جرّبوا أن تقرأوا شهادة ميلاد بصفتها وثيقة وداع.. ماذا يجعل حكاية محمد أبو القمصان عصيّة على العبور؟ سأترك الحكم للقارىء..
في آب/أغسطس 2024، ذهب الأب الفلسطيني لاستخراج شهادتي ميلاد توأميه، آسر وأسيل، وحين حصل عليهما، بلغه أنّ ضربة إسرائيلية قتلت الطفلين وزوجه ووالدتها، في الشقة التي لجؤوا إليها في قطاع غزة.. هكذا روت "رويترز" قصّته..
كانت مهمّة الأب محمد، في ذلك اليوم، أن يسجّل بداية.. ولكن! كيف تُكتب بدايةٌ انتهت قبل أن يعود حاملها؟
صحيح أنّنا لا نعرف ما الذي كان ينوي فعله بعد استخراج الشهادتين، ولا نحتاج إلى اختراع قبلة مؤجّلة أو وعد بالعودة أو حوار أخير.. ما نعرفه يكفي: وثيقتان تثبتان الولادة، وأبٌ لم يعد يستطيع أن يضمّ صاحبيهما.
ضعوا هاتين الورقتين أمامكم.. سنحتاج إليهما ونحن نقرأ كلامًا عن السلام..
في التصريح المتداول المنسوب إلى بتسلئيل سموتريتش، تُقدَّم صورة إسرائيل "التي لم تبدأ حربًا، ولم ترغب في إيذاء أحد أو طرده، وحملت الرخاء والتقدّم إلى الأرض".. وتنتهي الترجمة الإنجليزية المتداولة بوصفها صاحبة الضيافة الأفضل..
لنطرق بابًا من أبواب القدس
في تموز/يوليو من العام 2023، أخرجت الشرطة الإسرائيلية عائلة غيث من منزلها في البلدة القديمة، بعد نزاع قضائي امتدّ عقودًا. نقل تقرير لــ"جوليا فرانكل"، نشرته "آيرش إندبندنت"، عن أحمد أنّ العائلة مُنعت من العودة، وأُخذ المفتاح وتغيّر القفل.. وعرض التقرير الرواية المقابلة التي ترى الأمر نزاعًا عقاريًا ومطالبة المستوطنين بالعقار بصفته مملوكًا سابقًا ليهود..
لكن، هنا، اسمحوا لي أن أطلب منكم أن توقّفوا عند القفل.. فهي قطعة صغيرة من المعدن تستطيع، حين تسندها السلطة، أن تفصل الإنسان عن عمره.. مع ذلك، يبقى العنوان معروفًا، والطريق محفوظًا، والبيت في مكانه؛ لكنّ الوصول ينتهي عند الباب.. علمًا، أنّه في اليوم التالي للإخلاء، أدان خبراء أمميون ما جرى، وأشاروا إلى إقامة العائلة بموجب إيجار محمي منذ العام 1953، وإلى قانون وصفوه بالتمييزي..
عندما تصبح كلمة "مضيف" سؤالًا جارحًا.. مَن الذي يستضيف مَن؟ ومتى تحوّل المقيم إلى شخص يحتاج إلى إذن كي يبقى؟ وكيف يستطيع مَن يغيّر القفل أن يقدّم نفسه إلى العالم على أنه صاحب بيت كريم؟
في اللغة التي ترافق الاحتلال، قد تبدأ مصادرة المكان بمصادرة أسماء ساكنيه: يُنزع عن الإنسان موقع صاحب الحقّ، ويُعاد تقديمه على أنه وجود مؤقّت.. والوجود المؤقّت يُطلب منه أن يشكر على إقامته، وأن يتفهّم إنهاءها.. ثمّ يُقال: لم نطلب طرد أحد..
حسنًا. لنترك التأويل لحظة، ونفتح الأرشيف..
في 31 كانون الأول/ديسمبر من العام 2023، نقلت وكالة "رويترز" دعوة سموتريتش إلى تشجيع هجرة الفلسطينيين من قطاع غزّة.. وتحدّث عن أنّ بقاء مئة ألف أو مئتي ألف عربي، بدلًا من مليونين، سيغيّر النقاش بشأن اليوم التالي للحرب.. لنتأمّل هذه العملية الحسابية: ينخفض عدد البشر، فيصبح المستقبل أسهل في نظر السياسي.. ولكن، أين يذهب الفرق بين الرقمين؟ إلى أيّ بلاد، وأيّ خيام، وأيّ انتظار؟ ومَن يحمل صور العائلة؟ ومَن يشرح للطفل لماذا صار عليه أن يتعلّم طريقًا جديدًا إلى مدرسة جديدة، وربّما إلى حياة لا يريدها؟
حين تتحوّل الجماعة البشرية إلى رقم ينبغي تقليصه، تصبح كلمة "الهجرة" شديدة الأناقة قياسًا بما تخفيه من اقتلاع.. ولكي يكون الرحيل اختيارًا، يجب أن يكون البقاء ممكنًا.. إذ لا تُقاس حرية الإنسان بعدد المخارج المتاحة له فقط، بل بوجود مكان يستطيع أن يعيش فيه من دون أن يُدفع إلى الخروج.
لكن، ماذا عن الجملة التي تُخرج الحروب كلّها من سجلّ المبادرة الإسرائيلية؟
هنا، يكفي أن نفتح صفحة مؤرّخة في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1956.. حين يورد مكتب المؤرّخ في وزارة الخارجية الأميركية أنّ مشاورات عسكرية سرّية بين بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل، أنتجت خطة لغزو مصر وإسقاط رئيسها، وأنّ القوات الإسرائيلية هاجمت عبر سيناء في ذلك اليوم، قبل التدخّل البريطاني الفرنسي.. هنا أيضًا، لا تحتاج كلمة "قط" إلى موسوعة كي تسقط.. وما أكثر الأمثلة عنها، هنا نحتاج إلى واقعة واحدة كي تسقط..
لو كانت الجغرافيا قادرة على الشهادة.. كم بلدًا سيقف ليعترض على عبارة "لم نبدأ حربًا قط"؟
منذ السنوات الأولى لاحتلال الصهاينة فلسطين بقوّة النار والجرائم والمذابح الجماعية، وإعلان قيام "إسرائيل"، توالت أسماء الأمكنة في سجلّ الهجمات، من قِبية في العام 1953، والسّموع في العام 1966، وهما بلدتان فلسطينيتان في الضفة الغربية التي كانت آنذاك تحت الإدارة الأردنية؛ وقد أدان مجلس الأمن العمل العسكري الإسرائيلي في القرارين 101 و228.
كذلك مصر، في العام 1956 في العدوان الثلاثي، ومجدّدًا في 5 حزيران/يونيو 1967، ذلك اليوم المشهود، حين بدأت "إسرائيل" الحرب بضربة جويَة ضدّ القوات المصرية، في سياق التصعيد وإغلاق مضائق تيران؛ فانتهت الحرب باحتلال سيناء وقطاع غزّة والضفة الغربية وشرقي القدس والجولان السوري..
على أرض لبنان، اجتياحان في العامين 1978 و1982، وصولًا إلى بيروت؛ ولا تزال الاعتداءات مستمرة حتى يومنا هذا.. أمّا العراق فحدّث ولا حرج، مع قصف المفاعل النووي قرب بغداد، في العام 1981، والذي أدانه مجلس الأمن بالقرار 487؛ وقصف مقرّ منظمة التحرير الفلسطينية في حمّام الشط في تونس، في العام 1985، الذي وصفه القرار 573 بالعدوان المسلّح على الأراضي التونسية؛ وفي سوريا، في العام 2007، تدمير المنشأة التي اشتُبه في كونها مفاعلًا نوويًا، وهي عملية أقرّت إسرائيل بمسؤوليتها عنها في العام 2018.. ولا تزال الاعتداءات مستمرّة حتى يومنا هذا ..
كما امتدّت خريطة الضربات إلى اليمن، في تموز/يوليو 2024، باستهداف الحديدة عقب هجوم حوثي على تل أبيب، وإلى إيران في حزيران/يونيو 2025، بهجوم واسع على منشآت وقيادات، ثمّ إلى قطر في أيلول/سبتمبر 2025، باستهداف قادة من حماس في الدوحة..
ذلك قليل، ومن كثير ما يحويه تاريخ حافل من سلام هذا العدو .. مع لاحظ اختلاف السياقات التي يسوغها هذا العدو في اعتداءاته الوحشية، وهو اختلاف لا يمحو بشكل من الأشكال وقائع الهجوم، ولا يحوّل سجلّ القوّة إلى شهادة براءة مطلقة.. فوراء كلّ اسم على هذه الخريطة، أناسٌ انقسم عمرهم إلى ما قبل الغارة وما بعدها؛ فبأيّ لغة يُطلب منهم أن يتذكّروا النار بوصفها سلامًا؟
كلّنا يعلم أنّ البلدات داخل البلدان تشتمل على بيوت وأسماء وأعمار وعلاقات؛ وحين يضعها وزير في جملة عن المحو، لا يعود الأمر مجرّد انفعال شخصي.. فللكلمة هنا صلة بالسلطة، وللسلطة وسائل تجعل الخوف منها واقعيًا..
كأنّ الطريق المعبّد يستطيع أن يجيب عن سؤال الحرية..وأمّا الحديث عن التنمية؛ فحدّث ولا حرج..
في دراسة منشورة في العام 2013، قدّر البنك الدولي أنّ تخفيف القيود على وصول الفلسطينيين إلى المنطقة "ج" في الضفة الغربية، وعلى نشاطهم وإنتاجهم فيها، يمكن أن يضيف نحو 3.4 مليارات دولار إلى اقتصادهم؛ ما يعادل قرابة 35 في المئة من الناتج المحلّي الفلسطيني لعام 2011.. هذه أرقام زمن الدراسة، لا حساب للخسائر الراهنة.. لكن، أيّ معنى للحديث عن جلب الرخاء، حين تكشف دراسة اقتصادية هذا الحجم من الفرص التي تعرقلها القيود؟
اسألوا المزارع عن قدرته على الوصول إلى أرضه، قبل أن تسألوه عن جودة الطريق القريب منها.. واسألوا الأسرة إن كانت تستطيع البقاء في بيتها، قبل أن تعرضوا عليها صور العمران..
التنمية التي تستحقّ اسمها توسّع قدرة الناس على تقرير حياتهم.. وحين تبقى هذه القدرة مرهونة بإذن طرف آخر، يصبح السؤال عن السيطرة في صميم السؤال عن الازدهار. لهذا، تبدو المعركة على الكلمات جزءًا من المعركة على الواقع: تُسمّى الهيمنة ضيافة، ويُقدَّم الرحيل بوصفه فرصة، ويُنتظر من المتضرّر أن يعترف بفضل مَن يقرّر شروط حياته.. أمّا مساءلة هذا الخطاب فتقتضي تحديد المسؤولية: وزير وحكومة وسياسات وقرارات..

لنعد الآن إلى حيث بدأنا.. إلى الورقتين اللتين لم تستطيعا حماية حياة، وإلى الباب الذي لم تعد معرفة عنوانه تكفي لدخوله.. إذ ليس مطلوبًا من محمد أبو القمصان أن يتحوّل إلى خطيب كي تكون خسارته جديرة بالإنصات.. وليس على عائلة غيث أن تربح مسابقة في البلاغة كي نسأل عمّ جرى لمنزلها؟ علينا نحن، حين نسمع مديح الضيافة، أن نتذكّر مَن بقي خارج الصورة.
قبل أن نصفّق للمضيف، لنسأل مَن يقف عند الباب: لماذا لم يعد مفتاح بيته يفتحه؟
Reuters 14 آب/أغسطس 2024: Palestinian newborn twins killed as father obtained birth certificates.
Julia Frankel، Irish Independent 12 تموز/يوليو 2023 Israel evicts Palestinian family after 45-year fight.
Reuters، 31 كانون الأول/ديسمبر 2023، KFGO: Israeli minister repeats call for Palestinians to leave Gaza.
The Times of Israel 1 آذار/مارس 2023Israel should ‘wipe out’ Palestinian town of Huwara, says senior minister Smotrich
Associated Press 5 آذار/مارس 2023Netanyahu: Remarks to erase Palestinian town ‘inappropriate’
2013، البنك الدولي Area C and the Future of the Palestinian Economy
وزارة الخارجية الأميركية، مكتب المؤرّخ The Suez Crisis, 1956
12 تموز/يوليو 2023 خبراء الأمم المتّحدة UN Special Rapporteurs Condemn Forced Eviction of East Jerusalem Families