افتتحت العاصمة اللبنانية بيروت، وسط أجواء تجمع بين الأمل والحذر، الدورة السابعة والستين من "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب" لعام 2026. تكتسب هذه النسخة أهمية استثنائية كونها تجسّد عودة المعرض موحّدًا لأول مرة منذ سنوات، ليقام في مقره التقليدي "سي سايد آرينا" (Seaside Arena) على الواجهة البحرية لبيروت، من 9 إلى 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
تأتي هذه العودة بتنظيم مشترك بين "النادي الثقافي العربي" ونقابة اتحاد الناشرين في لبنان، وتحت رعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وبالتزامن مع الدورة الرابعة من مهرجان "بيروت للكتب" (Beyrouth Livres) الذي ينظّمه المعهد الفرنسي في لبنان.
ذاكرة الأزمات.. من صدمات الأمس إلى تحديات اليوم
لم تكن الطريق سالكة أمام معرض بيروت، إذ يختزل تاريخه الحديث حجم الفجائع والأزمات المتلاحقة التي عصفت ببلاد الأرز:
- احتجاجات 2019 والانهيار المالي: أُلغيت الدورة الـ63 في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 نتيجة اندلاع التظاهرات الشعبية، وما رافقها من أزمة سيولة مالية خانقة وانهيار قدرة المواطنين الشرائية.
- كارثة انفجار المرفأ (2020): تسبب الانفجار المأساوي، في 4 آب/أغسطس 2020، بتدمير مركز المعارض "سي سايد آرينا" بالكامل لقربه من المرفأ، ما شلّ القدرة على استضافة أي حدث ثقافي.
- جائحة كورونا والترميم (2020 - 2021): تضافرت التداعيات الصحية مع عمليات الصيانة العميقة للمركز، ما أدى إلى غياب المعرض عامين متتاليين قبل استئنافه بحلة مختصرة في مارس/أذار 2022.
- تداعيات الحرب الأخيرة (2024 - 2025): أدت الاعتداءات الإسرائيلية التي ألحقت دمارًا واسعًا وسقوط شهداء وجرحى في الجنوب وبيروت والبقاع إلى تأجيل الدورة الـ66 عن موعدها، لتأتي دورة 2026، اليوم، لتكون رسالة صمود وتحدٍ ثقافي بعد ثلاث سنوات من الحروب والأزمات.
المشهد السياسي الجديد والانقسام الثقافي الحاد
تنعكس التحولات السياسية الأخيرة في لبنان على جدول ندوات المعرض وتواقيع الكتب؛ إذ يُسجَّل حضور لافت لكتّاب ومفكرين عُرفوا بولائهم الأميركي ومحور التطبيع، لا يغلب حضورهم هذا على حضور مثقفي وكتّاب ينتمون بدورهم إلى محور المقاومة، حيث كان واضحًا منذ اليوم الأول لافتتاح المعرض الحضور القوي للطرفين ما يعكس صورة الانقسام السياسي والثقافي الحاد في لبنان، ويوحي بتغيّر في المزاج الثقافي العام يتزامن وانطلاق "العهد الجديد" بقيادة رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام.
جاءت التواقيع، والتي شوهدت حتى اليوم، لتعزز انطباعًا بدأ يتبلور في نسخة العام الماضي (2025)، والتي شهدت بدورها التمزق الحزبي والسياسي المنعكس على المشهد الثقافي والمعرفي. غير أن هذا التحول يظل، بحسب مراقبين، محاطًا بالتساؤلات نتيجة المخاوف المستمرة من احتمالات تجدد الحرب من جهة، والانكفاء العربي الإقليمي من جهة أخرى.
المشاركة العربية والدولية.. حضور خجول وتوازنات إقليمية
يستضيف المعرض، في دورته الحالية، 163 دار نشر لبنانية وعربية، إلى جانب مشاركة مؤسسات أكاديمية وثقافية بارزة؛ مثل دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت (AUB Press)، المعهد الثقافي الفرنسي (IFL)، المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (IFPO)، وكرسي الشيخ زايد التابع للجامعة الأميركية.
مع ذلك، يبرز الحضور العربي بشكل محدود مقارنة بالسابق:
- المشاركات العربية البارزة: يُسجَّل حضور الباحث الدكتور خزعل الماجدي والروائي الجزائري واسيني الأعرج والروائي التونسي حبيب السالمي والشاعرة السورية الدكتورة نوال الحوار، إلى جانب الروائية اللبنانية نجوى بركات.
- غياب أسماء وقامات كبرى: تغيب قامات فكرية وأدبية بارزة لأسباب لوجستية أو شخصية، مثل الكاتب حازم صاغية والشاعر شوقي بزيع، فضلًا عن الغياب الملحوظ للشخصيات الأدبية والمؤسسات النشرية المصرية والسعودية.
- التوازن الإقليمي: يقتصر الحضور الخليجي، بشكل أساسي، على دولة قطر ممثلة بــــ"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، إضافة إلى مشاركة "دار الرافدين" (اللبنانية العراقية).
البرنامج الثقافي .. مئة فعالية بين الذاكرة والذكاء الاصطناعي
يحتضن المعرض برنامجًا ثقافيًا مكثفًا؛ يتضمن نحو 100 فعالية تتوزع بين ندوات ومحاضرات وأمسيات شعرية وموسيقية، إلى جانب برنامج الناشئة والأطفال وأنشطة يومية خاصة بهم، تتضمن عروض دمى ومحترفات رسم وتشجيعًا على اللغة العربية.
كما يبرز مهرجان "بيروت للكتب" (Beyrouth Livres 2026) بوصفه حدثًا موازيًا يدمج بين النشر الفرنكوفوني والعربي، مستضيفًا أكثر من 40 كاتبًا وفنانًا من تسع دول، بمشاركة أسماء فنية وأدبية مثل: رشيد الضعيف، ريما خشيش وعادل كرم.
معضلة الشباب والأجيال.. مشاركة في التوقيع وغياب عن القرار
على الرغم من الحركية التي يشهدها المعرض، تبرز إشكالية "مزمنة" ظهرت منذ سنوات، وهي وضعية جيل الشباب في هذا الحراك. منذ أربعة أيام على افتتاح المعرض، تبيّن حضورهم الشكلي في التواقيع. إذ يقتصر وجود جيل الشباب غالبًا على منصات توقيع إصداراتهم الخاصة داخل أجنحة دور النشر.
كما يُسجل غياب لافت للجيل الشاب عن منصات الندوات وحلقات النقاش الجادة، كذلك عن الهيئات الإدارية للمؤسسات المنظمة. إذ أعاد النادي الثقافي العربي السيدة سلوى السنيورة بعاصيري إلى الرئاسة عقب استقالة الدكتور حسن منيمنة، كما خلا المجلس الانتقالي لـ "نادي القلم اللبناني" من العناصر الشبابية باستثناء الروائية رينا مخللاتي. تفتح هذه الفجوة الجيلية الباب واسعًا أمام أسئلة التجديد والتطوير في أدوات الفعاليات الثقافية وإدارتها، ومدى قدرة هذه المؤسسات على استقطاب الطاقات الجديدة.
ختاما: بين أمل الكسر وشبح العزلة
يفتح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب لعام 2026 أبوابه يوميًا أمام القراء من الساعة 10:00 صباحًا حتى 9:00 مساءً، مع انطلاق الفعاليات والندوات عند الـ 4:00 عصرًا، محاولًا تقديم قراءة أولية لواقع ثقافي وسياسي يختبر قدرته على التجدد.
يبقى الرهان كبيرًا على هذه الدورة لتكون خطوة عملية؛ نحو كسر العزلة والخمول الثقافي واستعادة دور بيروت التاريخي؛ كونها حاضنة للفكر الحر والكلمة المسؤولة في العالم العربي.