حرب إسرائيلية على الصامدين في العرقوب ورفض للرحيل

post-img

زينة حسيب عبد الحميد (صحيفة الأخبار)

على حافة النار يكتب أهالي منطقة العرقوب ملحمة بقاء بتصدّيهم لحرب إبادة صامتة يشنّها الاحتلال لكسر إرادتهم. فخلف الحصار الشامل على المنطقة والشّلل التّام، تتكشّف يومياً فصول تجريف الأراضي واستهداف مقومات الحياة، ويزداد المشهد قسوة مع تعطّل موسم الزيتون وسط ترقب حذر لما ستسفر عنه مساعي الجهات الرسمية لانتزاع «إذن بالقطاف»، لتصطدم همجية العدوان بأهالٍ يفضلون البقاء على النزوح. وفي تفاصيل هذا الصمود تقف كفرشوبا وحلتا في عين العاصفة حيث يتصادم قهر الحصار مع إرادة الحياة.

كفرشوبا: حصار خانق وأزمة مياه

تتصدّر بلدة كفرشوبا واجهة المشهد المأساوي بكونها تتعرض لحصار شبه مطبق واعتداءات إسرائيلية متكررة لا تتوقف، حيث بات الوصول إليها يشوبه الخطر ومحفوف بالموت وقد تجسّدت هذه المخاطر الميدانية القاسية باستهداف سيارة من مسيرة اسرائيلية في منطقة سدانة في أطراف البلدة. والطريق الوحيد المتبقي للوصول إليها يمرّ ببلدة كفرحمام ومنطقة سوق الخان. وقد فرض هذا الحصار والوضع الأمني المتردي حالة من الخوف والرعب بين الأهالي، لا سيما مع سماع أصوات القصف العنيف وتحركات الآليات العسكرية القريبة من البيوت والأراضي الزراعية التي بات التنقل فيها شبه مستحيل، حيث يتعرض أي شخص يقترب منها للخطر المباشر.

وعلى الصعيد الخدماتي والمعيشي، تعاني كفرشوبا أزمة مياه خانقة نتيجة تدمير البنية التحتية والمشاريع المائية، إذ تضررت محطة الكهرباء المسؤولة عن تغذية بئر الماء، مما اضطرت البلدية والجهات الأهلية إلى اعتماد اساليب اخرى لتأمين المياه للبلدة كبديل مؤقت رغم صعوبة الإصلاحات تحت وطأة القصف المستمر.

هنا، يبرز صوت مختار كفرشوبا، جلال عبدالله، ليعقد مقارنة مؤلمة بين الأيام السابقة التي كانت فيها الأوضاع مستقرة، وبين الوضع الحالي الصعب حيث غابت أشكال الدعم والمساندة الميدانية. ويوجه عبد الله نداءً ومناشدة ملحة للدولة اللبنانية والمسؤولين بضرورة إرسال الجيش إلى الحدود لحماية المواطنين الباقين هناك، مؤكداً أن الأهالي والشباب الصامدين على الحافة الأمامية للمنطقة يواجهون خيارات قاسية بين الموت أو البقاء في أرضهم دون إمكانيات كافية للدفاع عن أنفسهم.

مزرعة حلتا: جحيم التوغلات

من قلب مزرعة «حلتا»، تخرج حكايات القهر والصمود الممزوجة بالدمار الممنهج. فإلى جانب القصف، تفرض قوات العدو واقعاً استثنائياً عبر توغلات متكررة من جهة «شانوح»، لتتحول أحياء كاملة إلى مسرح للتّنكيل. تروي شاهدة العيان رودينا أسعد تفاصيل ساعات الاقتحام، إذ تعمد القوة إلى عزل الحارات، وتجميع النساء والأطفال في الاراضي، وفصل الشباب ومصادرة هواتفهم وبطاقاتهم الشخصية.

ولا تتوقف الانتهاكات عند حدود الحصار، بل ترافقها إهانات لفظية، واقتحام للمنازل وتكسيرها، وسرقة محتوياتها، وتجريف مزارع الدجاج المجاورة. توجه أسعد رسالتها للدولة بالقول: «اطلعوا فينا، نحنا ولاد البلد، عنا ولاد وعنا رزق... ». وتضيف: «ابني ابن أسير، وكل دقيقة الأولاد يسألون عن والدهم؛ ابني الصغير يقسم السندويشة ويقول: هيدي النص لبابا هلق بيكون جوعان! ».

وفي السياق ذاته، أكدت عضو بلدية كفرشوبا المقيمة في حلتا، لبنى شبلي، أن «الوضع المعيشي والاقتصادي في حلتا بات بالغ الصعوبة والمأساوية، وسط انقطاع تام للمساعدات الغذائية والإنسانية منذ نحو شهرين». وأشارت إلى أن «التوغلات والتفجيرات الأخيرة خلّفت تداعيات قاسية جداً أدت لتضرر خطوط المياه وشبكات الكهرباء، وأصبح من المتعذر الوصول إلى تلك المناطق لإصلاحها وسط المخاطر الأمنية المستمرة التي تضاعف هلع الأهالي».

لا تقتصر المعاناة على بقعة دون أخرى فكل قرى العرقوب تتشارك النزيف ذاته تحت وطأة الاحتلال وتتألم لغياب أبنائها العشرة المختطفين في سجون الاحتلال، ولكن على الرغم من ضراوة الحصار والدمار الممنهج يثبت أهالي هذه الجبهة بقرارهم الحاسم أن الصمود هو المعركة الأخيرة التي لن يخسرونها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد