الإدارة الناجحة للنفايات الصلبة .. لبيئة مستدامة

post-img

محمد باقر ياسين/ كاتب وصحفي

تتقاطع تداعيات الاستحقاقات المتزامنة، في قطاع النفايات الصلبة في لبنان، مع واقع إداري مأزوم يضع الأمن البيئي والاجتماعي للمواطنين على محك الغليان الميداني المستمر. في ظل اقتراب عقود الجمع والكنس المركزية من نهايتها الحتمية، تظهر البيانات مسارًا انتقاليًا دقيقًا يتعثر فيه الانتقال نحو عدم المركزية المتكاملة نتيجة قصور الإمكانات اللوجستية للبلديات وتجميد الاعتمادات المالية المخصصة للمشاريع البديلة. 

يوضح هذا الرصد الرقمي البارد الأرقام والتواريخ والآليات الهندسية التي تحكم جغرافيا الطمر، مفككًا الفجوة العميقة بين النصوص القانونية والواقع التنفيذي الذي يهدد بإغراق البلاد في أزمات بيئية مستعصية تتجاوز كلفة معالجتها الفاتورة المالية المباشرة.

من هذا المنطلق، يفتح هذا التقرير كواليس قرارات مجلس الوزراء وتوقعات عمر المطامر التشغيلي، مفندًا مستويات المسؤولية التنفيذية عن الاعتماد المستمر على المسكنات المؤقتة وشراء الوقت لصالح كارتيلات الطمر العشوائي.

1- واقع التمويل الحكومي وحيثيات التلزيمات المركزية المستجدة

يرتبط تفكيك ملف النفايات بمسح القرارات المالية الأخيرة التي اتخذتها السلطة التنفيذية لتدارك الفراغ التعاقدي، حيث تظهر المقررات فجوة بنيوية واضحة:

أ- استحقاق نهاية العام كانون الأول 2026: حدد القرار الرقم 7 الصادر عن مجلس الوزراء، في جلسته المنعقدة بتاريخ 10 أيلول 2026، تاريخًا حاسمًا لانتهاء العقود القائمة لجمع ونقل النفايات وكنس الشوارع في بيروت وأقضية المتن وكسروان وبعبدا وعاليه والشوف. بناءً على عجز البلديات عن الإدارة المستقلة، كلف المجلس مجلس الإنماء والإعمار بإطلاق مناقصات بديلة لمدة سنتين قابلة للتمديد سنة واحدة كحل انتقالي لتجنب انقطاع الخدمة الخدمية اليومية.
ب- تعثر آليات القانون الرقم 38/2026: أدخل التعديل التشريعي الجديد آلية لاسترداد الكلفة المالية بالرسوم المباشرة وجبايتها عبر المتعهدين، إلا أن المؤشرات تؤكد أن البلديات لم تبدأ التحصيل الفعلي لعدم صدور المراسيم التطبيقية، ما يبقي القطاع معتمدًا على سلفات الخزينة المؤقتة.

ج- الكلفة الاقتصادية الإجمالية للتدهور البيئي: تشير التقديرات المحدثة للعام 2026 إلى أن الكلفة السنوية التراكمية المرتبطة بالأضرار الناجمة عن المكبات العشوائية والحرق المكشوف للنفايات في لبنان بلغت نحو 273 مليون دولار، موزعة بين كلفة الخدمات الطبية لمعالجة آثار التلوث وتدهور سلامة المياه الجوفية والتربة.

2- تفكيك بنود النفقات الأساسية وعمر المطامر التشغيلي

تخضع القدرة التشغيلية والاستيعابية للمطامر الصحية والصناعية لضغط ميداني حاد؛ يهدد بامتلاء المواقع قبل تجهيز البدائل الهندسية:

أ- حجم الإنتاج اليومي ونسب المعالجة: يولّد لبنان نحو 5600 طن من النفايات الصلبة يوميًا، ولا تستوعب منشآت الفرز والمعالجة القائمة سوى 8% فقط من هذه الكميات. ويتكفل 8 مطامر صحية باستقبال 57% من مجمل النفايات، في حين تنتهي النسبة الباقية البالغة 43% في المكبات المفتوحة العشوائية التي ظهر منها أكثر من 100 مكب جديد.

ب- مؤشر استنفاذ مطمر الجديدة (أواخر نيسان 2027): تكشف التقارير الفنية لمجلس الإنماء والإعمار عن توقع استنفاذ القدرة الاستيعابية الكاملة لمطمر الجديدة الصحي في المتن الشمالي في أواخر نيسان 2027، وسط تعثر تام لتأمين التمويل الخاص بالمشروع البديل الذي كان يفترض فتحه بقانون استثنائي.

ج- مهلة مطمر الغدير ومطامر الشمال الكبرى: تمتد القدرة التشغيلية المتوقعة لمطمر الغدير الصحي حتى منتصف العام 2028، ما يفرض بدء التخطيط الفوري للبدائل الإنشائية التي تستغرق سنوات. في طرابلس ومدن الفيحاء، بلغت القدرة الاستيعابية للمطمر الصحي مرحلة حرجة نتيجة استقبال أكثر من 400 طن يوميًا.

3- كواليس الأزمة الهيكلية وفخاخ النماذج المركزية

يكشف التباطؤ التنفيذي في رسم المخططات التوجيهية عن فجوات عميقة تقع فيها الإدارة المركزية، وتنعكس تعثرًا على المستويات اللوجستية كافة:

أ- شلل الهيئة الوطنية للنفايات الصلبة: يعجز مجلس إدارة الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة (المنشأة بموجب القانون الرقم 80/2018) عن ممارسة مهامه الميدانية حتى اليوم لعدم استكمال المراسيم التنظيمية لتأمين جهازه البشري ومقره، ما يبقي مجلس الإنماء والإعمار مستحوذًا على العقود المركزية الطارئة.

ب- غياب الرقابة والحدود اللوجستية المتاحة: تبرز العقدة البنيوية في غياب المراقبة والمتابعة الأمنية والبلدية لضبط تسرب النطاقات الجغرافية، ما يسرع في استنفاذ المطامر الصحية، ويضاعف المكبات العشوائية في الشوارع.

ج- مخاطر ردم الواجهات البحرية والحرق: يؤدي التباطؤ في التخطيط إلى التوجه نحو خيارات عشوائية شاقة وغير علمية، مثل إنشاء مطامر على الواجهات البحرية الحيوية، ما يهدد الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية للمرافئ وسكك الحديد، أو اللجوء إلى الحرق المكشوف الذي يطلق ملوثات شديدة السمية تنتقل مباشرة إلى السلسلة الغذائية والمياه الجوف.

4- مؤشرات الغليان الميداني وجنون الحرائق العشوائية

تعكس التطورات الميدانية، في أكثر من منطقة لبنانية، أزمة حادة تمس الصحة العامة والأمن الاجتماعي:

أ- أزمة الفيحاء والفتح القسري لمطمر طرابلس: أدى توقف شركات رفع النفايات لعدم وجود موقع متاح إلى تكدس الأكياس في الشوارع، ما دفع باتحاد بلديات الفيحاء وبلدية طرابلس إلى اتخاذ قرار استثنائي بإعادة فتح المطمر المغلق رغمًا عن قرار وزارة البيئة لشراء مهلة مؤقتة مدتها 3 أشهر، وجاء ذلك بعد سقوط خيار النقل إلى مطمر "سرار" في عكار إثر رفض الفعاليات المحلية لاستقبال نفايات المدينة.

ب- كارثة حريق جبل نفايات صيدا وسينيق: اندلعت حرائق كبيرة في تلال النفايات المتراكمة حول معمل المعالجة في محلة سينيق بصيدا نتيجة الإهمال وتراكم كميات هائلة من دون فرز. امتدت السحب الدخانية السامة والروائح الكريهة إلى أحياء المدينة وصولًا إلى بلدة مغدوشة وقرى الجوار، فاستدعى تدخل مروحيات الجيش اللبناني للإطفاء. تكشف البيانات أن النفايات التي تحترق اليوم دُفِع من المال العام ما يصل إلى 95 دولارًا للطن لمعالجتها من دون تنفيذ فعلي.

ج- تآكل الواجهة السياحية في بعلبك: تعيش مدينة الشمس أزمة تراكم حادة في شوارعها وأحيائها الأثرية تحجب هياكل معابد قلعة بعلبك ومعبد جوبيتر. جاءت هذه الأزمة لتضاعف الركود الاقتصادي بعد إلغاء مواسم المهرجانات الدولية نتيجة العدوان والحرب، وسط عجز لوجستي ومالي صريح من البلدية يمنع تشغيل معمل الفرز المحلي.

5- تفنيد مستويات المسؤولية وباب التقصير الرسمي

تتوزع المسؤولية الدستورية والقانونية لضبط الأمن البيئي والصحي على هرم السلطة التنفيذية والمؤسسات العامة، في الدولة اللبنانية، ضمن ثلاث حلقات أساسية:

أ- رئاسة مجلس الوزراء واللجان الإغاثية: يتحمّل رئيس الحكومة المسؤولية الدستورية الأولى عن غياب الرؤية الإستراتيجية الشاملة لإدارة ملف النفايات والاعتماد المستمر على تمديد العقود المركزية من دون فرض مواقع بديلة للمطامر التي بلغت مرحلتها الحرجة، ومرور المهل المحددة من دون إلزام مجلس الإنماء والإعمار بتشغيل معامل الفرز والتفكك الحراري.

ب- وزارة البيئة ووزارة المالية: تتحمل الوزارات المعنية المسؤولية المباشرة عن العجز المالي والتقصير في إقرار المراسيم التطبيقية للقانون الرقم 38/2026 المتعلق بجباية الرسوم واسترداد كلفة الجمع والكنس. يظهر التقصير في إصدار قرارات إقفال ورقية للمطامر من دون توفير بدائل تمويلية أو جغرافية آمنة على الأرض، ما يجبر البلديات على كسر الأقفال والفتح القسري للمكبات.

ج- اتحادات البلديات والمجالس المحلية والمكاتب الفنية: تتشارك المجالس البلدية مسؤولية العجز الإداري والمالي الفاضح والتقصير في الرقابة الميدانية لضبط حدود النطاق البلدي ومنع المخالفات، والإهمال في متابعة الشركات المتعهدة ما يتسبب في اندلاع حرائق كبرى مفتعلة للتخلص من التراكم على حساب صحة المواطنين وسلامتهم.

6- كواليس الأزمة الهيكلية والتوجهات التنفيذية

تتشابك أزمة تراكم النفايات مع غياب الهيكل التنظيمي الموحد والتباطؤ في تطبيق القوانين اللامركزية، ما يتطلب معالجات فنية مستدامة:

أ- المحددات الهيكلية العميقة:

1- شلل الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة: يعجز مجلس إدارة الهيئة (المنشأة بموجب القانون الرقم 80/2018) عن ممارسة مهامها الميدانية حتى اليوم لعدم استكمال المراسيم التنظيمية لتأمين جهازه البشري ومقره، ما يبقي مجلس الإنماء والإعمار مستحوذًا على العقود المركزية الطارئة.

2- انفلات الحدود اللوجستية وتدفق نفايات الجوار: يبرز غياب المراقبة والمتابعة الأمنية والبلدية لضبط تسرب النطاقات الجغرافية؛ إذ تدخل يوميًا إلى طرابلس نحو 100 طن من النفايات القادمة من خارج نطاق اتحاد الفيحاء، مما يسرع في استنفاذ المطامر الصحية ويضاعف المكبات العشوائية في الشوارع.

3- خيارات الردم العشوائي على الواجهات البحرية والحرق: يؤدي التباطؤ في التخطيط إلى التوجه نحو إنشاء مطامر على الواجهات البحرية الحيوية، ما يهدد الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية للمرافئ وسكك الحديد، أو اللجوء

إلى الحرق المكشوف الذي يطلق ملوثات شديدة السمية تنتقل مباشرة إلى السلسلة الغذائية والمياه الجوفية.

ب- البدائل الهندسية والمبادرات المقترحة:

1- تشغيل المراكز المتكاملة بالفرز الآلي المتطور: الاعتماد على أحدث التقنيات لفصل المواد العضوية والبلاستيك والمعادن وإعادة تدويرها من المصدر، ما يضمن استمرارية المشروع لمدد تشغيلية تتراوح بين 15 و20 سنة.

2- الالتزام بالمعايير الهندسية لتجهيز المطامر الصحية الجديدة: فرض فترة تتراوح بين 3 إلى 6 أشهر لاستحداث أرضية معزولة غير منفذة وشبكات متطورة لسحب العصارة وتصريف الغازات، بدلًا من الماكيادات العشوائية التي تُستحدث في أسبوع واحد.

3- تعميم النماذج اللامركزية المستقلة لإدارة النفايات: تعميق المبادرات الأهلية والمدنية الناجحة القادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي البيئي للبلدات بعيدًا عن عجز وتخبط السلطة المركزية.

7- المبادرات غير المركزية الناجحة ونماذج الاستدامة البيئية

أمام التخبط المركزي الهيكلي وعجز الخزينة العامة، برزت في الميدان اللبناني تجارب نموذجية قادتها إدارات محلية وجمعيات مدنية نجحت في تحقيق الاستقلالية البيئية الكاملة بتفعيل منظومة الفرز من المصدر وإعادة التدوير:

أ- تجربة بكفيا والمحيدثة (بيئتي بيتي): تُعد بلدية بكفيا في المتن نموذجًا رائدًا؛ حيث أطلقت عقب أزمة العام 2015 مشروع "بيئتي بيتي" لفرز النفايات من المصدر بنسبة التزام أهلي تخطت 90%. وقامت البلدية بإنشاء معمل فرز محلي يعالج النفايات الصلبة ويحول المواد العضوية إلى سماد، فقلص نسبة الطمر النهائي إلى أقل من 20%، وحول الخدمة البلدية إلى قطاع منتج ومكتفٍ ذاتيًا ماليًا.

ب- نموذج القبيات وجبل عكار: نجحت بلدية القبيات بالتعاون مع هيئات مدنية في ابتكار منظومة فرز وتدوير متكاملة تعتمد على الحوافز والتوعية المباشرة للمنازل والمؤسسات التجارية. تمكنت الإدارة المحلية من حظر المكبات العشوائية بالكامل في نطاقها الجغرافي، مع تشغيل منشأة فرز فرعية تسترد القيمة الاقتصادية للبلاستيك والمعادن لتمويل رواتب العمال والصيانة الدورية للمعدات.

ج- ريادة نساء عربصاليم (جمعية نداء الأرض): تبرز بلدة عربصاليم الجنوبية كأقدم وأعرق تجربة أهلية غير مركزية مستمرة منذ العام 1995؛ إذ تقود نساء البلدة عبر جمعية "نداء الأرض" تجربة فرز من المصدر يشارك فيها 70% من الأهالي. عقب الحرب المتجددة مباشرة، تمكنت 60 سيدة من العودة لتشغيل المركز وترميم الأجزاء المتضررة واستعادة المستوعبات المفقودة، مبرهنات على أن الإرادة المحلية المستقلة هي الحصن الحقيقي للأمن البيئي والمجتمعي.

بناء على ما تقدم:

على الدولة اللبنانية، بجميع أركانها ومؤسساتها الدستورية والبلدية، الخروج من مربع الوعود الجوفاء وإدارة الاستحقاقات البيئية الداهمة برعونة بالغة الخطورة، وتحمّل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية الكاملة تجاه مواطنيها الذين يدفعون ثمن التدهور البيئي والحرائق السامة من أموالهم وصحتهم وسلامة مدنهم. 

إن المعطيات والوقائع الميدانية والتجارب غير المركزية الناجحة الممتدة من بكفيا إلى عربصاليم تؤكد حقيقة ملموسة واحدة: إن أزمة لبنان المتواصلة في ملف النفايات لم تكن يومًا أزمة غياب للحلول العلمية أو فقر في النماذج الهندسية الناجحة؛ بل هي أزمة عجز وهدر بنيوي ناتجة عن انقطاع وغياب تام لإرادة التنفيذ الجاد والقرار المسؤول على مستوى السلطة التنفيذية المركزية. إن الحكومة ملزمة عاجلًا بتبني المبادرات المستقلة، وتفعيل الهيئة الوطنية وصرف الاعتمادات لإنشاء معامل الفرز الآلي المتطورة، لحماية الأمن البيئي للمجتمع وصون كرامة المواطن وحقه الدستوري الأصيل في العيش داخل بيئة نظيفة وآمنة.

 

المصادر والمراجع المعتمدة:

1- إدارة الإحصاء المركزي اللبناني وبحوث البنك الدولي: الجداول الإحصائية الرسمية لمؤشر أسعار المستهلك، والمسوحات التوثيقية لإنتاج النفايات الصلبة وكلفة الأضرار البيئية لعام 2026.

2- رئاسة مجلس الوزراء اللبناني ومجلس الإنماء والإعمار: الحيثيات الرسمية للقرار رقم 7 والتقارير الهندسية المرفقة بشأن التلزيمات والقدرة الاستيعابية لمطامير الجديدة، الغدير، وطرابلس لعام 2026.

3- بلدية صيدا والنيابة العامة الاستئنافية في الجنوب: المحاضر القضائية الرسمية والادعاء القانوني الشخصي المرفوع بجرم افتعال حريق جبل نفايات سينيق وإلحاق الضرر بالصحة العامة لعام 2026.

4- اللجنة اللبنانية للبيئة والتنمية المستدامة ونقابة المستوردين: التقارير الفنية والبيانات الهندسية الصادرة عن الدكتور جلال حلواني ورئاسة النقابة بشأن الفرز الآلي والواجهات البحرية لعام 2026.

5- جريدة "الأخبار" اللبنانية: التقرير الاستقصائي الميداني والمسح التوثيقي المنشور للصحفية نور محمود عن تجربة جمعية نداء الأرض في عربصاليم لعام 2026.

6- جريدة "المدن" الإلكترونية: التحقيقات الميدانية المنشورة للمراسلين  لعام 2026.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد