رفيق غريزي (صحيفة المدن)
في بلدٍ تعوَّد أن يقرأ السياسة في التوقيت قبل النصّ، لا يُسأل عن مضمون الطعن بقدر ما يُسأل عن ساعته. فحين يحمل رئيس الجمهورية جوزاف عون قانون إصلاح أوضاع المصارف إلى المجلس الدستوري، فيما رئيس الحكومة نوّاف سلام يحزم ملفّاته للقاء صندوق النقد الدولي في واشنطن، يتجاوز الحدث كونه إجراءً دستورياً مشروعاً ليصير رسالةً سياسية تُقرأ على ضفّتَي الأطلسي. وفي لبنان، كما علّمتنا التجربة المرّة، لا تُرسَل الرسائل إلى العنوان المكتوب على الظرف، بل إلى عناوين أخرى تختبئ في الهامش.
لنبدأ من البديهي، لأنّ البديهيات في هذا البلد صارت تحتاج إلى من يدافع عنها. الطعن حقٌّ دستوري لرئيس الجمهورية، ولا يجوز لأحد أن ينكره عليه أو أن يحوِّل الرقابة على دستورية القوانين إلى تهمة. غير أنّ الحق الدستوري، حين يُمارَس في قلب المعركة السياسية، يصير فعلاً سياسياً كامل الأوصاف، ويُحاسَب بمعايير السياسة لا بمعايير الفقه وحده: التوقيت، والنتيجة، ومَن يقبض الثمن.
وقد جاء كلام المتحدثة باسم صندوق النقد جولي كوزاك ليضع الإصبع على الجرح من دون مواربة: الطريق إلى اتفاقٍ جديد يمرّ بدخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيّز التنفيذ، وبإقرار تشريعٍ للفجوة المالية ينسجم مع المعايير الدولية. هنا بيت القصيد. فالقانون الذي أقرّه المجلس النيابي في آب الماضي، بعد مخاضٍ طويل وبعد إبطالٍ جزئي سابق من المجلس الدستوري نفسه، كان المفتاح الذي ينتظره الصندوق على الطاولة. والطعن، أيّاً تكن النيّات، يعيد المفتاح إلى الدرج، ويرسل رئيس الحكومة إلى واشنطن بيدين فارغتين وبسؤالٍ محرج: مَن يحكم في بيروت فعلاً؟
يستحضر المشهد سابقةً لم تُمحَ من ذاكرة اللبنانيين. ففي كانون الثاني 2011، بينما كان سعد الحريري يدخل البيت الأبيض للقاء باراك أوباما، استقال وزراء الممانعة، فخرج رئيس حكومةٍ من المكتب البيضاوي رئيساً لحكومةٍ مستقيلة. يومها كان الإذلال مقصوداً والرسالة واضحة. أمّا اليوم، فالطعنة لا تأتي من خصوم العهد، بل من رأس السلطة التنفيذية نفسها، ومن رئيسٍ رُفع شعار الإصلاح على اسمه منذ خطاب القَسَم. ولعلّ هذا ما يجعلها أشدّ إيلاماً؛ فالخصم يُتوقَّع، أمّا الشريك فيُفاجِئ. والمفاجأة في السياسة اللبنانية تُدفع أثمانها من رصيد الثقة، والثقة هي تحديداً العملة الوحيدة التي لم يعد لبنان يملك منها احتياطاً.
لكنّ الموضوعية تقتضي ألّا نختزل كلّ اعتراضٍ في مؤامرة. فالقانون ليس نصّاً مقدّساً، وفيه ما يستحقّ النقاش الجدّي، لا سيّما ربط تغطية الودائع في المصارف الخاضعة للتصفية بقانون الفجوة المالية الذي لم يولد بعد، وما قد يرتّبه ذلك على المودعين وعلى الدولة معاً. وقد يكون للرئيس هواجس دستورية مشروعة تتعلّق بحماية الملكية الخاصة. غير أنّ الهاجس المشروع شيء، وإدارته شيء آخر. كان في وسع هذه الهواجس أن تُعالَج في مجلس الوزراء، أو في حوارٍ هادئ بين بعبدا والسراي، قبل أن تتحوّل إلى خلافٍ علني يُقرأ في الخارج انقساماً في رأس الدولة.
فلنطرح السؤال كما هو، بلا تجميل: مَن لا يريد الاتفاق مع صندوق النقد؟ الجواب الذي يتداوله كثيرون هو "الدولة العميقة". والدولة العميقة في لبنان ليست جهازاً سرّياً يجتمع في الأقبية، بل هي ذلك التحالف غير المُعلَن بين المصرف والطائفة والزعامة؛ بين مَن هرّبوا أموالهم في خريف 2019 ومَن غطّوا التهريب؛ بين مجالس إدارةٍ تتقاطع أسماؤها مع لوائح انتخابية؛ وبين نظامٍ اقتصادي ريعي عاش ثلاثين عاماً على الفوائد المرتفعة ثم أرسل الفاتورة إلى المودع الصغير. هذا التحالف لا يحتاج إلى إسقاط القوانين؛ يكفيه أن يؤجّلها. فالوقت حليفه الأمين: كلّ شهرٍ إضافي يُذيب الودائع بصمت، ويطمس المسؤوليات، ويحوّل الجريمة المالية إلى "أزمة" بلا فاعل.
وهنا خطورة اللحظة. فإضعاف نوّاف سلام في واشنطن لا يُضعف شخصه فحسب، بل يُضعف فكرة أنّ في لبنان حكومةً قادرة على التفاوض باسم الدولة لا باسم الطوائف. وإذا اهتزّت العلاقة بين الرجلين، فإنّ الفراغ لن يملأه الإصلاحيون، بل نادي الحكم القديم الذي ينتظر عند الباب، بأسمائه المعروفة وتسوياته المجرَّبة. إيّاك، يا فخامة الرئيس، أن تمهِّد لعودة مَن جرّب اللبنانيون حكمهم فأفلسوا.
في الخلاصة، ليس المطلوب أن يتراجع الرئيس عن حقّه، بل أن يُخرج هذا الحق من منطقة الالتباس. وأوّل ذلك أن تُعلَن أسباب الطعن للرأي العام بوضوحٍ كامل، فلا يُترك الناس يقرؤون النيّات في البيانات المقتضبة. وثانيه أن يبتّ المجلس الدستوري في المراجعة بأسرع ما تسمح به المهل، لأنّ العدالة الدستورية المتأخّرة تصير، في زمن الانهيار، ظلماً اقتصادياً. وثالثه أن يُفصَل الإصلاح عن حسابات العهد والحكومة وعن معارك الصلاحيات، فلا يصير قانون المصارف ساحةً لتسجيل النقاط بين بعبدا والسراي. ورابعه، وهو الأهمّ، أن يُفتح فوراً ملفّ قانون الفجوة المالية، لأنّ كلّ قانونٍ إصلاحي بلا توزيعٍ عادل للخسائر سيبقى بيتاً بلا أساس.
لقد قال اللبنانيون كلمتهم في الشارع ذات تشرين، ثم عادوا إلى بيوتهم ينتظرون دولةً لم تأتِ. والإصلاح، في نهاية المطاف، ليس نصّاً يُقَرّ ولا طعناً يُقدَّم، بل إرادةٌ متّصلة لا تقبل الانقطاع. وإذا كان ثمّة ما يستحقّ الطعن حقّاً في هذه الجمهورية المتعَبة، فهو هذا التواطؤ الطويل مع الوقت، وهذا الصبر الشعبي الذي لم يعد يتّسع لطعنةٍ أخرى.