تتقاطع تداعيات التطورات الميدانية والاعتداءات العسكرية المباشرة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، في جنوب لبنان، مع واقع زراعي مأزوم، يضع الأمن الغذائي والمعيشي لآلاف العائلات اللبنانية على محك أزمة مستمرة. مع انطلاق موسم قطاف الزيتون، تظهر البيانات مسارًا دقيقًا يتعثر فيه القطاع جراء المخاطر الأمنية الناجمة عن مخلّفات الحرب الإسرائيلية غير المنفجرة، وشروط الاحتلال التعجيزية، بالتزامن مع تمدد الآفات الحشرية والأمراض النباتية التي تهدد جودة المحصول. يوضح هذا الرصد الرقمي حقائق الإنتاج، مفككًا الفجوة العميقة بين صمود المزارع الجنوبي المرتبط تاريخيًا بشجرة الزيتون رمزًا للوجود والثبات، وبين غياب المسح الميداني الشامل للأراضي والقصور اللوجستي الرسمي في إزالة الأجسام المشبوهة.
من هذا المنطلق، يفتح هذا التقرير كواليس الأثر البيئي وحجم خسائر المداخيل، مفندًا تفاصيل التقصير الرسمي في ترك المزارعين بمواجهة مباشرة مع فوهات المدافع الإسرائيلية وتحديات الإنتاج المرتفعة.
1- الجذور التاريخية والأبعاد التنموية لزراعة الزيتون في الجنوب
يرتبط تفكيك ملف الزراعة المحلية بمسح الإرث البنيوي الممتد لشجرة الزيتون، والتي تمثل ركيزة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأسر:
أ- التثبيت التاريخي في الأرض: تعود زراعة الزيتون في جنوب لبنان لآلاف السنين، حين تحولت حقول زيتون العرقوب وبنت جبيل وصور إلى جزء من هوية الإنسان وتجذره البشري. الشجرة في الوجدان الجنوبي ليست مجرد استثمار تجاري، هي صلة وصل عضوية تربط المزارع بأرضه وتاريخ أجداده، ما يجعل التخلي عنها مرادفًا لإخلاء الهوية.
ب- خط الدفاع المعيشي غير المركزي: تمثل شجرة الزيتون تاريخيًا صمام الأمان الحقيقي لمنع الهجرة الريفية نحو المدن؛ إذ تعتمد أكثر من 70% من البلدات الجنوبية على العائدات السنوية لـ"الذهب الأخضر" لتأمين المونة السنوية وتغطية مصاريف المعيشة والتعليم والطبابة، ما جعلها مستهدفة بشكل دائم من العدوان الإسرائيلي لكسر مقومات الصمود الذاتي.
ج- الإصرار الميداني على جني الجنى: تعكس الوقائع التاريخية أن المزارع الجنوبي لا يتخلى عن شجرته تحت أحلك الظروف؛ فعودة الأهلي المباشرة فور توقف العمليات العسكرية لجني محاصيلهم تكشف نمط مقاومة واعية تحول دون استيلاء الاحتلال الإسرائيلي على الحقول أو تحويل الأراضي إلى مشاعات مهجورة.
2- واقع زراعة الزيتون في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة في العام 2026
تخضع القدرة التشغيلية والاستيعابية للأراضي الزراعية لضغط حاد نتيجة حجم الخسائر المالية والميدانية التراكمية الناجمة عن القصف الإسرائيلي المستمر:
أ- بيانات الأضرار والخسائر لوزارة الزراعة: أكدت التقارير الرسمية لوزارة الزراعة اللبنانية لعام 2026 أن حجم الأراضي الزراعية المتضررة بفعل الاعتداءات الإسرائيلية تجاوز حاجز 56 ألف هكتار، فيما بلغت القيمة الإجمالية المسجلة لخسائر الإنتاج الزراعي المباشر نحو 530 مليون دولار أميركي.
ب- مؤشرات التدمير البيئي لوزارة البيئة: تكشف البيانات التوثيقية لوزارة البيئة عن احتراق 16 ألف هكتار من الأحراج والأراضي الزراعية بالقصف الفسفوري الإسرائيلي، وتضرر 2000 هكتار إضافية بشكل مباشر جراء رش العدو الإسرائيلي لمبيد "الجليفوسات" الحارق، فضلًا عن تراكم 26 مليون طن من الركام والأنقاض الناتجة عن تدمير الوحدات السكنية.
ج- حصيلة الشهداء الميدانية في الكروم: تحول الدخول إلى حقول جني الزيتون في حدود "الحزام الأمني" إلى مغامرة دموية؛ حيث سجل مستهل الموسم سقوط ثلاثة شهداء (السبعيني علي سويدان في ياطر بقذيفة دبابة إسرائيلية مباشرة، والمهندس حسن رمضان في فرون والمؤهل إدغار جلو في عين إبل جراء انفجار مخلفات وقنابل إسرائيلية غير منفجرة).
3- كواليس الأزمة الهيكلية والتوجهات التنفيذية لمكافحة الآفات
تتشابك أزمة تراكم المخاطر العسكرية لجيش الاحتلال مع تمدد التحديات البيئية والأمراض النباتية، ما يتطلب معالجات فنية مستدامة:
أ- المحددات الأمنية واللوجستية في الميدان:
1- الشروط الميدانية التعجيزية لجيش الاحتلال الإسرائيلي: فرض جيش الاحتلال شروطًا تعجيزية وغير آمنة على أهالي كفرشوبا وقرى العرقوب للسماح بالقطاف، تمثلت في حصر الدخول بـ 100 شخص و25 سيارة فقط، وإلزامهم بإنهاء العمل في يوم واحد ومن دون أي ضمانات أمنية.
2- اختفاء مخلفات الحرب تحت الغطاء النباتي: حذر تجمع مزارعي الجنوب من خطورة القنابل العنقودية والمخلفات الإسرائيلية غير المنفجرة المدفونة في الحقول التي لم تُخدَم منذ سنتين؛ حين يؤدي نمو الأعشاب الكثيفة إلى حجب الأجسام المشبوهة وتصعيب اكتشافها.
3- عجز القدرات اللوجستية والمسح الميداني: يواجه مكتب نزع الألغام في الجيش اللبناني نقصًا حادًا في الإمكانات اللوجستية والتمويلية التي تمنعه من إجراء مسح شامل للبساتين المتاحة، وسط غياب تام للجمعيات الدولية المتخصصة التي عملت في الميدان سابقًا.
4- ارتفاع المصاريف التشغيلية وعزوف التجار: يواجه أصحاب المعاصر أعباء قياسية جراء غلاء أسعار المحروقات وتكاليف التشغيل وغلاء أجور اليد العاملة والضمان وتراجع وصول تجار الجملة، واضطرار المزارعين؛ لسلوك طرق شحن وعرة وخطرة لتصريف الزيت نتيجة استهداف الطرق الأساسية من العدو الإسرائيلي.
ب- مكافحة الآفات الزراعية الحشرية والفطرية المستجدة:
1- ذبابة ثمار الزيتون: تُصنف بأنها أخطر الآفات الحشرية؛ حيث تضع بيضها داخل الثمار لتتغذى اليرقات على اللب، ما يؤدي إلى تلف الثمار وتساقطها وارتفاع حموضة الزيت وتراجع جودته التجارية، تُكافح بمادة الكاولين العضوية أو بمبيدات السبينوساد والاندوكساكارب كيميائيًا.
2- عثة الزيتون وفراشة الياسمين: تتغذى يرقاتها على الأوراق والبراعم الزهرية والنموات الحديثة، ما يسبب تساقط الأزهار وإضعاف النمو الخضري للبساتين، وتُكافح بمستحضرات بكتيريا الباسيليوس تورنجنسيس الحيوية، أو كيميائيًا بالدلتامثرين واللمبداسيهالوثرين.
3- فطر عين الطاووس والذبول الفيرتيسيليومي وسل الزيتون: أمراض فطرية وبكتيرية تنتشر في المناطق الرطبة وتصيب الأوعية الناقلة للماء والأغصان مسببة تساقط الأوراق وجفاف الفروع وظهور الأورام البكتيرية جراء جروح التقليم، وتُكافح بالتقليم المتوازن لتحسين التهوية ورش المركبات النحاسية (الجنزارة) وتعقيم الأدوات وطلي الجروح بالماستيك.
من هذا المنطلق، إن الدولة اللبنانية، بأركانها ومؤسساتها الدستورية والتنفيذية، مطالبة اليوم بالخروج من مربع الصمت والوعود الإدارية الواهية، وتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية والوطنية الكاملة إزاء مزارعي جنوب لبنان الصامدين الذين يدفعون ثمن التمسك بالسيادة والأرض من دمائهم وأرزاقهم في وجه العدوان الإسرائيلي الغاشم.
إن معطيات الخسائر الفادحة التي تجاوزت نصف مليار دولار، وفقًا لتقارير وزارة الزراعة، وتمدد حقول الألغام والآفات الحشرية، تؤكد حقيقة صارمة واحدة: إن تمسك المواطن الجنوبي بأرضه وشجرة زيتونه المعمرة والأصيلة ليس ترفًا أو خيارًا عابرًا، هو صرخة وجود وثبات وطني تتطلب من السلطة المركزية اللبنانية الاستيقاظ الفوري والقيام بمسؤولياتها الكلية وعدم ترك الأسر فريسة سهلة للعدوان الإسرائيلي والانهيار الاقتصادي.
إن الحكومة ملزمة عاجلًا بإعلان طوارئ زراعي وبيئي كاملة؛ لتوفير الدعم المالي واللوجستي المباشر لمكتب نزع الألغام في الجيش اللبناني، وضمان ممرات ومظلات أمنية دولية حاسمة لعمليات القطاف بالتعاون مع اليونيفيل، وتأمين المحروقات والمبيدات المدعومة لمعالجة البساتين والمنشآت الحيوية. إن صون الكرامة الإنسانية وحق المزارع اللبناني في جني جنى عمره بأمان هو جوهر السيادة الدستورية التي لا يجوز شطبها لمصلحة حسابات التسويف أو التقصير الرسمي المستمر من رئاسة الوزراء لجان الإغاثة والوزارات المعنية، والتي تترك المزارع وحيدًا في مواجهة حقول مفخخة وشروط عسكرية تعجيزية صارمة.
1- وزارة الزراعة ومصلحة الأبحاث العلمية الزراعية في لبنان: البيانات الرسمية الصادرة عن الوزارة بشأن مساحات الأراضي المتضررة وقيمة خسائر الإنتاج، والتقرير الفني لرئيس فرع الزيتون د. ميلاد الرياشي لعام 2026.
2- وزارة البيئة اللبنانية ومحاضر مجلس الوزراء: الأرقام والمسوحات الميدانية الصادرة عن وزيرة البيئة د. تمارا الزين بشأن كلفة الأضرار وحجم الأنقاض وحرق الأحراج لعام 2026.
3- اتحادات بلديات العرقوب وبنت جبيل وتجمع مزارعي الجنوب: المحاضر الرسمية والتصريحات الدورية المنشورة لرئيس التجمع محمد الحسيني ورؤساء البلديات المحلية لعام 2026.
4- المراسلات الميدانية للصحافة المحلية اللبنانية: التحقيقات الميدانية والشهادات التوثيقية المأخوذة من المزارعين وأصحاب المعاصر جراء القصف والمخلفات الإسرائيلية في الجنوب والعرقوب لعام 2026.