تركيا والكيان الغاصب.. سوريا ساحة الصراع على شكل المنطقة

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

 

لم يعد الخلاف بين تركيا والكيان الغاصب قابلًا للاختزال حيال قطاع غزة، ولا في المبارزة الكلامية بين الرئيسين طيب رجب أردوغان وبنيامين نتنياهو. غزة أعطت الخلاف وجهه الأكثر ظهورًا، لكنها ليست المكان الوحيد الذي تتحدد فيه اتجاهاته. في سوريا تبدو الحكاية أكثر خشونة؛ لأن الجغرافيا نفسها تضيق على الطرفين، ولأن دولة تحاول استعادة شيء من عافيتها تقف في منتصف الطريق بين مشروعين إقليميين، لكل منهما تصور مختلف لما ينبغي أن تكون عليه سوريا، وما الذي يجوز أن تفعله فوق أرضها.

تركيا لم تدخل سوريا أمس، ولم يكن وجودها هناك مجرد رد فعل عابر على الحرب. سنوات طويلة صنعت لأنقرة مصالح أمنية وسياسية واقتصادية يصعب فصلها عن مستقبل الدولة السورية. الجديد أن تركيا لم تعد تتعامل مع سوريا بوصفها حزامًا أمنيًا عند حدودها فحسب؛ أنقرة تريد سوريا موحدة تستطيع ضبط حدودها، وتريد جيشًا ومؤسسات أمنية يمكن التعامل معها، وتريد طرقًا وأسواقًا وحدودًا أكثر استقرارًا، وتريد في الوقت نفسه ألا تتحول الجغرافيا السورية إلى منصة دائمة لخصومها. هذه حسابات دولة تبحث عن مصالحها، ولا تحتاج إلى أن نلبسها ثوبًا مثاليًا حتى نفهم وزنها.

المشكلة بالنسبة إلى الكيان الغاصب أن سوريا، والتي تستعيد مؤسساتها، هي ليست البيئة التي اعتاد العمل داخلها طوال السنوات الماضية. خلال الحرب، امتلكت الطائرات الإسرائيلية حرية واسعة في ضرب أهداف داخل الأراضي السورية، وكان عنوانها الرئيسي هو الوجود الإيراني ونقل السلاح والبنية العسكرية المرتبطة به. دولة منهكة وحدود رخوة وجيش مستنزف وقوى أجنبية متعددة فوق الأرض، كلها وفرت لـــ"إسرائيل" مجالًا واسعًا للحركة. سقوط النظام السابق غيّر كثيرًا من تفاصيل الصورة، لكنه لم يغيّر الرؤية الإسرائيلية الأساسية: أن أمن الكيان يمنحه حق التصرف كلما رأى خطرًا يقترب منه.

ما تغير فعلًا هو اسم القوة التي بدأت تملأ جزءًا من الفراغ. تركيا ليست قوة هامشية يمكن التعامل معها كما جرى التعامل مع مجموعات مسلحة أو تشكيلات مرتبطة بقوى أخرى. إنها دولة كبيرة، صاحبة جيش ثقيل، وعضو في حلف شمال الأطلسي، وحدودها مع سوريا ليست تفصيلًا على الخريطة. الأهم هو رفضها أن تظل سوريا مجرد أرض تتقاذفها القوى الإقليمية. تريد أن تكون صاحبة كلمة في الدولة التي ستخرج من هذه المرحلة، وأن يكون لها تأثير في جيشها وأمنها وحدودها واقتصادها.

لهذا اكتسب الحديث عن التعاون العسكري التركي- السوري حساسية أكبر. قصف محيط أبو الظهور في أغسطس/آب المنصرم، وما رافقه من تداول واسع حيال احتمال وجود ترتيبات عسكرية تركية هناك، كشف مقدار القلق الذي يحيط بأي خطوة يمكن أن تمنح دمشق قدرة عسكرية أكبر بمساعدة أنقرة. لا توجد معطيات تسمح بالقول إن الكيان استهدف قاعدة تركية معلنة، كما أن دمشق وأنقرة نفتا وجود ترتيبات لإنشاء قاعدة تركية دائمة في الموقع. لكن الأهم من توصيف الموقع هو أن واشنطن بدأت تتحرك باتجاه آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا والكيان وسوريا. عندما تصبح واشنطن مضطرة إلى التفكير في منع احتكاك بين قوتين عسكريتين، داخل الساحة السورية، فهذا يعني أن شيئًا في قواعد اللعبة قد تغير.

"تل أبيب" تستطيع أن تتعايش مع سوريا ضعيفة ومجزأة، ومشغولة بترميم ما تهدم منها. أما سوريا، والتي تبدأ في امتلاك جيش حقيقي وحدود يمكن ضبطها وقرار عسكري، لا يحتاج في كل مرة إلى موافقة قوة خارجية، فهي قصة مختلفة. ليس لأن الجيش السوري، في وضعه الراهن، يمثل خطرًا مباشرًا على الكيان، إنما لأن استعادة الدولة قدرتها تعني أن "إسرائيل" ستفقد تدريجيًا المساحة التي منحتها لنفسها خلال سنوات الحرب. القوة السورية لا تحتاج إلى أن تصبح قوة هجومية حتى تغيّر الحساب الإسرائيلي. يكفي أن تصبح قادرة على القول إن هذه أرض سورية والقرار العسكري فيها ليس شأنًا إسرائيليًا.

أنقرة تدرك ذلك أيضًا، لكنها لا تدخل هذه اللعبة بدافع الرغبة في مواجهة إسرائيل. تركيا لديها ما يكفي من المشكلات على حدودها وفي اقتصادها وعلاقتها مع القوى الكبرى حتى لا تبحث عن حرب جديدة. لكنها تدرك أن ترك سوريا ساحة مفتوحة أمام الضربات الإسرائيلية والتدخلات الخارجية يعني أن أمنها نفسه سيظل معلقًا على قرارات الآخرين. لهذا يصبح بناء الدولة السورية مصلحة تركية. ليست مصلحة مجانية ولا عملًا خيريًا، إنما مصلحة لها ثمن ونفوذ وحسابات تخص أنقرة، لكنها في الوقت نفسه تصطدم مباشرة مع مساحة الحركة التي اعتاد الكيان التحكم فيها داخل سوريا.

هذا ما يفسر التحول في اللغة التركية، خلال الأشهر الأخيرة. هاكان فيدان لم يعد يتحدث عن الضربات الإسرائيلية بأنها مجرد تطورات تجري في دولة مجاورة، لقد ربطها بمحاولة إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية وبالأمن التركي. في نهاية شهر سبتمبر/أيلول، وضع مجلس الأمن القومي التركي سيادة سوريا ووحدة أراضيها ضمن ما عدّه مصالح أمنية تركية، فهاجم الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية. البيان التركي لا يصنع وحده حقيقة سياسية، لكنه يكشف أن أنقرة بدأت تنظر إلى السلوك الإسرائيلي في سوريا بوصفه مسألة تمسها مباشرة.

قد يقال إن تركيا نفسها لا تنظر إلى السيادة السورية بالطريقة التي تريدها دمشق، وهذا صحيح. وجودها العسكري في الشمال ومصالحها في الملف الكردي وشبكة نفوذها السياسي والاقتصادي، كلها تجعل علاقتها بسوريا علاقة مصالح معقدة، لا علاقة وصاية بريئة. لكن التناقض هنا لا يلغي حقيقة أكثر أهمية، وهي أن أنقرة تحتاج إلى دولة سورية قابلة للحياة، في حين أن الكيان يستفيد من بقاء المجال السوري ضعيفًا؛ ما يسمح له بالتدخل كلما أراد. قد تختلف تركيا ودمشق، في كثير من التفاصيل، لكنهما تلتقيان، ولو لأسباب مختلفة، عند نقطة أن القرار السوري لا ينبغي أن يبقى مشاعًا للقوى الخارجية.

من تلك الزاوية؛ يصبح الخلاف أكثر عمقًا من خلاف بين حكومتين. الكيان يريد أن يبقى قادرًا على تحديد ما يراه خطرًا داخل سوريا والتصرف حياله بالقوة. تركيا تريد أن تكون هي اللاعب الإقليمي الذي لا يمكن تجاوزه في تشكيل سوريا الجديدة. دمشق تحاول، ولو ببطء شديد، أن تستعيد شيئًا من الدولة التي تآكلت، خلال سنوات الحرب.. وكلما اقتربت هذه الأطراف الثلاثة من بعضها البعض فوق الأرض نفسها، أصبح احتمال الخطأ أكبر من احتمال أن يظل الخلاف مجرد تصريحات.

لا تحتاج المواجهة إلى قرار بالحرب حتى تصبح خطيرة. طائرة إسرائيلية تضرب موقعًا سوريًا؛ فتجد فيه أفرادًا أو معدات تركية، أو تتحرك قوات تركية في منطقة تراها "إسرائيل" حساسة، أو يقرأ أحد الطرفين خطوة الآخر محاولة لفرض أمر واقع جديد. عندها لا يعود الأمر متعلقًا بنية العملية الأصلية، إنما بما تفرضه اللحظة التالية. هذا النوع من الاحتكاك هو الذي يجعل سوريا أخطر بكثير من ساحات السجال السياسي بين أردوغان ونتنياهو.

واشنطن تعرف هذه الحساسية، لهذا تحاول إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة. لكن الولايات المتحدة لا تدير خلافًا صغيرًا بين حليفين. هي أمام تركيا العضو في الناتو، وأمام الكيان الذي يمثل حليفًا استراتيجيًا لها، وأمام سوريا التي تحاول إعادة بناء نفسها، وفي الخلفية روسيا وإيران والدول العربية وشبكات النفوذ التي صنعتها سنوات الحرب. كلما تغير موقع قوة إحدى هذه الدول، اضطر الآخرون إلى إعادة حساباتهم. ما كان يمكن احتواؤه، في مرحلة سابقة بقنوات عسكرية محدودة، قد يصبح أصعب عندما تبدأ القوى نفسها في الاقتراب من بعضها البعض ميدانيًا.

كما أن سوريا لا تقف وحدها في هذه الخريطة. تركيا تنظر إلى العراق وشرق المتوسط والبحر الأحمر والقرن الأفريقي على أنها امتدادات لمصالحها، والكيان ينسج بدوره علاقات أمنية وسياسية مع اليونان وقبرص والإمارات، في حين تتحرك السعودية ومصر والإمارات وفقًا لحسابات كلّ منها إزاء تركيا وإيران والكيان والتحولات التي تجري في الإقليم. لهذا؛ فإن ما يبدو للوهلة الأولى صراعًا تركيًا - إسرائيليًا محدودًا يحمل في داخله شبكة أوسع من المصالح، من الممرات البحرية إلى خطوط التجارة، ومن الحدود البرية إلى ترتيبات الأمن الإقليمي.

حتى إيران لا يمكن إخراجها من الصورة، وإن كانت أنقرة لا تريد بالضرورة أن ترى المنطقة تدخل في حرب مفتوحة بسبب الصراع الإيراني - الإسرائيلي. تركيا تخشى أن يؤدي أي تغيير حاد في ميزان القوة إلى فراغ تستفيد منه قوى أخرى، كما تخشى أن تتحول المنطقة إلى مساحة نفوذ أميركي- إسرائيلي أكثر اتساعًا. لهذا تحاول الحفاظ على مساحة للمناورة بين الأطراف، من دون أن يعني ذلك أنها مستعدة لقبول كل ما تفعله طهران أو "تل أبيب".

قطاع غزة أعطى الخلاف التركي مع الكيان لغته الشعبية، أما سوريا فتمنحه جسده الحقيقي. في غزة؛ تستطيع أنقرة أن تضغط سياسيًا، وتلوّح بالمقاطعة، وترفع سقف خطابها، وتتحرك دبلوماسيًا. في سوريا؛ المسافة أقصر بين الكلام والرصاصة. قوات موجودة، وطائرات تحلق، ومواقع عسكرية تتحرك، ودولة تحاول إعادة بناء جيشها، وقوى كبرى تحاول منع هذه العناصر من الاصطدام ببعضها البعض.

لذلك؛ لا أظن أن السؤال الأكثر أهمية هو: هل تريد تركيا حربًا مع الكيان؟ أو هل يريد الكيان حربًا مع تركيا؟ الأرجح أن الطرفين يعرفان جيدًا كلفة هذه الحرب. السؤال الأصعب هو: ماذا سيحدث إذا أصبحت إعادة بناء القوة السورية نفسها أمرًا واقعًا، وكانت تركيا هي القوة التي تساعد في تحقيقه، في حين تنظر "تل أبيب" إلى هذه العملية بوصفها ولادة مشكلة أمنية جديدة على حدودها؟

في تلك اللحظة لن تكون المشكلة في "أبو الظهور" وحدها، ولا في موقع عسكري هنا أو ضربة هناك. سيكون الخلاف قد انتقل إلى شيء أكبر بكثير: هل تستطيع سوريا أن تستعيد حقها في بناء قوتها وحماية أرضها، أم سيظل أمن الكيان هو السقف الذي ينبغي أن تتحرك تحته الدولة السورية؟ تركيا تريد أن يكون لها نفوذ في الإجابة عن هذا السؤال، والكيان يريد أن يحتفظ لنفسه بالحق في الإجابة عنه بالقوة.

كما لأن الدول لا تتراجع عادة عن مصالحها لمجرد أن الخريطة أصبحت مزدحمة، فإن سوريا تبدو مرشحة لتكون واحدة من أكثر الساحات حساسية في المرحلة المقبلة. ليس بالضرورة لأن الحرب قادمة، إنما لأن قواعد الحركة القديمة لم تعد تعمل بالسهولة نفسها، ولأن أكثر من طرف بدأ يشعر أن ما يجري فوق الأرض السورية سيحدد شيئًا من موقعه في الإقليم كله.

قد تكون أخطر لحظة هي تلك التي يكتشف فيها الجميع أن سوريا لم تعد مجرد ساحة للحرب التي انتهت، وإنما أصبحت ساحة للصراع على ما سيأتي بعدها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد