بهمّ أساسي: التعلم من التاريخ الذي كان دمويًا غالبًا لكن ليس دائمًا بين الغرب والشرق أولًا، وتفادي ما يبدو حتميًا هذه الأيام، أي اندلاع المواجهة المدمّرة، أكانت نووية أو كلاسيكية، بين الغرب من جهة، بقيادة أميركية، والصين من جهة أخرى، وربما معها روسيا. صحيح أن تلك المواجهة تبدو كأنها "الخاتمة المنطقية للتاريخ"، لكن الكاتب لا يوافق على هذه الحتمية "مع أن لا شيء يُفعل حاليًا لتجنبها" كما يقول، وحجته في تفاؤله أن تلك المواجهة ستكون إبادية والطرفان يدركان ذلك بالتالي فإنهما سيجهدان لتفاديها.

الانتقال التاريخي

الكتاب الأحدث لمعلوف، الأمين العام (مدى الحياة) لـ"الأكاديمية الفرنسية"، عمل تاريخي يتناول خصوم الغرب مجسّدين في اليابان والاتحاد السوفييتي والصين. أما الغرب، فله الرمز الأهم، الولايات المتحدة الأميركية طبعًا، والمشترك بين النماذج الأربعة، الغطرسة والشعور بفائض القوة الذي جعل من اليابان وروسيا والصين على صورة ما كانوا يحاربونه، أي العنصرية والتوسع والإمبريالية والاحتلال والظلم. ولا يحاول معلوف إخفاء إعجابه بالنموذج الياباني مع المحدّثين الكبار، رموز عصر الميجي منذ القرن 19 ومطلع الـ20، الذين تخلصوا من التبعية للخارج والتخلف والعزلة، لكن لينتقلوا بعدها إلى التوسع والاستعمار بحثًا عن موارد اقتصادية، قبل أن تثبت اليابان للعالم بعد الحرب العالمية الثانية إمكانية الثراء الهائل من دون مستعمرات ولا توسع ولا حروب ولا ثروات طبيعية.

"متاهة الضائعين ــ الغرب وخصومه" ليس سردًا مملًا ولا أرشيفًا، بل حوّل أمين معلوف زمنًا دمويًا بين الغرب وخصومه إلى قصة مشوّقة تتوفر فيها جميع الشروط المهنية للكتابة التاريخية الصارمة المسنودة بعشرات من أمهات الكتب والمصادر والوثائق التي يشرح المؤلف طريقة اختيارها في نهاية الكتاب. وقد اختار صاحب "صخرة طانيوس" أحداثًا مركزية ومحطات زمنية بلا استنسابية لكن بهامش واسع من الاستطراد والمقارنة و"الفلاش باك" والقفز قليلًا إلى الأمام وإلى الخلف في الزمن لتذكير القارئ بما يراه ضروريًا أن يعلق في ذهنه.

تقليد الغرب أكان من يابانيين أو صينيين أو روس (جولة القيصر بطرس الأكبر في انكلترا والنمسا وبروسيا وهولندا متنكرًا أواخر القرن 17 ليفهم ويتعلم) دليل من بين أدلة أخرى على أن تاريخ الغرب وخصومه لم يكن دومًا دمويًا، وهذه واحدة من الملاحظات المركزية التي يرمي إليها العمل المعرفي المذكور. والمقارنات المفيدة من أبرز ما يقع عليه قارئ "الغرب وخصومه"، كأن يعرّفنا مؤلف "ليون الأفريقي" أنه عام 1961، كان الدخل الفردي في كوريا الجنوبية أدنى مما كان في مدغشقر وسريلانكا والصومال، ويعادل نصف الدخل الفردي في لبنان، وثلثه في البيرو. كان ذلك قبل أن يضرب بطل "المعجزة الكورية الجنوبية" الضابط بارك تشونغ هي (منفذ انقلاب 1961) ضربته، والنتيجة أن الاقتصاد الكوري اليوم هو الرقم 12 عالميًا، بدخل فردي أعلى من اليابان ومساو لما هو موجود في بلدان الاتحاد الأوروبي كمعدل وسطي.

درجات الخصومة

لروسيا وخليفتها الاتحاد السوفييتي حصة وازنة في القراءة النقدية التي يقدمها معلوف لجماعة محاربي الغرب، هي التي لم تنظر إلى نفسها يومًا كـ"غرب" بسبب الخلاف الديني الكاثوليكي ــ الأرثوذكسي. وفي هذا السياق كان لا بد للكاتب أن يذكّر بالإرهاب الستاليني وبجرائم الاتحاد السوفييتي، لا تصفيةً لحسابات أيديولوجية لليبرالي مع إرث شيوعي، بل ليقول الرجل، مع كثيرين غيره، إن سقوط التجربة السوفييتية سببها الأول فشل مريع في منافسة النموذج الغربي، في الاقتصاد والحريات والتعليم والعلم ونمط الحياة. وبُغض التجربة الاشتراكية لا يمنع معلوف من إجراء مقارنة سريعة وفاضحة بين رموز الشيوعية المضيئين إن جاز التعبير، مثل غرامشي وأوسكار نيمار وناظم حكمت وبول إيلوار ونيرودا ولويس أراغون، في مقابل رموزها الدموية كستالين وبيريا وميشنسكي وليسنكو وبول بوت ومنغستو.

في هذا السياق، لا بأس من إخبارنا، بما يشبه النكتة، كيف أن لينين توقع عام 1919 أن يصبح العالم كله سوفييتيًا بعد سنة، أي في 1920. كذلك، و"كي لا ننسى" كما يُقال، جدير تكرار اتهام ستالين بمسؤولية كبيرة عن وصول حزب هتلر النازي إلى السلطة، بعدما منع تحالف الشيوعيين الألمان مع الاشتراكيين الديمقراطيين في انتخابات 1932. أما لو كان على الكاتب اختصار المأساة السوفييتية بمثال واحد، فقد يكون التذكير بأن بناء جدار برلين عام 1961، بوصفه رمز الفصل والانعزال والاستعباد والسجن، حصل في نفس سنة رحلة غاغارين إلى الفضاء، رمز الاستكشاف والانطلاق وكسر الحدود.

في المقابل، فإنّ فصل الصين في "الغرب وخصومه" يتنقل بين إرهاب حكم ماو تسي تونغ وثورته الدموية المسماة ثقافية ومصيبة "القفزة العظيمة إلى الأمام"، وحقبة متنور بمعايير ذلك الزمن مثل مؤسس الجمهورية الصينية، سُن يات سِن، ودينغ جياو بينغ، رمز التحول الاقتصادي، مع تصويب على إرهاب الغرب في ذلك البلد عبر حربَي الأفيون.

لا يلزم الكاتب نفسه بتحقيب تاريخي صارم كأن يقرر معالجة موضوعه بين سنة كذا وعام كذا، بل يتنقل بمنهجية بين السنوات والعقود لإكمال القصة بشكل انسيابي وغير ممل، وهو أكثر ما يظهر في فصل أميركا التي كتب دستورها توماس جيفرسون، صاحب الموقف الرافض للعبودية، والمعجب بالثورة الفرنسية، والذي كان يملك في الوقت نفسه 600 عبد في مزرعته في مونتي تشيلو، وهي أميركا التي لم تنهض إلا بعد حربها الأهلية (حرب الانفصال). أما "غباء أميركا" فيتوقف عنده الكاتب طويلًا، من خلال إقناع البريطانيين الرئيس وودرو ويلسون بأن الحركة الوطنية المصرية (سعد زغلول) مشروع بلشفي، وإقناع تشرشل الرئيس روزفلت بأن محمد مصدّق في إيران وحركته الوطنية (1953) ألعوبة بيد السوفييت فرتّبوا الانقلاب عليه. أما مطالعة أمين معلوف عن خطايا أميركا خلال الحرب الباردة ومعاداة شخصيات وطنية دفعتها إلى أحضان موسكو مثل سوكارنو في إندونيسيا وباتريس لومومبا في الكونغو والغاني كواني نكروما، فمن بين المسائل المركزية التي تستحق التوقف عندها في "متاهة الضائعين".

كذلك شأن التوقف عن تخصيص معلوف الفصل الأخير في كتابه (120 صفحة) لأميركا بعنوان "حصن الغرب"، فصحيح أن أميركا هي الحصن، إلا أن صياغة معلوف تتوقف طويلًا عند مسافة أميركا من ذلك الغرب الكلاسيكي (أوروبا) وحروبها معها ونزاعاتها معها وخصوماتها. في هذا الإطار، يخبرنا مؤلّف "سمرقند" أنه عندما كان يصيغ كتابه، اجتاحت روسيا أوكرانيا، ويميل إلى اعتبار حرب أوكرانيا "حربًا باردة ثانية" مع بعض الحذر، مع أنه لو واكب الكاتب انقلابات ترامب على أوروبا، لربما عدل عن توصيفات كثيرة يتبناها، مثل الحرب الباردة الثانية، وأن أميركا "حصن الغرب".

الاهتياجات الهوياتية

خلاصات الكاتب وملاحظاته في الفصل الختامي، جديرة بالمناقشة. من الإشادة بالنموذج الأميركي وحلمه بـ"ولايات متحدة أوروبية" على غرار ما طمح إليه فيكتور هوغو وستيفان زفايغ، إلى اختصار فشل أميركا العالمي في الحالة الأفغانية بعد صرف ألف مليار دولار، وصولًا إلى مرافعته عن كارثة عدم تكرار أميركا ما فعلته في خطة مارشال والعلاج بالصدمة، في أماكن أخرى (أفغانستان، فيتنام، العراق، يوغوسلافيا...). هكذا، يرى أن أميركا لا تعرف كيف تعيد الإعمار لسبيين: الأول عنصري يتعلق بنظرتها الفوقية لشعوب غير أوروبية وغير يابانية، والثاني اليقين الأميركي بأن أميركا لا تُهزم لأنها لم تخسر يومًا عسكريًا حتى في فيتنام وأفغانستان.

يخالج قارئ "الغرب وخصومه" إزعاج طفيف نابع من عدم تسمية الفصول والاكتفاء بترقيمها وهي بدورها تنقسم إلى أجزاء فرعية لها أرقام. إزعاج أكبر قد تشكله الصفحات الأخيرة (447 ــ 454) لأنها، كما يشعر كاتب هذه السطور، تخرج عن سياق الكتاب التاريخي فيروح فيها معلوف يفكر بصوت عال في الخطر البيئي على وجودنا وخطر الاختراعات الهائلة والتلاعب بالجينوم البشري في حال خرجت عن السيطرة وخطر الأوبئة والذكاء الاصطناعي والكابوس النووي وضرورة التعاون الدولي بشأن هذه التحديات. تبدو تلك الصفحات دخيلة على الكتاب إذ تظهر بمثابة مقال أو نص حرّ أو توطئة لدراسة أو خواطر للكاتب هو مهتم فيها بشكل لافت، وقد حجز الخطر النووي مكانة مركزية في روايته "أشقاؤنا غير المتوقعين".

لعلّ كثر ممن قرأوا "الغرب وخصومه" شعروا أن الأهم والأكثر إثارة في الكتاب، الجزء الأخير الخاص بعلاقة الهوية والدين، وملاحظة معلوف أن البلدان التي تطغى فيها الديانات ذات الفلسفات التوحيدية (مسيحية وإسلام ويهودية وهندوسية)، علاقة الهوية فيها بالدين وثيقة جدًا، وهو ما يجعل "الاهتياجات الهوياتية" تسمّ حياة مجتمعاتها وتدمرها.

من هنا، يوضح أنه في آسيا الشرقية، لا تستند الهوية إلى الدين، وهو ما يقلل التعصب والتطرف والتشدد، بدليل أن أكثر شخصية صينية حديثة محترمة، مؤسس الجمهورية الصينية، سُن يات سِن، اعتنق البروتستانتية، وهو ما لم يطعن في شرعيته ولا وطنيته. يشعر القارئ وكأن أمين معلوف، عندما بدأ كتابة العمل، أراد أن يكون هذا الموضوع (علاقة الدين بالهوية الوطنية) مركزيًا ومفصّلًا، ولكنه غرق في المتن ربما فوجد نفسه واضعًا 460 صفحة من القياس المتوسط، فأحجم عن التوسع.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد