إعادة إنتاج الهوية السورية.. خليط الحداثة الشكلية والتقليد

post-img

ورد كاسوحة/ جريدة الأخبار

الملحوظ في محاولات إعادة تشكيل الهويّة السورية، السياسية والثقافية، وحتى الاجتماعية، على أنقاض الحداثة الطليعيّة السابقة، هو المنحى الما بعد كولونيالي، ولكن ليس في سياق الدولة الوطنية السابقة أو حتى الدولة الأمّة المركزية، كما أورثنا إيّاها كلٌّ من الانتداب الفرنسي وروّاد الاستقلال.

ثمّة رغبة واضحة، لدى القائمين على التجربة الهجينة الحالية بسوريا، في التخلُّص من كلّ هذا التراكم الذي وصَلنا من بقايا الحداثة المكتمِلة، لمصلحة أشكال هيوليّة وغير مستقرّة من الأنساق الاجتماعية، وحتى الثقافية. فإلى جانب الخليط المتفجّر من الهويّات الجزئية التي تتصارع في ما بينها على حدود وهميّة للمجتمع أو الدولة، يوجد أيضًا عنصرٌ أو عاملٌ لا يلحظه كثيرون، لدى تناوُل الطريقة التي تتطوّر بها القروسطية المُحدَّثة، كما وصلتنا من الغرب.

أهمّ ملامح هذا العنصر، هو التجاوُر بين القروسطية والتحديث الشكلي أو القِشري المنفصل عن تشكّل سوريا، كدولة أمّة، حديثة، ومعاصرة. الحرص الشديد من جانب الإدارة الأميركية البريطانية التركية للمشهد، على سَيْر الأمور وفقًا لهذا التجاوُر، لا يجبّ الحداثة السابقة فحسب، بل يفتح أيضًا على مرحلة ستكون فيها أيّ «حداثة» جديدة مشروطة بالإبقاء على هذا التداخُل بين عناصر متباينة أشدَّ التبايُن، بوصفه شكلًا من أشكال «التعدّدية الثقافية» التي كانت العلمانية السابقة تحجبها، كي لا تذهب بصيغة الدولة-الأمّة القومية، الموروثة من حقبة الاستقلال والنضال الوطني والقومي.

ثمّة مفاضلة حصلت بين النموذجين الفرنسي والبريطاني للتحديث في مرحلة الانتهاء من الدولة الوطنية؛ فبينما كان النموذج المُعتمَد طوال القرن الفائت يتكئ على العلمانية الشاملة التي أسّسَ لها الانتداب الفرنسي في كلٍّ من سوريا ولبنان وصولًا إلى المغرب العربي، نرى الآن أنّ الوجهة المُعتمَدة في مرحلة تفكيك الحداثة السابقة قد تبنّت الخيار النقيض البريطاني. والحال أنه، كخيار سياسي واجتماعي وحتى ثقافي، لا ينقض العلمانية من جذورها، بل يقيّدها بشدّة لمصلحة تجاوُر أو تقاطُع في الهويات الثقافية إذا صحَّ التعبير، بحيث لا تكون هي المرجعية الوحيدة للهوية الوطنية المُعاد تشكيلها، بل عنصرًا واحدًا فحسب، من ضمن مجموعة عناصر متقاربة ومتنافرة في الآن نفسه.

الخليط المتنافِر وغير المتجانِس بهذا الشكل، هو ما يجعل الأمور تبدو، ليس فقط ارتكاسية أو ذات منحى ماضوي أو قروسطي، بل أيضًا تتحرّك باتجاهات متعارضة؛ إلى الأمام والخلف في الوقت نفسه. فـ«العلمانية الجديدة»، إذا صحّت تسميتها كذلك، لا تحافِظ على علمَنة الدولة والمجتمع والمجال العامّ كما كانت عليه الحال سابقًا، بل تحصر الهويّة المدنية بالجماعات والطوائف التي يقع التقليد العلماني في صُلب ممارساتها وشعائرها منذ القِدَم.

هذا ما يوقِع المراقب للمشهد السوري من بعيد في حالة من التخبّط وعدم الفهم، إذ إن السماح الانتقائي للجماعات بحرّية ممارسة شعائِرها (كون المجازر وأعمال الإبادة في الساحل والسويداء قد استثنت جماعاتٍ أخرى من الحماية الخاصّة بالحرية الدينية)، لا يمكن اعتباره علمنةً للمجال العامّ، بقدر ما هو تخصيصٌ له، بحيث تَظهَر العَلْمنة أو المظاهر المدنية في الأماكن المسموح لها بذلك، ولا تظهر أو تغيب تمامًا، في نظيرتها التي تفتقد للعمق الاجتماعي، الحاضن للتقليد العلماني أو المَدَني.

ما يبدو وفقًا للمنهج البريطاني، المُذكي للتعدّدية الهوياتية الشكلية، أنه تحديث، هو بمثابة نَزْع للعلمَنة من المجال العام، وجعلها امتيازًا لا يمكن الحصول عليه إلا حين يتجرّد المرء من هويّته المدنية ويعود لانتماءاته القَبْلية السابقة للحداثة، والتي لا تتحرّك كهوية جزئية إلا في أضيق الحدود والمساحات للتعريف بالهويّة أو الانتماء الفردي الأوّلي.

المظاهِر التي نشاهدها حاليًا، وعلى نحو مبالغٍ فيه أحيانًا، للاحتفالات بالأعياد والمناسبات الدينية لدى جماعات بعينها، تقع في هذا السياق تمامًا، كون التعدّدية المطلوبة حاليًا ليست نتاجَ الفضاء العامّ، بل وليدة أكثر الفضاءات خصوصيةً، والتي كانت الحداثة السابقة تفسح لها المجال، على نحو متساوٍ وغير تمييزيّ، بوصفها فاعلًا اجتماعيًا من ضمن فاعلين آخرين، لا يقلّون عنها احتضانًا للتقاليد والشعائر الاجتماعية.

بروز الهويّة الجزئية على هذا النحو المُبالَغ فيه، هو ما سَمَح أيضًا بتصدّر رجال الدين من كلّ الجماعات المشهدَ العامّ، بعدما كانوا حاضرين سابقًا ولكن في إطار لا يضعهم في موقع القرار والتأثير المُفرِط كما هي الحال الآن. والحال أنّ توزّعهم على ضفّتي النظام والمعارضة بالطريقة التي يبدو عليها الأمر، يُظهِر الحدّ أو المدى الذي ذهبت إليه المقاربة الشكلانية الغربية في تسييد المرجعيات الدينية على المجال العام المُعاد إنتاجه، على إثر تفكيك الحداثة السابقة. فبدلًا من أن تنعقد القيادة لناشطي وروّاد المجتمع المدني الذين دُعموا من الغرب، بمقدار دعم رجال الدين، إن لم يكن أكثر، وَقَع الاختيار على المرجعيات الدينية لتكون، إلى حين استيعاب المجتمع لصدمة تفكيك الحداثة القديمة، هي الواجهة لهذا التراصُف غير المفهوم بين الحداثة الشكلية والتقليد، في إطارٍ من «التعددية الثقافية» التي يغلِب عليها حتى الآن المنحى القروسطي، المُمالِئ لتديين المجتمع وشكلَنته ثقافيًا واجتماعيًا إلى الحدود القصوى.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد