تتقاطع تداعيات التطورات الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز وأسعار النفط العالمية مع واقع اقتصادي مأزوم يضاعف الأعباء المعيشية اليومية على المواطنين اللبنانيين بشكل غير مسبوق. في ظل الارتفاع المتواصل في أسعار الطاقة والمحروقات، سجلت كلفة معيشة الأسرة المكونة من أربعة أفراد في بيروت قفزة حادة لتتجاوز عتبة الـ 3500 دولار شهرياً من دون احتساب تكاليف السكن والتعليم. يوضح هذا الرصد الرقمي البارد الأرقام والآليات اللوجستية التي تعتمدها الحكومة لمواجهة الغليان الاجتماعي، مفككاً الفجوة العميقة بين الوعود والتدابير التمويلية غير العادلة التي تضع الاستقرار المجتمعي على المحك.
من هذا المنطلق، يفتح هذا التقرير كواليس الإنفاق العام وقرارات الدعم الطارئة، مفنداً مستويات المسؤولية التنفيذية عن شطب خطط الإسكان لصالح المسكنات المالية المؤقتة.
1- واقع التمويل الحكومي وأزمة إعادة توجيه الاعتمادات
يرتبط تفكيك ملف النفقات العامة بمسح القرارات المالية الأخيرة التي اتخذتها السلطة التنفيذية لتدارك الشلل الإداري، حيث تظهر البيانات فجوة تمويلية واضحة:
أ- فاتورة كلفة بدل النقل الجديدة: أقرت لجنة المؤشر زيادة بدل النقل في القطاع الخاص لما يعادل 5 ليترات من البنزين يومياً (بسقف 800 ألف ليرة)، ومع اتجاه الحكومة لإقرار القيمة نفسها للقطاع العام، بلغت التكلفة التقريبية نحو 14 مليون دولار شهرياً (قرابة 166.3 مليون دولار سنوياً) لتغطية نحو 210 آلاف موظف وعسكري في الخدمة الفعلية على مدى 22 يوماً.
ب- أعباء دعم قطاع السائقين العموميين: أقرت وزارة المال منح السائقين العموميين المستحقين مساعدة نقدية بقيمة 12 مليون ليرة شهرياً بدءاً من الأول من تشرين الأول ولمدة 3 أشهر، وتصل الكلفة النظرية لهذا الإجراء إلى 5.5 ملايين دولار شهرياً (قرابة 16.7 مليون دولار للمرحلة الأولى) باحتساب نحو 40500 مركبة نقل عام مسجلة.
ج- شطب وتمويل القروض السكنية: تكشف المعطيات أن الحكومة لجأت إلى هندسة تمويل غير عادلة لتغطية الفاتورة المستجدة، حيث بٌحث في مجلس الوزراء خفض الاعتماد المخصص للمؤسسة العامة للإسكان من 100 مليون دولار إلى 60 مليون دولار، أو شطبه بالكامل، ما يهدد حلم آلاف العائلات في الاستقرار السكني ويحرم الخزينة من مشروع استثماري يسترد أصله بفائدة 3.5%. يعني شطب هذا المشروع إقراراً رسمياً بفرض أعباء إضافية قاسية يتكبدها المواطن في الميدان؛ إذ إن تأمين القرض السكني يمثل الحل البنيوي الوحيد الذي يزيح عن كاهل الأسر عبء دفع بدلات الإيجار المرتفعة والمستنزفة للمداخيل، ويحول نفقات السكن من استهلاك شهري هباءً إلى استثمار في ملكية مستدامة تحمي الاستقرار الاجتماعي والتنموي.
2- تفكيك بنود النفقات الأساسية ورحلة راتب الموظف اللبناني
تخضع القدرة الشرائية للعاملين لضغط فسيولوجي ومعيشي حاد نتيجة الفجوة الشاسعة بين معدلات المداخيل وتكلفة المستلزمات العضوية اليومية:
أ- معضلة الرواتب والأجور: تشير التقديرات البحثية إلى أن متوسط الدخل في لبنان يقارب 1200 دولار، في حين أن 80% من العاملين يتقاضون أجوراً تتراوح بين 400 و800 دولار فقط، وتنخفض المداخيل إلى أقل من 400 دولار لنحو 10% من الشغيلة في المحلات التجارية والشركات الصناعية.
ب- تفصيل الفاتورة المعيشية لأسرة من 4 أفراد: يبدأ احتساب الإنفاق البديهي من السكن الذي لا يقل عن 250 دولاراً كإيجار للمنزل في حدوده الدنيا، يضاف إليه 400 دولار للغذاء والمشروبات، و95 دولاراً لبنزين التنقل، و30 دولاراً للمياه، و30 دولاراً للاتصالات والإنترنت، مما يرفع الكلفة التأسيسية الباردة إلى قرابة 1260 دولاراً شهرياً دون احتساب المدارس أو الطبابة والتدفئة.
ج- عبء الطاقة وفاتورة المولدات الاحتكارية: تمثل الكهرباء البند الأكثر استنزافاً لميزانية الأسرة، حيث قفز سعر الكيلوواط/ساعة لدى المولدات الخاصة بنسبة 74% ليصل إلى 48241 ليرة (نحو 54 سنتاً) في أيلول 2026، مما يرفع كلفة الاشتراك لـ 5 أمبير فقط إلى نحو 270 دولاراً، وتصبح كلفة الطاقة الإجمالية مع كهرباء الدولة قرابة 300 دولار شهرياً.
3- مؤشرات جنون الأسعار وتآكل الأمن الغذائي
تعكس المقارنات الرقمية الممتدة بين عامي 2025 و2026 تضاعفاً حاداً في الأسعار يطاول السلع الأساسية بالتزامن مع دخول البلاد في تحديات لوجستية معقدة:
أ- الارتفاع القياسي في أسعار المحروقات: سجلت أسعار البنزين 95 أوكتان ارتفاعاً بنحو الضعفين خلال عام، صعوداً من 1.493 مليون ليرة في أيلول 2025 إلى 2.8 مليون ليرة في أيلول 2026، بينما قفز سعر صفيحة المازوت بنسبة 102% ليصل إلى 2.77 مليون ليرة، مما وضع لبنان ضمن الدول الأكثر عرضة للمخاطر الجيوسياسية واضطرابات إمدادات الطاقة العالمية.
ب- تكلفة رغيف الخبز والسلع الاستهلاكية: سجل مؤشر أسعار المستهلك ارتفاعاً سنوياً بلغ 16.66%، وارتفع سعر ربطة الخبز المتوسطة رسمياً من 75 ألفاً إلى 80 ألف ليرة في الأفران وتجاوز حاجز 100 ألف ليرة في المحال التجارية والمتاجر، وسط تحذيرات نقابية من قفزات جديدة ترتبط بأسعار القمح والطاقة.
ج- زيادة النفقات التشغيلية للمواد الغذائية: أكدت نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان أن الأمن الغذائي بات مهدداً بقدرة المواطنين المادية على الوصول للغذاء، حيث شهدت أسعار المواد الغذائية زيادات تراوحت بين 3 و5% في المتوسط وتجاوزت 10% إلى 30% في أصناف محددة كاللحوم نتيجة المصاريف التشغيلية وتكاليف الشحن التراكمية عبر المعابر الدولية.
4- كواليس الأزمة الهيكلية والحلول المقترحة
تتشابك أزمة تآكل المداخيل الفسيولوجية مع غياب التخطيط المالي بعيد المدى، مما يتطلب معالجات فنية وقانونية فورية:
أ- المشكلات الهيكلية:
1- لجوء الحكومة اللبنانية إلى حلول مالية قائمة على مسكنات مؤقتة (زيادة بدل النقل المحدودة) وتمويلها بطرق غير عادلة تمس قطاعات حيوية كالإسكان والتنمية المستدامة.
2- خروج قسط التعليم والطبابة بالكامل خارج الحساب الأساسي لكلفة المعيشة، حيث سجلت المدارس الخاصة زيادات أقساط فاقت 35.72% خلال عام واحد، بمتوسط 4000 دولار سنوياً للطالب الواحد.
3- استحالة تطبيق القرارات المرتبطة بدعم السائقين لغياب آليات الرقابة والمحاسبة الرسمية لضبط التعرفة ومنع المخالفات وانفلات الأسعار في الميدان.
ب- الحلول المقترحة:
1- تراجع الحكومة فوراً عن خفض اعتمادات المؤسسة العامة للإسكان، والالتزام بإطلاق برامج القروض السكنية مخفضة الفوائد لرفد الخزينة بعائدات استثمارية بنسبة 3.5%.
2- قيام الدولة بتخفيف الضغط المالي عن أسعار الطاقة والمحروقات بصورة مؤقتة عبر خفض أو إلغاء الرسوم والضرائب المفروضة عليها لخفض المصاريف التشغيلية للسلع.
3- إقرار سلم متحرك للأجور والحماية الاجتماعية يواكب الغلاء الفعلي والتضخم البنيوي بدلاً من المساعدات النقدية والمنح العشوائية غير المستدامة.
5- تفنيد مستويات المسؤولية وباب التقصير الرسمي
تتوزع المسؤولية الدستورية والقانونية لضبط الأداء المالي والاجتماعي على هرم السلطة التنفيذية والوزارات المباشرة في الدولة اللبنانية ضمن ثلاث حلقات أساسية:
1- رئاسة مجلس الوزراء: يتحمل رئيس الحكومة بالتكليف المسؤولية الدستورية الأولى عن الفشل في وضع خطة طوارئ اقتصادية شاملة تثبت القدرة الشرائية للمواطنين، والتقصير في إدارة النفقات عبر تغطية الزيادات المالية من خلال شطب اعتمادات إنمائية وسكنية أساسية تخص الأمن القومي للأسر.
2- وزارة المالية (الوزير المباشر عن الإنفاق): يقع التقصير المباشر على عاتق الوزير ياسين جابر؛ حيث يظهر العجز في تكرار إصدار قرارات دعم مالي واهية ومؤقتة (مثل دعم السائقين بقيمة 12 مليون ليرة) دون توفير آليات تنفيذية وميدانية حقيقية تمنع الفوضى والمخالفات، أو تقديم دراسة تمويلية عادلة لا تحمل الفئات الضعيفة كلفة القرارات المستجدة.
3- وزارة العمل والبلديات: تتشارك الجهات الرقابية مسؤولية غياب الرقابة التامة على انفلات أسعار الخدمات، والعجز اللوجستي عن كبح التضخم الذي تفرضه كارتيلات المولدات الخاصة التي رفعت كلفة الطاقة بنسبة 74% خلال عام واحد دون أي محاسبة قانونية رادعة تمنع استنزاف رواتب الموظفين.
بناء على ما تقدم:
إن الدولة اللبنانية، بجميع أركانها ومؤسساتها الدستورية، مطالبة اليوم بالخروج من مربع الوعود الكلامية والمسكنات المالية غير المجدية، وتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية الكاملة تجاه مواطنيها الذين يعيشون خسائر تراكمية طالت مداخيلهم على مدى 6 سنوات متواصلة من دون أي حماية اجتماعية حقيقية. إن توفير العيش الكريم للمواطن ليس منّة أو تبرعاً، بل هو حق دستوري أصيل يفرض على السلطة التنفيذية الكف فوراً عن سياسات التمويل الملتوية التي تحرم الشباب اللبناني من القروض السكنية لتغطية نفقات تشغيلية مؤقتة. إن الحكومة ملزمة عاجلاً بإقرار حالة طوارئ اقتصادية فعلية لخفض الضرائب عن قطاعات الطاقة والوقود، وتثبيت الأسعار، ورفع مستوى الأجور التراكمية بما يضمن الحفاظ على الكرامة الإنسانية والأمن الغذائي للمجتمع في وجه الأزمات الجيوسياسية المحدقة.
1- إدارة الإحصاء المركزي اللبناني: تقارير المرحلة التجريبية لبرنامج بدل الإيجار والخطط الطارئة لعام 2026.
2- رئاسة مجلس الوزراء اللبناني: المقررات والمحاضر الرسمية الصادرة عن لجنة الطوارئ الحكومية ووزارة المالية بشأن اعتمادات النفقات وبدلات النقل.
3- نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان: المؤشرات والبيانات الدورية الصادرة عن رئاسة النقابة بشأن حركة الاستيراد وتكاليف الشحن التراكمية عبر المعابر.
4- جريدة "الأخبار" اللبنانية: المسوحات الميدانية والبيانات الحصرية المنشورة بشأن جولات تعويضات الإيواء لعام 2026.
5- جريدة "النهار" اللبنانية: التقارير التقديرية والدراسات المعيشية الخاصة بمؤشرات إنفاق الأسر والموظفين.