علي نور الدين (صحيفة المدن)
منذ بدايات شهر آذار الماضي، اشتدّت الضغوط التضخميّة العالميّة، جرّاء ارتفاع أسعار النفط والمشتقات البتروليّة، وما تلى ذلك من ارتفاع في تكاليف الشحن والإنتاج والخدمات. وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على معدلات التضخّم المحليّة في لبنان، ثم على القدرة الشرائيّة للأسر، مع اعتماد البلاد على الاستيراد لتأمين الغالبيّة الساحقة من الحاجات الاستهلاكيّة. هذه الضغوط المعيشيّة تقاطعت مع تداعيات الحرب نفسها، التي أسهمت في وقف عجلة الإنتاج على امتداد مناطق واسعة من البلاد، إلى جانب الانكماش المتوقّع في حجم الناتج المحلّي الإجمالي.
بين ارتفاع كلفة الاستيراد والاستهلاك في مقابل الانكماش الاقتصادي، جاءت النتيجة على شكل مسارين متوازيين. إذ تراجع حجم الاستيراد الإجمالي، عند قياسه بالحجم (أو الوزن) الحقيقي للواردات، بفعل انخفاض قدرة الأسر على الشراء والاستهلاك. لكن في المقابل، ارتفعت قيمة السلع المستوردة، عند احتسابها بالدولار الأميركي، بفعل التضخّم الخارجي وارتفاع كلفة الاستيراد نفسها. وبذلك، باتت الأسر اللبنانيّة تستهلك وتستورد أقل، إنما بكلفة أكبر.
حركة المرفأ
وفقاً للأرقام الصادرة عن مرفأ بيروت، هبطت حركة البضائع عبر المرفأ خلال النصف الأوّل من السنة الحاليّة إلى ما يقارب 2,871.7 ألف طن، مقارنة بأكثر من 3,066 ألف طن خلال الفترة المماثلة من العام الماضي. وبذلك، يكون المرفأ قد سجّل بين الفترتين تراجعاً بنسبة 6.3 بالمئة، على مستوى وزن السلع التي مرّت عبره. وبين الفترتين أيضاً، تراجع عدد السفن الواردة إلى المرفأ، إلى 625 سفينة شحن، أي بانخفاض نسبته 8.6 بالمئة، مقارنة بالفترة المماثلة من السنة الماضية.
في الوقت نفسه، عكست أرقام مرفأ طرابلس الاتجاه نفسه. فخلال الأشهر الخمسة من العام الحالي، تراجعت حركة الشحن عبر هذا المرفأ إلى 674 ألف طن، مقارنة بنحو 993 ألف طن خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بتراجع نسبته 32.12 في المئة. كما تراجع عدد السفن التي دخلت المرفأ إلى 240 سفينة، مقارنة بنحو 335 ألف سفينة خلال نفس الفترة من العام الماضي، أي بتراجع نسبته 28.36 في المئة. ونتيجة هذا التراجع، هبط الحجم الإجمالي لإيرادات المرفأ بين الفترتين بنسبة 24.35 في المئة: من 10.57 ملايين دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025، إلى 8 ملايين دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026.
من البديهي القول إن جزءاً بسيطاً من هذا التراجع يعود لتراجع حركة التصدير، التي انخفضت بنحو 14 في المئة خلال النصف الأوّل من السنة الحاليّة. غير أن مجمل قيمة الصادرات، بحسب أرقام الجمارك اللبنانيّة، لا يتجاوز حدود الـ 12.8 في المئة من حركة التجارة الخارجيّة اللبنانيّة، ما يعني أن انخفاض حجم الصادرات لم يؤثّر على أكثر من 2 في المئة من حركة سفن الشحن. وعلى هذا الأساس، يصبح من الواضح أن العامل الحاسم والأكثر أهميّة الذي أثّر على حركة السفن في بيروت وطرابلس كان انخفاض حجم الواردات من حيث الوزن.
لكن في مقابل تراجع حجم الاستيراد من حيث الوزن، وتالياً حجم الاستهلاك المحلّي، لم تتراجع كلفة الاستيراد بالدولار الأميركي. فأرقام الجمارك اللبنانيّة تشير إلى أن قيمة السلع المستوردة ارتفعت خلال النصف الأول من السنة الحاليّة إلى 10.15 مليارات دولار أميركي، مقارنة بنحو 9.61 مليارات دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من السنة الماضية، ما عكس زيادة بنسبة 5.62 في المئة بين الفترتين. وفي نتيجة ارتفاع قيمة الواردات، مقابل تراجع قيمة الصادرات خلال الفترة نفسها، ارتفع العجز التجاري خلال النصف الأول من 2026 إلى 10.15 مليارات دولار أميركي، مقارنة بـِ 9.61 مليارات دولار أميركي خلال نفس الفترة من السنة الماضية.
آفاق التضخم العالمي
تشير أرقام صندوق النقد الدولي إلى أن معدلات التضخّم العالمي ستلامس حدود الـ 4.7 في المئة هذه السنة، بفعل الصدمات الناتجة عن ارتفاع أسعار مصادر الطاقة والغذاء، على أن تبقى مرتفعة عند حدود 3.9 في المئة. ومن المعلوم أن صدمة أسعار مصادر الطاقة العالمية لا ترتبط فقط بالتهديدات التي تطاول سلاسل توريد النفط والغاز في منطقة الخليج العربي، بل ترتبط كذلك بتداعيات الحرب في أوكرانيا، والاستهدافات التي طالت منشآت تكرير النفط في الداخل الروسي. مع الإشارة إلى أن هذه الاستهدافات أثّرت بشكلٍ خاص على المعروض العالمي من المشتقات البتروليّة، بما فيها البنزين والمازوت. وهذا ما دفع الإدارة الأميركيّة إلى البحث عن حلول استثنائيّة، من قبيل استخدام تشريع دفاعي لزيادة قدرات التكرير المحليّة، أو وضع مشروع قانون لوضع قيود على تصدير المشتقات النفطيّة.
تضع هذه التوقعات لبنان أمام ضغوط معيشيّة إضافيّة، في وقتٍ لا تزال فيه الأسر تعاني تداعيات الأزمة الماليّة، وتآكل المداخيل والمدخرات، فضلاً عن نتائج الحربين المتعاقبتين. في حالة لبنان، يتوقّع البنك الدولي أن يرتفع معدل التضخم المحلي إلى نحو 17.5 ألفي مئة، بالتزامن مع انكماش في حجم الاقتصاد بنسبة 6.4 في المئة، وهذا ما يعني وضع الأسر اللبنانيّة أمام واقعٍ تجتمع فيه عوامل ارتفاع الأسعار مع تراجع فرص العمل والدخل والنشاط الاقتصادي. وأمام هذه المعادلة، ستظل البلاد في أمسّ الحاجة إلى شبكات الحماية الاجتماعيّة، الكفيلة بتخفيف أثر هذه الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة، كي لا تدفعها الظروف الراهنة إلى خيارات ستعمّق فقرها في المستقبل، كالتضحية بأولويّات مثل التعليم والصحّة.