التعليم الرسمي في لبنان بين عشوائية القرارات وحرمان الطلاب اللبنانيين من مقاعدهم

post-img

مصطفى عواضة (موقع العهد الإخباري)

تتفاقم أزمة التعليم الرسمي في لبنان مع استمرار غياب الحلول لملف نحو 3500 أستاذ متعاقد ومستخدم في المدارس الرسمية، لم يعودوا إلى عملهم رغم الحاجة الملحّة إلى خدماتهم لضمان انتظام العملية التربوية. وفي موازاة ذلك، أثار الإعلان عن اعتماد التعليم بعد الظهر للطلاب السوريين، قبل ضمان عودة الطلاب اللبنانيين إلى مقاعدهم بصورة منتظمة، اعتراضات واسعة في الأوساط التربوية، وسط تحذيرات من أن تؤدي القرارات المتسرعة وغياب المعالجة الجدية إلى مزيد من الإرباك في المدارس الرسمية.

وبين المطالبة بإنصاف العاملين في القطاع التربوي، والتأكيد على أولوية حق الطلاب اللبنانيين في التعليم، تتقاطع مواقف رئيس رابطة التعليم الرسمي حسين جواد ومنسق حراك المعلمين المتعاقدين حمزة منصور عند تحميل الجهات المعنية مسؤولية التأخير في معالجة الأزمة، والدعوة إلى خطوات عملية تنهي حالة الانتظار وتعيد الانتظام إلى المدارس.

حسين جواد: التلميذ اللبناني أولوية ولا يجوز أن يبقى خارج المدرسة

يؤكد رئيس رابطة التعليم الرسمي حسين جواد  في حديث لموقع العهد الإخباري أن ملف نحو 3500 أستاذ متعاقد ومستخدم في المدارس الرسمية لا يحتمل مزيدًا من المماطلة، ولا سيما أن هؤلاء يؤدون مهام أساسية لا تستطيع المدارس الاستمرار بصورة طبيعية من دونها. فالمسألة، بحسب جواد، لا تتعلق بمجرد إعادة موظفين إلى عملهم، بل بضمان الحد الأدنى من انتظام الإدارة المدرسية وتأمين الظروف اللازمة لانطلاق العام الدراسي.

ويوضح جواد أن الرابطة تحركت منذ اليوم الأول لظهور المشكلة، وتواصلت مع وزير التربية، ثم عقدت لقاءً معه استمر نحو ثلاث ساعات، جرى خلاله البحث في سبل إعادة العاملين إلى المدارس بصورة تدريجية ومرنة، ومعالجة الملف ضمن مهلة شهر. وقد احتُسبت هذه المهلة، وفق ما يشرح، اعتبارًا من 15 أيلول وصولًا إلى 15 تشرين الأول، على أساس أن تكون هذه الفترة كافية لوضع حل عملي.

لكن انقضاء المهلة لم يؤدِّ إلى معالجة شاملة، إذ اقتصرت الإجراءات التي ظهرت على إبلاغ عدد محدود من المدارس بإمكان إعادة بعض العاملين، فيما بقيت مدارس أخرى تنتظر الحل، رغم أن بعضها يضم نحو 120 أستاذًا متعاقدًا ومستخدمًا يحتاجون إلى العودة لممارسة مهامهم.

ويشير جواد إلى أن الرابطة تجنبت اللجوء إلى الإضراب في المرحلة الأولى، حرصًا منها على عدم تعطيل العام الدراسي والإضرار بالطلاب، إلا أن الإعلان عن اعتماد التعليم بعد الظهر للطلاب السوريين، في وقت لم تكن فيه عودة الطلاب اللبنانيين قد انتظمت، دفعها إلى اتخاذ موقف أكثر حزمًا.

وفي هذا السياق، يشدد على أن "التلميذ اللبناني أولوية"، رافضًا أن تتحول المدارس الرسمية إلى مؤسسات تؤمّن التعليم للطلاب السوريين فيما يبقى الطلاب اللبنانيون محرومين من مقاعدهم. ولا يعني هذا الموقف، كما يوضح، الاعتراض على حق الطلاب السوريين في التعليم، بل الاعتراض على إدارة الملف بطريقة لا تضمن حق الطلاب اللبنانيين، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها العائلات اللبنانية.

ويلفت جواد إلى أن استمرار التأخير يضع المدارس الرسمية أمام واقع غير مقبول، إذ لا يمكن مطالبة الأهالي بالانتظار إلى أجل غير محدد، فيما لم تتضح بعد آلية العودة إلى التعليم بصورة منتظمة. كما ينتقد بطء المعالجة وغياب جدول زمني واضح وملزم، معتبرًا أن حجم الملف لا يبرر استمرار التعثر، وأن تحديد الحاجات الفعلية للمدارس واتخاذ القرارات الإدارية اللازمة كانا كفيلين بتسريع الحل.

ويحذر من أن استمرار هذا الواقع سيزيد من فقدان الثقة بالمدرسة الرسمية، وسيطرح تساؤلات مشروعة لدى الأهالي بشأن مصير أبنائهم ومستقبل عامهم الدراسي. وبناءً عليه، يؤكد أن الرابطة لن تبقى مكتوفة الأيدي، وأن عدم عودة العاملين إلى المدارس خلال الأسبوع المقبل سيدفعها إلى التحرك مجددًا وتنظيم اعتصام احتجاجي للمطالبة بإنهاء الملف.

حمزة منصور: قرارات عشوائية تهدد انتظام العام الدراسي

من جهته، ينتقد منسق حراك المعلمين المتعاقدين حمزة منصور طريقة إدارة وزارة التربية للأزمة، معتبرًا أن القرارات المتخذة تفتقر إلى الوضوح والتخطيط، وأن نتائجها تنعكس مباشرة على الطلاب والعاملين في المدارس الرسمية.

ويشير منصور إلى أن نحو 3500 أستاذ متعاقد ومستخدم ممّن يتقاضون مستحقاتهم من صناديق المدارس لم يعودوا إلى عملهم، رغم أنهم يشكلون جزءًا أساسيًا من البنية الإدارية والتشغيلية للمؤسسات التربوية. فهؤلاء لا يؤدون مهام هامشية، بل تتوقف على وجودهم أعمال يومية ضرورية لاستمرار المدارس، ما يجعل تأخير إعادتهم عاملًا إضافيًا في تعطيل انتظام العام الدراسي.

ويستغرب منصور عدم تنفيذ الوعود السابقة المتعلقة بدراسة حاجات المدارس ورفع الملف إلى مجلس الخدمة المدنية لمعالجة أوضاع العاملين وتصحيحها، بما يتيح تنظيم أوضاعهم وفق الأطر الإدارية والأكاديمية المطلوبة. ويقول إن هذه الوعود لم تتحول إلى إجراءات ملموسة، فيما لا يزال العاملون ينتظرون حلًا ينهي حالة الغموض التي تحيط بمصيرهم الوظيفي.

وفيما يتعلق بالتعليم بعد الظهر للطلاب السوريين، يوضح منصور أن الاعتراض لا ينطلق من رفض تعليم هؤلاء الطلاب، بل من غياب المعالجة المتوازنة التي تضمن حق الجميع في التعليم. فوجود دعم دولي، بما في ذلك دعم من جهات أممية، لبرامج التعليم بعد الظهر لا يعفي وزارة التربية من مسؤوليتها عن تأمين التعليم للطلاب اللبنانيين، ولا يبرر ترك مدارسهم من دون انتظام أو إبقاء صفوف مقفلة بسبب نقص الكادر التعليمي والإداري.

ويحذر من أن الواقع في المدارس ليس واحدًا، إذ لا تزال بعض المؤسسات مقفلة، فيما تفتح أخرى أبوابها لساعات محدودة، أو تعجز عن تشغيل بعض الصفوف نتيجة نقص العاملين أو عدم توافر الأعداد اللازمة. ويرى أن هذه الصورة تعكس حجم التخبط في إدارة الملف، وتطرح علامات استفهام حول المعايير التي تُتخذ القرارات على أساسها.

ولا يفصل منصور هذه الأزمة عن سلسلة من الملفات العالقة التي تطال المعلمين والعاملين في التعليم الرسمي، وفي مقدمتها بدلات الإنتاجية ومستحقات تصحيح الامتحانات والوعود المرتبطة بها. ويؤكد أن المشكلة لا تكمن في نقص الوعود، بل في غياب التنفيذ والمحاسبة، ما يترك العاملين أمام أوضاع معيشية صعبة من دون ضمانات واضحة.

ويقر منصور بأن الإضراب يشكل وسيلة ضغط ممكنة، لكنه يشدد على ضرورة أن تكون التحركات النقابية مدروسة وفاعلة، لا مجرد خطوات رمزية لا تحقق النتائج المطلوبة. فالإضراب يحمّل المعلمين أنفسهم أعباء إضافية، من كلفة النقل إلى تراكم الديون والضغوط المعيشية، وهي أعباء تزداد قسوة على العاملين في المناطق الجنوبية الذين يعيشون ظروفًا استثنائية.

ومن هنا، يدعو منصور إلى تنظيم تحركات احتجاجية جدية، وفي مقدمتها الاعتصام السلمي أمام وزارة التربية، للضغط باتجاه تنفيذ المطالب ووضع حد للتأخير. ويرى أن التحرك المبكر كان من شأنه أن يمنع تفاقم الأزمة، وأن على الروابط والجهات النقابية الانتقال من تسجيل الاعتراضات إلى خطوات عملية تفرض معالجة الملف.

تكشف مواقف جواد ومنصور أن أزمة التعليم الرسمي لا تقتصر على تأخر عودة آلاف المتعاقدين والمستخدمين إلى أعمالهم، بل تمتد إلى مصير العام الدراسي برمته، في ظل مدارس لم تستعد انتظامها، وطلاب لا يحصلون جميعًا على فرص تعليم متكافئة، ووعود لم تُترجم إلى حلول.

وبينما يطالب جواد بإنهاء المماطلة وتحديد مهلة واضحة لإعادة العاملين إلى المدارس، يشدد منصور على ضرورة وضع حد لما يصفه بالعشوائية في القرارات ومحاسبة الجهات المسؤولة عن عدم تنفيذ التعهدات. ويلتقي الطرفان عند رفض تحميل الطلاب والعاملين نتائج التأخير الإداري، والتأكيد أن معالجة ملف المتعاقدين والمستخدمين شرط أساسي لاستعادة دور المدرسة الرسمية.

وفي موازاة ذلك، يبقى حق الطلاب السوريين في التعليم قائمًا، لكن ضمانه لا ينبغي أن يأتي على حساب حق الطلاب اللبنانيين أو أن يتحول إلى ذريعة لتجاهل الأزمات المتراكمة داخل المدارس الرسمية. فالمطلوب سياسة تربوية واضحة تضمن انتظام التعليم للجميع، وتؤمن الكوادر اللازمة، وتضع حدًا للقرارات المتضاربة والوعود المؤجلة.

ومع حلول الاستحقاقات الدراسية، لم يعد مقبولًا أن يبقى آلاف العاملين خارج مدارسهم، أو أن يظل الأهالي والطلاب أسرى الانتظار. فاستعادة الثقة بالتعليم الرسمي تبدأ بقرارات قابلة للتنفيذ، وبمعالجة جدية للملفات العالقة، وبإرادة سياسية وتربوية تضع حق الطلاب في التعليم وكرامة العاملين في صلب الأولويات. 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد