حضارة بلا كسب.. هل يقودنا الذكاء الاصطناعي إلى بداوة من نوع جديد؟

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

 

في سنة 1930؛ تخيّل جون مينارد كينز (John Maynard Keynes)، وهو اقتصادي بريطاني شهير وأحد أبرز الاقتصاديين في القرن العشرين، أحفاده بعد قرنٍ يعملون خمس عشرة ساعة في الأسبوع. لم يصدق الرقم، لكن الاتجاه صدق: فالعامل في الدول الغنية يعمل اليوم نحو نصف ما كان يعمله أسلافه في أواخر القرن التاسع عشر، أي بين 1,300 و1,800 ساعة سنويًا بعد أن كانت بين 2,700 و3,500 ‪(Our World in Data, n.d.). غير أن السؤال الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بالساعات. إنه يتعلق بمجتمعٍ يتراجع فيه دور العمل البشري في الإنتاج قبل أن يتراجع الإنتاج نفسه: على أي أساس يقوم الكسب حينئذ؟

عمل أقل وناتج أكبر

الزراعة أوضح الأمثلة. كانت نحو 41% من قوة العمل الأمريكية تشتغل في الفلاحة سنة 1900، ثم هبطت النسبة إلى نحو 2% مع مطلع الألفية ‪(Council of Economic Advisers, n.d.)، فتضاعفت إنتاجية العمل الزراعي نحو اثنتي عشرة مرة منذ العام 1948 ‪(USDA Economic Research Service, 2022). لا يزال هذا الانتقال جاريًا في العالم، حيث بلغت حصة الزراعة من العمالة العالمية نحو 26% سنة 2023 ‪(World Bank, n.d.). لم يجُع أحد؛ لأن الفلاحين غادروا الحقول. لكن كل موجة سابقة وجدت لمن خرج من قطاع بابًا يدخل منه إلى آخر: من الحقل إلى المصنع، ومن المصنع إلى المكتب. الجديد أن الذكاء الاصطناعي يقترب من المكتب نفسه، أي من الأعمال المعرفية القائمة على الكتابة والحساب والتحليل.

ثمة قرينة أولى على انفصال الناتج عن العمل. بحسب «ILO»؛ ارتفعت إنتاجية ساعة العمل عالميًا نحو 58% بين 2004 و2024، فيما تراجعت حصة العمل من الدخل العالمي 1.6 نقطة مئوية إلى نحو 52.3%، ما يعادل فجوة قدرها 2.4 تريليون دولار في دخل العاملين سنة 2024  . وللمنظمة تحفظ مهم: نحو 40% هذا التراجع وقع في سنوات جائحة كورونا، ولم تُقس بعد آثار الذكاء التوليدي.

التعرض ليس فقدًا

الأرقام المتداولة تقيس أشياء مختلفة. يقدّر «IMF» أن نحو 40% من الوظائف في العالم معرّضة للذكاء الاصطناعي، ونحو 60% في الاقتصادات المتقدمة. وترى «ILO» أن الرقم 25% عالميًا ‪والفارق تعريفيأ أكثر منه واقعي، فكلاهما يقيس تداخل المهام مع قدرات التقنية لا وظائف زالت فعلًا. لا يعني ذلك اطمئنانًا كاملًا. تقدير «ILO» حدٌّ أعلى نظري لا يحتسب الوظائف الجديدة، وهو يتفق مع «IMF» على النمط: الانكشاف أعلى حيث تكثر الوظائف المكتبية، أي في الاقتصادات الغنية (34% مقابل 11% في المنخفضة الدخل بحسب «ILO»)، فتتجنب الاقتصادات الفقيرة جزءًا من الصدمة وتفقد جزءًا من المكسب.

أما التوظيف الفعلي فيرسم صورة أهدأ وأدق. فالتحديث الذي نشره في آب/أغسطس 2026 باحثو «Stanford Digital Economy Lab» لا يجد دليلًا على تسريح واسع على مستوى الاقتصاد، لكنه يرصد أن توظيف الشبان بين 22 و25 عامًا في المهن الأكثر تعرضًا أدنى بنحو 19% مما كان سيكون، وأن ذلك يجري عبر تقليص التعيين لا عبر الفصل. ويقرّ كاتبوه بأن ما يقدمونه وصفٌ لا إثبات للسببية. تقدّر دراسة أسيموغلو أن مكسب الإنتاجية الكلية من الذكاء الاصطناعي لن يتجاوز 0.66% في عشر سنوات .

ما يقوله ابن خلدون

قبل ما يقارب ستة قرون ونصف جعل ابن خلدون الكسب «قيمة الأعمال البشرية»، وقرّر أن الصنائع إنما تجود إذا كثر طالبوها. الطلب مصدره الدخل، والدخل في اقتصاد الأجور مصدره العمل؛ فإذا تقلص العمل المأجور أسرع مما تظهر مصادر بديلة للدخل، ضعف الطلب على ما تنتجه الآلات نفسها، وذهبت الصنائع التي لا يخلفها أحد، على ما وصفه في الأمصار التي تقارب الخراب.

من ذلك؛ يمكن قراءة «العودة إلى البداوة» بثلاث طرائق. الأولى انكماشية: رجوع إلى الضروري بعد انحسار الطلب. الثانية اختيارية: مجتمع كفاف رخيّ قليل العمل، على ما وصفه سالينز لمجتمعات الصيد ‪ والثالثة اتكالية: أن يتّكل الناس على الآلة كما اتّكل أهل الحضر على «الحامية». والأدلة الراهنة لا تسند الأولى في المدى المنظور، فالناتج يرتفع لا ينخفض؛ وتبقى الثانية مشروطة بحسن التوزيع؛ أما الثالثة فمجرد فرضية لم يقسها أحد. الخلاصة أن ما نواجهه ليس بداوة بالمعنى الخلدوني، بل حالة لم تتسع لها نظريته: وفرة في الناتج مع ندرة في الكسب.

للاستعارة الثالثة سند غير مباشر لا ينبغي المبالغة فيه؛ فإذا كان الذكاء الاصطناعي يحلّ محل المعرفة المشفَّرة التي تُتعلَّم في المدرسة، ويكمّل المعرفة الضمنية التي يكتسبها ذوو الخبرة بالممارسة ‪ فإن تضييق مدخل المهن على الشبان قد يقطع السلسلة التي تنتج الخبراء. هنا يستحضر المرء تنبيه ابن خلدون إلى أن الصنعة تذهب حين لا يكون لأصحابها خلف. غير أن هذا احتمال يحتاج إلى بحث ميداني، لا نتيجة مثبتة

من يتكلم بصيغة المجهول؟

يلفت النظر في الخطاب المؤسسي كثرة الأفعال المبنية للمجهول: وظائف «تُخلَق» وأخرى «تُزاح»، من دون أن يُذكر من يقرر. فعنوان بيان «World Economic Forum» لعام 2025 يبشّر بصافي 78 مليون فرصة عمل بحلول العام 2030، أما متنه فيذكر أن 41% من أصحاب العمل يخططون لتقليص قواهم العاملة مع أتمتة الذكاء الاصطناعي بعض المهام، وأن 63% يرون في فجوة المهارات أكبر عائق . لا تناقض هنا، لكن الصافي يخفي من يخسر ومن يربح وأين، وحين تصير المشكلة «فجوة مهارات» ينتقل العبء من بنية السوق إلى العامل الفرد. وهذه قراءة تأويلية للصياغات لا حكم على النوايا.

ثمة ملاحظة رابعة: تحذير منسوب إلى رئيس تنفيذي لشركة ذكاء اصطناعي من أن نصف وظائف المبتدئين المكتبية قد تزول يحمل فاعلًا صريحًا هو الذكاء الاصطناعي نفسه، فيبدو التحول قدرًا تقنيًا لا قرارًا تتخذه الشركات والدول.

ماذا بعد؟ ثلاثة مسارات مشروطة

لا نقدّم تنبؤات، بل مسارات تتوقف على القرارات. الأول توزيعي: يُعاد وصل الناتج بالدخل عبر الضرائب والتحويلات والملكية التشاركية وظهور مهام جديدة، فيصير تراجع الكدح وقتًا حرًا مقبولًا. الثاني انكماشي: تواصل حصة العمل هبوطها مع تسارع الإنتاجية، فيضعف الطلب وتنغلق سلالم التعلم أمام الشبان. الثالث انجرافي: خليط من المسارين يتفاوت بين الدول والفئات. ولا تحسم الفرق بينها التقنية، بل أسئلة قديمة: من يملك الآلة، وكيف يُقتسم الفائض، وماذا تفعل الدولة بمن يخرج من سوق العمل؟ وقد بيّن بولاني أن المجتمعات تردّ على تسليع العمل بضوابط تحميه.

في المنطقة العربية تقدّر «ILO» أن 2.2% من الوظائف قابلة للأتمتة (نحو 1.2 مليون) و14.6% قابلة للتعزيز، وأن النساء أكثر انكشافًا: 5.3% مقابل 1.6% للرجال ‪(ILO, 2025). أرقام متواضعة، لكنها مشروطة باستثمارات وسياسات لم تتحقق بعد. في حساب توضيحي من عندنا على أرقام المنظمة، فإن نحو 118 ألف وظيفة صافية متوقعة بحلول 2035 لا تتجاوز 0.2% من العمالة المعنية.

دلالات للمتابعة

لكي لا تبقى هذه القراءة عقيدةً لا تُدحض، تصلح ثلاثة اختبارات خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، تؤيدها أو تضعفها بحسب اتجاه المؤشرات، ولا يغني أحدها عن الآخر:

  1. راقبوا حصة العمل من الدخل: استمرار هبوطها مع تسارع الإنتاجية يعزز أطروحة الانفصال، واستقرارها يضعفها.
  2. راقبوا تعيين المبتدئين وسرعة ظهور مهام جديدة؛‪ فهما اللذان يقرران هل ينقطع «الخلف» الذي عدّه ابن خلدون شرطًا لبقاء الصنائع
  3. اسألوا عن التوزيع قبل التقنية. فقد ذكر أسيموغلو وجونسون أن اتجاه التقنية يتحدد بخيارات القوة والسياسة

إذ إن الآلة لا تُفقر أحدًا بنفسها. الذي يُفقر هو انقطاع الصلة بين ما يُنتَج وما يُكسَب.

المراجع

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (د.ت.). المقدمة (في: تاريخ ابن خلدون، المجلد 1). المكتبة الشاملة. https://shamela.ws/book/12320

ملاحظة: أُورد تحذير «Morris, 2025» كما نقله Brynjolfsson et al. (2026) ولم يُطّلع عليه في أصله.

Acemoglu, D. (2025). The simple macroeconomics of AI. Economic Policy, 40(121), 13–58. https://doi.org/10.1093/epolic/eiae042

Acemoglu, D., & Johnson, S. (2023). Power and progress: Our thousand-year struggle over technology and prosperity. PublicAffairs.

Autor, D., Chin, C., Salomons, A., & Seegmiller, B. (2024). New frontiers: The origins and content of new work, 1940–2018. The Quarterly Journal of Economics, 139, 1399–1465.

Brynjolfsson, E., Chandar, B., & Chen, R. (2026, August). Canaries in the coal mine? Six facts about the recent employment effects of artificial intelligence. Stanford Digital Economy Lab. https://digitaleconomy.stanford.edu/publications/canaries-in-the-coal-mine/

Cazzaniga, M., Jaumotte, F., Li, L., Melina, G., Panton, A. J., Pizzinelli, C., Rockall, E., & Tavares, M. M. (2024). Gen-AI: Artificial intelligence and the future of work (IMF Staff Discussion Note SDN/2024/001). International Monetary Fund. https://www.imf.org/-/media/files/publications/sdn/2024/english/sdnea2024001.pdf

Council of Economic Advisers. (n.d.). Strengthening the rural economy: The current state of rural America. The White House (Obama administration archives). https://obamawhitehouse.archives.gov/administration/eop/cea/factsheets-reports/strengthening-the-rural-economy/the-current-state-of-rural-america

Gmyrek, P., Berg, J., Kamiński, K., Konopczyński, F., Ładna, A., Rosłaniec, K., & Troszyński, M. (2025). Generative AI and jobs: A refined global index of occupational exposure (ILO Working Paper 140). International Labour Organization. https://doi.org/10.54394/HETP0387

International Labour Organization. (2025). Navigating the digital and artificial intelligence revolution in Arab labour markets: Trends, challenges and opportunities. ILO Regional Office for Arab States. https://www.ilo.org/publications/navigating-digital-and-artificial-intelligence-revolution-arab-labour

Keynes, J. M. (1931). Economic possibilities for our grandchildren. In Essays in persuasion. Macmillan. (Original work published 1930)

Our World in Data. (n.d.). Working hours in wealthy countries have been reduced by half over the last 150 years [Data insight]. https://ourworldindata.org/data-insights/working-hours-in-wealthy-countries-have-been-reduced-by-half-over-the-last-150-years

Polanyi, K. (1944). The great transformation: The political and economic origins of our time. Farrar & Rinehart.

Sahlins, M. (1972). Stone age economics. Aldine-Atherton.

United Nations Office at Geneva. (2024, September 4). Tech progress, automation, AI, cut workers’ share of wealth: ILO. https://www.ungeneva.org/en/news-media/news/2024/09/97104/tech-progress-automation-ai-cut-workers-share-wealth-ilo

USDA Economic Research Service. (2022, February). Increases in labor quality contributed to growth in U.S. agricultural output. Amber Waves. https://www.ers.usda.gov/amber-waves/2022/february/increases-in-labor-quality-contributed-to-growth-in-u-s-agricultural-output

World Bank. (n.d.). Employment in agriculture (% of total employment) (modeled ILO estimate) [Data set]. World Development Indicators. https://data.worldbank.org/indicator/SL.AGR.EMPL.ZS

World Economic Forum. (2025, January 8). Future of jobs report 2025: 78 million new job opportunities by 2030 but urgent upskilling needed to prepare workforces [Press release]. https://www.weforum.org/press/2025/01/future-of-jobs-report-2025-78-million-new-job-opportunities-by-2030-but-urgent-upskilling-needed-to-prepare-workforces/

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد