فادي الحاج حسن/ كاتب لبناني
تنصّ المادة 48، من دستور أذربيجان، على حرية التعبير، وتقرّ لكل شخص أن يعتنق ما شاء من الأديان أو ألّا يعتنق أيًّا منها، فيما تقرّر المادة 18 فصل الدين عن الدولة. هذا على الورق. أما على الأرض؛ فدولةٌ تعلن علمانيتها هي نفسها التي تفحص الكتب الدينية، وتعيّن أئمة المساجد، وتقرّر من يحقّ له أن يؤمّ المصلّين.
بين النص الدستوري وقانون "حرية المعتقد الديني" لعام 2009، ثم تعديلات حزيران/يونيو 2021 وآذار/مارس 2022، اتسعت الفجوة حتى بدا الضمان الدستوري أقرب إلى واجهة منه إلى قاعدة، وهو ما يستحق قراءة نقدية هادئة لا تتهم المعتقدات؛ إنما تسائل الأدوات.
هذه المفارقة أبعد من الصياغة القانونية. إنها صورة لما سمّاه عالم اجتماع والفيلسوف والمفكّر الفرنسي بيير بورديو(1930-2002) "العنف الرمزي": سلطة تفرض تصنيفاتها بوصفها بديهيات، فيغدو الامتثال لها أمرًا طبيعيًا، وقد يُنظر إليه فضيلة".
سنتتبّع هنا ثلاث آليات قانونية، ثم نفسّرها سوسيولوجيًا، ثم نعود إلى سؤال يتجاوز أذربيجان: ما معنى أن يكون المرء حرًّا في ما يؤمن به؟
أولًا- القانون حين يصير أداة ضبط
الآلية الأولى هي التسجيل الإلزامي. لا تمارس الجماعة الدينية نشاطها قبل أن تُقيَّد لدى «State Committee for Work with Religious Organizations» (SCWRA)، والقيد نفسه امتحان. إذ يُطلب منها أن تجمع أسماء خمسين مؤسسًا بالغًا مع صور هوياتهم، وتقدّم معلومات عن تقاليدها ومواقفها من الأسرة والزواج والتعليم. رُفضت طلبات مساجد مستقلة وجماعات بروتستانتية وجماعات لشهود يهوه، أو تُركت بلا جواب. إحدى هذه الجماعات، في مدينة غانجا، قدّمت طلبها في تموز/يوليو 2010 ولم تتلقَّ الرفض إلا في أيار/مايو 2016، وبما أن النشاط غير المسجَّل محظور أصلًا، يصير الحق في الاعتقاد مشروطًا بإذن إداري مسبق.
الآلية الثانية تخصّ التعليم والأدبيات. اللجنة ذاتها تراقب الكتب الدينية للأتباع الأديان جميعها، وتشرف على المؤسسات التعليمية الإسلامية، وتجيز بناء أي دار عبادة أو ترميمها أو تمنع ذلك. منذ العام 2018 لم تُبقِ الدولة سوى «Azerbaijan Theological Institute» مؤسسةً وحيدة للتعليم الديني العالي، بعد إغلاق «Baku Islamic University» وعدم الاعتراف بنحو 3500 شهادة منحتها. جاءت تعديلات كانون الأول/ديسمبر 2015 لتمنع من درس الدين في الخارج من إقامة الشعائر الإسلامية إلا بإذن، ومعها المادة 168-1 من قانون العقوبات. أول من عوقب بها، وهو الوحيد المعروف بالإمام سردار بابايف: ثلاث سنوات سجنًا، من شباط/فبراير 2017 إلى شباط/فبراير 2020، بسبب قيادته الصلاة. وفي آذار/مارس 2022 انتقلت صلاحية تسمية الأئمة في المساجد جميعها من «Caucasian Muslim Board» إلى اللجنة نفسها
الآلية الثالثة هي لغة الأمن والتطرف. إذ إن القانون يُلزم الدولة والمواطنين بمكافحة «التطرف الديني»، وقد وصفت الحكومة تعديلات آذار/مارس 2022 بأنها لازمة للحماية من النفوذ الأجنبي ومنع الإرهاب، فيما تواصلت الملاحقات بحق أشخاص مرتبطين بـ«Muslim Unity Movement» التي تصفها السلطات بالمتطرفة وتتهمها بتلقي تمويل إيراني (U.S. Department of State، 2023).
في تشرين الأول/أكتوبر 2021؛ اعتُقل خمسة من أبرز الدعاة الشيعة. لا يقف الأمر عند الجماعات المنظّمة؛ فقد خلصت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في العام 2021 إلى أن تغريم نساء من شهود يهوه لمجرد حديثهن عن إيمانهن انتهاك لحقوقهن. للرواية الرسمية حجتها: فمسؤول في اللجنة يرى أن تعيين الدولة للإمام لا يناقض العلمانية، ويستشهد بالنموذج التركي، غير أن نائبًا في البرلمان وصف التعديل نفسه بأنه غير دستوري. في هذا السياق؛ أوصت «USCIRF»، في تقريرها لعام 2024 وللمرة الأولى، بإدراج أذربيجان ضمن «الدول المثيرة للقلق الخاص»، في تقييم شمل كذلك ملف التراث الديني الأرمني (USCIRF، 2024). والخيط الذي يجمع هذه الوقائع أن الفعل الديني الفردي، من إمامة صلاة إلى حديث عن الإيمان، يُقرأ بوصفه خطرًا محتملًا قبل أن يثبت العكس.
ثانيًا- لماذا تفعل الدولة ذلك؟
الجواب الأقصر أن الدين يصنع الولاء، والدولة التي تريد احتكار الولاء لا تتسامح مع منافس. غير أن النظرية تفصّل هذا الجواب.
عند عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إميل دوركهايم ليس الدين مجرد عقيدة؛ هو ما يشدّ الجماعة إلى مقدّساتها المشتركة، وطقوسه تجدّد التضامن بين أفرادها؛ فإذا أدركت الدولة ذلك لم تكتفِ بالسماح بالدين، بل سعت إلى إدارته كي يعمل هذا التضامن لحسابها: إمام تعيّنه اللجنة وتعيد تعيينه كل خمس سنوات، ومجلس ديني رسمي يدعو المؤمنين ورجال الدين إلى الامتثال الكامل لأي تعديل مقبل، فتثني اللجنة على ذلك بوصفه التزامًا بالدولة وبالمصالح الوطنية يمكن أن نسمّي هذا، توسّعًا، «دينًا مدنيًا» مواليًا، وهو توصيف تحليلي لا ينسبه دوركهايم إلى نفسه.
مع ميشيل فوكو الفيلسوف الفرنسي ننتقل من المعنى إلى التقنية. السلطة لا تعمل بالمنع وحده، بل بإنتاج معرفة بالأفراد تمكّنها من توجيههم: سجلّ تأسيس بخمسين اسمًا، وأسئلة عن الأسرة والزواج، وكتاب يُفحص قبل أن يُقرأ، وإمام يُعاد تعيينه دوريًا. هكذا يتحول المعتقد، وهو باطنيّ بطبعه، إلى ملفّ يُقرأ ويُحاسَب. إن أنجع أشكال الضبط عنده ما يجعل الفرد يراقب نفسه؛ فالمصلّي الذي يعلم أن لإمامه رقيبًا سيراجع كلامه قبل أن يُقال. والجسد حاضر في المشهد حرفيًا: ثلاث سنوات سجن لرجل صلّى بالناس، وغرامات تعادل أشهرًا من الأجور لنساء تحدثن عن إيمانهن.
أما تشارلز تيلي، وهو عالم اجتماع ومؤرّخ أميركي، يعيدنا إلى سؤال بناء الدولة: الدولة تتكوّن بتركيز وسائل الإكراه وتصفية من يملك سلطة موازية. لم يكتب تيلي عن أذربيجان، لكن منطقه يفسّر الحساسية من المساجد المستقلة ومن التعليم الذي لا يمرّ عبر اللجنة. الجماعة التي تملك مرجعها وتمويلها وأئمتها قادرة على أن تمنح الناس سببًا للطاعة غير سبب الدولة. في هذا بالذات يكمن تنافسها على الشرعية. ويبدو أن للجغرافيا السياسية دورًا هنا: فالتديّن الشيعي العابر للحدود يُقرأ بريبة، وهي ريبة يغذّيها اتهام إيران بالتمويل.
يأتي، بعد ذلك الإرث السوفياتي. ثمة فرق بين علمانية الحياد، حين تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع وعلمانية الوصاية، حين تفصل الدولة الدين عن السياسة لتحتكر إدارته لا لتحرّره. النمط الثاني يحمل بصمات الحقبة السوفياتية التي أخضعت الدين لإدارات رسمية وجعلته شأنًا يُرخَّص له. هذا استنتاج تفسيري لا واقعة موثّقة: المصادر تصف البنية الحالية، أما الصلة بالماضي فقراءة تحتاج إلى بحث تاريخي أعمق. المحصّلة أن الدين لا يُضبط، هنا، لأنه يهدد النظام العام، بل لأن استقلاله يفترض في المجتمع سلطة أخرى غير سلطة الدولة.
ثالثًا- حق الاختيار ليس منّة من الدولة
في هذا الميدان يتبدل الميزان من التفسير إلى الدفاع. الحرية الشخصية ليست هبة تمنحها الدولة وتسحبها متى شاءت؛ هي حق يسبق الدولة ويقيّدها. المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تكفل حرية الفكر والوجدان والدين، ومنها حرية تغيير الدين أو المعتقد وإظهاره بالتعليم والممارسة والشعائر، منفردًا أو مع جماعة. أيضًا المادة 9 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تقرّ الحق نفسه، ولا تجيز تقييده إلا بنص قانوني وبقدر ما تقتضيه ضرورة في مجتمع ديمقراطي. أذربيجان طرف فيها منذ العام 2002، وقد خلصت المحكمة الأوروبية مرارًا إلى وقوع انتهاكات بحقها والترخيص المسبق لكل نشاط ليس استثناءً تتحدث عنه المادة، بل قاعدة مقلوبة: الأصل فيها المنع والإباحة هي الاستثناء.
في القرآن الكريم ما يسند هذا الحق: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، و﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، و﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. وللإنسان في ضميره وبيته ستر لا تمسّه الرقابة: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، والنهي عن دخول البيوت بغير استئذان [النور: 27]. وقد عدّ الطاهر بن عاشور، وهو عالم تونسي من أبرز علماء الشريعة واللغة والفكر الإسلامي في العصر الحديث، الحرية مقصدًا من مقاصد الشريعة. ليس في هذا كله هجوم على معتقد بعينه؛ النقد موجّه إلى الآلية وحدها. إذ إن الانتكاسة الإنسانية تقع حين تتحول العلاقة بين الفرد وربّه من صلة وجدانية إلى ملف أمني.
الدولة التي تُحصي المعتقدات لا تحمي المجتمع بقدر ما تعيد تشكيله. قد يتعلم الناس، مع الوقت، أن الصمت أسلم من الصدق، وأن إمام مسجدهم المعيّن بقرار إداري لا يُؤتمن على ما لا يُقال. من يرى في هذا الصمت استقرارًا قد يخطئ قراءة المجتمع؛ فالاستقرار القائم على الخوف هشّ عند أول صدع. فما الأثر الاجتماعي لهذا كله في أذربيجان على المدى البعيد: أيُنتج انضباطًا يطمئن إليه الحاكم، أم تديّنًا صامتًا يتشكّل بعيدًا عن أعين الدولة وخارج مؤسساتها، وأقلّ استعدادًا للحوار معها، وكيف سيبدو الرابط بين المواطن ومجتمعه حين يصبح الإيمان شأنًا يُدار بالترخيص لا بالضمير؟
ابن عاشور، محمد الطاهر. (2001). مقاصد الشريعة الإسلامية (محمد الطاهر الميساوي، محقق؛ ط. 2). دار النفائس.
الأمم المتحدة. (1948). الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (قرار الجمعية العامة 217 ألف [د-3]).
بورديو، بيير، وباسرون، جان كلود. (1994). العنف الرمزي: بحث في أصول علم الاجتماع التربوي (نظير جاهل، مترجم). المركز الثقافي العربي.
دوركهايم، إميل. (2019). الأشكال الأولية للحياة الدينية: المنظومة الطوطمية في أستراليا (رندة بعث، مترجمة). المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (العمل الأصلي نُشر 1912)
فوكو، ميشيل. (1990). المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن (علي مقلد، مترجم). مركز الإنماء القومي. (العمل الأصلي نُشر 1975)
القرآن الكريم. (برواية حفص عن عاصم).
مجلس أوروبا. (1950). الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
Corley, F. (2022, March 14). State appointment of all imams now in law. Forum 18 News Service. https://www.forum18.org/archive.php?article_id=2726
U.S. Department of State. (2023). 2022 report on international religious freedom: Azerbaijan. Office of International Religious Freedom. https://www.ecoi.net/de/dokument/2091910.html
United States Commission on International Religious Freedom. (2024). Annual report 2024. https://www.uscirf.gov/annual-reports