السعودية تتعثر.. فلماذا تُستدعى مصر إلى الحرب؟

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

حين تتعثر القوة في تحقيق أهدافها، لا تنتهي الحرب بالضرورة، إنما يبدأ البحث عن أطراف أخرى تتحمّل كلفتها، أو تمنحها ما ينقصها من قوة. هذا هو الواقع الذي تفرضه الدعوة المصرية إلى الاستعداد للدفاع عن السعودية، في لحظة تتداخل فيها عودة المواجهة في اليمن وإعادة ترتيب العلاقات السعودية- الإماراتية، وحديث أمريكي علني عن مساعدة إسرائيلية للرياض، مع طرح احتمال عودة التطبيع السعودي مع الكيان الغاصب إلى طاولة المفاوضات.

في 17 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن عبد الفتاح السيسي استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن السعودية إذا طلبت ذلك، مع التوجه إلى البرلمان للحصول على التفويض اللازم. في اليوم التالي، أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري استعداد القاهرة لتقديم الدعم الضروري للرياض. نحن إذًا أمام انتقال من إعلان الاستعداد السياسي إلى موقف رسمي أكثر وضوحا، لكن طبيعة المهمة العسكرية وحدودها لم تتحدد علنا لما يكفي حتى الآن. هذا التفصيل ليس إجرائيًا هامشيًا؛ لأن الفارق شاسع بين حماية الأراضي السعودية من هجوم مباشر، وبين الانخراط في حرب مفتوحة داخل اليمن، بما تحمله من أهداف وامتدادات إقليمية.

المشكلة التي تواجه الرياض ليست نقص السلاح أو المال، فالسعودية أنفقت على قدراتها العسكرية مبالغ ضخمة، واستندت طوال سنوات إلى دعم أمريكي وغربي واسع. مع ذلك، لم تنجح الحرب التي بدأها التحالف بقيادتها في العام 2015 في إخضاع أنصار الله أو فرض التسوية التي أرادتها. اليوم، مع تجدد الهجمات واتساع الضغط على منشآت ومواقع سعودية، يعود السؤال عن جدوى القوة التي امتلكتها المملكة والأسباب التي جعلت هذا التفوق العسكري عاجزًا عن إنتاج نتيجة سياسية حاسمة؟

لا يعني ذلك أن أنصار الله انتصروا في كل جبهة، أو أن خصومهم فقدوا القدرة على القتال. لكنه يعني أن الحركة اليمنية، والتي راهن خصومها على إضعافها وعزلها وإخضاعها، بقيت طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيب يخص مستقبل اليمن. هي ليست مجرد مشكلة أمنية طارئة على الحدود السعودية؛ إنها قوة يمنية سياسية وعسكرية تشكّلت في قلب صراع على السلطة والسيادة، وامتد أثرها إلى البحر الأحمر، واكتسب موقفها من الكيان الغاصب والحرب على فلسطين ثقلاً يتجاوز حدود الساحة اليمنية.

اختزال هذه المواجهة، في رواية دفاعية سعودية خالصة، يحجب جانبًا أساسيًا منها: من يملك القرار في اليمن، ومن يحدد مستقبل موانئه وسواحله، وأي قوى ستملك التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم؟ كما يحجب تاريخ الحرب نفسها، وما تركته من دمار وخسائر ومعاناة واسعة في اليمن. كما أن من يريد معالجة الخطر الأمني معالجة جادة، لا يستطيع فصل ما يحدث اليوم عن المسار الذي أنتج هذا الصراع، ولا عن مسؤولية القوى التي اختارت الحرب وسيلة لفرض إرادتها.

في 17 أكتوبر/تشرين الأول، نشرت صحيفة الغارديان تقريرًا عن تفاهم سعودي- إماراتي لاستئناف أبوظبي تمويل بعض القوات اليمنية المناوئة لأنصار الله، مقابل توفير الرياض غطاء جويًا لها. إذا صح هذا الترتيب كما ورد في التقرير، فهو يكشف أن الأطراف التي تملك المال والسلاح والنفوذ لا تزال تعيد تنظيم أدواتها لمواجهة التقدم الميداني لأنصار الله. كما يكشف أن الخلافات بين الرياض وأبوظبي، مهما بلغت، لا تمنع إعادة تنسيق المصالح عندما تتعرض حساباتهما في اليمن للضغط.

لكن التطور الأكثر دلالة جاء من واشنطن. إذ في 16 أكتوبر/تشرين الأول، تحدث دونالد ترامب علنا عن أن إسرائيل كانت مفيدة جدًا للسعودية، وعندما سئل عن قبول الرياض للمساعدة الإسرائيلية في مواجهة أنصار الله، أبدى تأييده لذلك؛ ثم ربط حديثه بإمكان عودة التطبيع السعودي- الإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات، قائلا إنه قد يعود «ربما أكثر من أي وقت مضى». وأضاف أن السعودية سعيدة بالحصول على الدعم الإسرائيل والأمريكي.

هذه تصريحات تستحق التوقف عندها، لا لأنها تثبت وحدها طبيعة المساعدة الإسرائيلية أو وجود اتفاق سري بين الأطراف، فذلك يحتاج إلى أدلة مستقلة، إنما لأنها تكشف كيف تُطرح الحرب اليمنية في الخطاب الأمريكي بصفتها مدخلاً محتملاً لتعميق التعاون بين الرياض والكيان الغاصب. إذ إن المساعدة العسكرية، إن وجدت، لا تعيش في فراغ سياسي، والتطبيع ليس مجرد تبادل سفارات أو علاقات اقتصادية، هو خيار يعيد ترتيب المصالح الأمنية في المنطقة، في وقت لا تزال فيه فلسطين تحت الاحتلال، وتتعرض قضيتها لمحاولات متواصلة لإخراجها من مركز الصراع العربي.

وسط هذه الترتيبات، يظهر الدور المصري المحتمل. ولا تكمن خطورته في مجرد مساندة دولة عربية تتعرض لهجمات، إنما في احتمال أن يتحول إعلان التضامن إلى التزام عسكري تتسع حدوده تدريجيًا، بينما تبقى أهدافه النهائية غير واضحة للرأي العام المصري. من يحدد طبيعة التهديد الذي ستواجهه القوات المصرية؟ هل يقتصر التكليف على حماية الأراضي السعودية، أم يمكن أن يمتد إلى عمليات داخل اليمن؟ وما المدة المتوقعة للمهمة، وما قواعد الاشتباك، ومن يملك قرار إنهائها إذا اتسعت الحرب؟

هذه أسئلة تتصل مباشرة باستقلال القرار المصري، ولا يكفي الرد عليها بالحديث عن عمق العلاقات مع السعودية أو أهمية الأمن العربي. إذ إن العلاقات بين الدول لا تلغي اختلاف المصالح، والروابط السياسية والاقتصادية لا تعفي أي سلطة من تقديم تفسير واضح لما تطلبه من قواتها المسلحة. مصر ليست طرفًا بلا مصالح في هذه الحرب؛ إنها دولة ترتبط أمنيًا واقتصاديًا بالبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، وأي اتساع للمواجهة قد ينعكس على الملاحة والتجارة وإيرادات القناة، فضلاً عن احتمالات التصعيد على حدود المجال الحيوي المصري.

الأخطر أن تتحول المصالح المصرية إلى بند تابع في حسابات صاغها آخرون. إذ إن حماية السعودية من الهجمات شيء، والمشاركة في حرب هدفها إخضاع أنصار الله أو إعادة تشكيل التوازنات اليمنية شيء آخر. كما أن الدفاع عن أمن دولة عربية لا يستلزم منح أي طرف خارجي حق تحديد أعداء مصر وأولوياتها، أو إقحامها في ترتيبات تتقاطع فيها المصالح السعودية والإماراتية والأمريكية والإسرائيلية، من دون أن تكون القاهرة صاحبة الكلمة الأولى في تحديد غايات مشاركتها وحدودها.

كما لا يجوز افتراض أن مصر استُدرجت بالفعل إلى خطة مكتملة، ولا أن مجرد إعلان الاستعداد يعني حتمية إرسال قوات. لكن لا يجوز، أيضا، التعامل مع التطورات بصفتها أحداثًا منفصلة لا رابط بينها. تعثر الحرب، وإعادة تنسيق الأدوار السعودية والإماراتية، والتصريحات الأمريكية عن المساعدة الإسرائيلية والتطبيع، ثم طلب الدعم المصري، كلها تطورات تجعل تحديد طبيعة الدور المصري ومصلحته أمرًا لا يحتمل الاكتفاء بالعموميات.

أما البرلمان، فالتفويض ليس إجراء شكليًا يضفي شرعية لاحقة على قرار اتخذته السلطة، وإنما فرصة لانتزاع إجابات محددة قبل تحمّل مسؤولية الحرب: ما المهمة؟ أين ستنفذ؟ ما حدودها؟ ما المصلحة المصرية المباشرة؟ وكيف يمكن منع تحول الدعم الدفاعي إلى مشاركة مفتوحة في نزاع لا تملك مصر وحدها تحديد نهايته؟

إذا كانت الرياض تحتاج إلى دعم عسكري إضافي، وإذا كانت أبوظبي تعيد تمويل قوى محلية، وإذا كان ترامب يتحدث عن دور إسرائيلي وعن تطبيع قد يتقدم بالتوازي مع المواجهة، فإن القاهرة مطالبة بأن تحدد موقعها بنفسها، لا أن تكتفي بتلبية نداء عام للدفاع عن السعودية. ذلك أن الدول لا تقاس فقط بقدرتها على إرسال قواتها إلى حروب الآخرين، إنما بقدرتها على معرفة متى يكون التدخل دفاعًا عن أمنها، ومتى يصبح مدخلاً لتحميلها كلفة صراع تتجاوز أهدافه المعلنة.

مصر التي تدرك قيمة باب المندب وقناة السويس، وتعرف أن استقرار اليمن جزء من أمن البحر الأحمر، لا ينبغي أن تتعامل مع اليمن بصفته ساحة بعيدة يمكن حسمها بمزيد من القوة. المطلوب ليس توسيع الحرب حتى تتغير موازينها مؤقتا، بل فهم لماذا عجزت سنوات الحرب عن إنتاج تسوية، ولماذا تعود الأطراف نفسها إلى استدعاء مزيد من القوة كلما اصطدمت بحدود قدرتها على فرض إرادتها؟

قبل أن تقرر مصر كيف تدافع عن السعودية، عليها أن تعرف بدقة أي حرب يُطلب منها أن تدخلها، ولمصلحة أي تسوية، وبأي ثمن على أمنها ومصالحها وقرارها المستقل؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد