جهود لإثبات عدم التلوّث في مختبرات أجنبية: العدوان يلطّخ سمعة الزيتون الجنوبي

post-img

رضا صوايا (صحيفة الأخبار)

أصابت الحرب الإسرائيلية زراعة الزيتون في الجنوب بأضرار جسيمة، لا تنحصر بسرقة الأشجار وحرقها وقصف الأراضي المزروعة فيها، إضافةً إلى منع المزارعين من حصاد محصولهم في القرى المحتلة. فالمستهلكون باتوا يتخوفون من تلوّث زيت الزيتون الجنوبي، سواء المُنتج في المناطق المتضررة، أو تلك التي لم تستهدفها النيران المعادية.

ومع اتساع دائرة القلق، وجد مزارعون ومنتجون أنفسهم أمام شبهة تطاول محصولهم لمجرد أنه جنوبي، ما فرض على بعض المُنتِجين إثبات سلامة مُنتَجهم عِلمياً.

تتحدث روز بشارة، مؤسِّسة «مبادرة Darmmess الاجتماعية لإنتاج زيت الزيتون عالي الجودة»، عن وجود «تخوّف عام من زيتون الجنوب، وكأن كل زيت الجنوب مُلوّث. وهذا القلق شمل حتى زبائننا الذين يتعاملون معنا منذ سنوات. ولذا، كان علينا، إذا أردنا الاستمرار، أن نثبت علمياً أن زيتوننا غير مُلوّث».

من الحقل إلى المختبر

من هنا بدأ التعاون بين بلدات دير ميماس وكوكبا وراشيا الفخار لإخضاع عينات من الزيتون للفحص. وكانت الخطوة الأولى هي التواصل مع باحثين في «CIHEAM Bari»، المركز التعليمي والبحثي الدولي في مدينة باري الإيطالية، والتابع للمركز الدولي للدراسات الزراعية المتقدّمة في منطقة البحر الأبيض المتوسط

وتوضح بشارة أن الباحثين المختصين بالتلوّث في المركز لم يكتفوا بطلب إرسال كمية من الزيتون، بل حدّدوا طريقة جمع العينات من الحقول والأشجار، لضمان أن تكون عملية أخذها منظّمة وفق معايير علمية. ومن بين التعليمات التي أُعطيت للمُنتِجين، بحسب بشارة، اختيار نحو 15 شجرة من كل هكتار، وأخذ كميات من الزيتون من ارتفاعات واتجاهات مختلفة من الشجرة، إضافةً إلى جمع العينات من نقاط متعدّدة داخل كل قرية.
بعد تحديد طريقة أخذ العينات، تواصلت بشارة مع «المجلس الدولي للزيتون» (IOC)، المنظمة الحكومية الدولية المتخصّصة بزيت الزيتون وزيتون المائدة، فوجَّهها إلى مختبر «Juan Antonio Tello» في إسبانيا. وغطّت كلفة الفحوص منظّمة «SEAL» الأميركية.

جُمعت العينات خلال الأسبوع الأول من أيلول، وأُرسلت عبر خدمة «DHL» إلى إسبانيا، قبل أن تصل النتائج، التي أظهرت أن المواد والملوّثات التي شملها الفحص كانت دون حدود الكشف المُعتمدة في المختبر.

وشملت الاختبارات مجموعة واسعة من المواد، بينها المبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب، بما فيها الغليفوسات والمركّبات المرتبطة به، والهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات (PAHs)، والمعادن الثقيلة، والمبيدات القطبية، والكلورات والبيركلورات، إضافة إلى النظائر المشعّة التي شملتها التحاليل.

ورغم أنه لا يمكن تعميم نتائج القرى الثلاث على كل محاصيل الزيتون الجنوبي، إلّا أن النتيجة تؤكد أن إنتاج الجنوب ليس مُلوّثاً برمّته.

دير ميماس: «منطقة صفراء»

في دير ميماس، برزت مشكلة أخرى غير تلطيخ سمعة زيتونها، وهي صعوبة الوصول إلى الزيتون وقطافه. فبحسب بشارة، أُدخلت دير ميماس قبل نحو عشرة أيام ضمن ما يُعرف بـ«المنطقة الصفراء»، بينما تقع كوكبا وراشيا الفخار خارجها. وعندما جُمعت العينات في بداية أيلول، لم يكن الوصول إليها، يتطلب الحصول على إذن إسرائيلي، قبل أن تتغير الظروف لاحقاً بالنسبة إلى دير ميماس.

وعليه، بات القطاف يتم بالتنسيق مع الجيش اللبناني، وبمواكبة منه ومن قوات «اليونيفل». ولا يقتصر الأمر على تحديد موعد دخول الأراضي، إذ «يتوجب تقديم معلومات عن عدد العمال وهوياتهم والسيارات التي ستشارك في عملية القطاف. أمّا ما سيحصل بعد ذلك، ولا سيما الشروط التي قد تُفرض على إخراج الزيت من القرية، فلا معلومات لديّ بشأنها حتى اللحظة»، تقول بشارة.

القيود الإسرائيلية تؤثّر أيضاً على اليد العاملة. فـ«تأمين العمال للقطاف أصبح أكثر صعوبة هذا العام، فيما يطلب العمال السوريون الذين يقبلون بالتوجه إلى المنطقة أجوراً تزيد بنحو 30% مقارنة بالموسم الماضي». عدا ذلك، لا يستطيع أي عامل الدخول تلقائياً، إذ «توجد شروط مرتبطة بالأوراق والمعلومات المطلوبة مُسبقاً. يضاف إلى ذلك عدم السماح للعمال بالمبيت في القرية، ما يعني ضرورة نقلهم يومياً إلى دير ميماس وإعادتهم بعد انتهاء العمل».

هذا الواقع زاد من تعقيدات عملية القطاف وكلفتها. ولذا، لا يزال عدد من المزارعين في دير ميماس «عاجزين حتى اللحظة عن تأمين عمال لقطاف محصولهم». ومع ارتفاع أسعار العصر أيضاً بنسبة 30% تقريباً، ستكون أسعار الزيت المُنتَج في الجنوب، بحسب بشارة، «أعلى من باقي المناطق».

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد