د. فؤاد زمكحل (صحيفة الجمهورية)
في ظلّ الانهيار المالي والنقدي والاقتصادي المستمر، وتعثر معالجة الفجوة المالية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة حقوق المودعين، يعود ملف الذهب اللبناني إلى الواجهة، ليس فقط بسبب ارتفاع قيمته، بل أيضاً نتيجة المخاطر المحيطة به والفرص الممكنة للاستفادة منه في إعادة بناء الاقتصاد.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل المطلوب إبقاء الذهب مجمّداً، فيما الاقتصاد ينهار والبنى التحتية تتآكل والمودعون ينتظرون أموالهم؟ أم يمكن تحويل جزء من قيمته إلى رافعة للإستثمار والنمو، من دون التفريط بهذه الثروة السيادية؟
الاحتياطي اللبناني
يمتلك لبنان نحو 286,8 طناً من الذهب، أي ما يقارب 9,22 ملايين أونصة، منها حوالى 60% محفوظة في لبنان و40% في الولايات المتحدة الأميركية. وقد بلغت قيمة هذه الاحتياطات نحو 39 مليار دولار في أيلول 2026، وهي قيمة تتغيّر باستمرار مع تقلّبات الأسعار العالمية. لكنّ امتلاك الذهب شيء، والقدرة على حمايته والاستفادة منه شيء آخر تماماً.
أولاً، مخاطر الحجز أو التجميد في الخارج، إذ إنّ وجود نحو 40% من احتياطاتنا الذهبية خارج الأراضي اللبنانية يطرح تساؤلات مشروعة حول الحماية القانونية لهذه الموجودات، خصوصاً في ظلّ النزاعات المالية والقضائية المحتملة. وعلى الرغم من أنّ أصول المصارف المركزية تتمتّع بحصانات قانونية خاصة، فإنّ هذه الحماية ليست مطلقة في جميع الظروف. ولا يعني ذلك وجود قرار فعلي بالحجز على الذهب اللبناني، بل ضرورة التحوّط والحصول على ضمانات قانونية واضحة.
ثانياً، المخاطر الجيو سياسية والدولية، إذ أثبتت التجارب العالمية، أنّ الاحتياطات السيادية الموجودة خارج الحدود قد تتأثر بالعقوبات والصراعات والقرارات السياسية. لذلك، لا بدّ من تقييم دوري للمخاطر المرتبطة بمكان حفظ الذهب وإمكانية الوصول إليه.
ثالثاً، المخاطر الداخلية، وربما هي الأخطر، إذ تتمثل في سوء الإدارة واستخدام الذهب لتمويل العجز والهدر وتغطية خسائر الماضي. فالذهب ليس صندوقاً لتمويل النفقات الجارية، ولا يجوز تحويل آخر ضمانات الدولة إلى وسيلة جديدة لتأجيل الإصلاحات.
كيف نحمي الذهب؟
إنّ حماية الذهب لا تعني بالضرورة تجميده إلى الأبد، ويُمكن دراسة ثلاثة مسارات مالية واستثمارية، ضمن إطار قانوني صارم، خصوصاً أنّ القانون الرقم 42 لعام 1986 يمنع التصرُّف باحتياطات الذهب من دون إجازة تشريعية.
المسار الأول، هو إنشاء صندوق استثماري سيادي مستقل، يخضع لحوكمة شفّافة ورقابة دولية، ويهدف إلى تعبئة تمويل طويل الأجل لمشاريع إنتاجية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة بيع الذهب أو نقل ملكيّته.
أمّا المسار الثاني، فيتمثل في دراسة إمكانية استخدام جزء محدود ومدروس من الذهب، كضمان للحصول على تمويل استثماري طويل الأجل، شرط حماية الاحتياطي من مخاطر التعثر والحجز، وعدم تحميله التزامات تتجاوز قدرة المشاريع على السداد.
والمسار الثالث، يقوم على دراسة أدوات مالية، تسمح بتحقيق عائدات من إدارة جزء من الاحتياطي، من دون بيع نهائي له، مع إدراك أنّ هذه العمليات تنطوي على مخاطر، وأنّ الذهب لا يدرّ أرباحاً تلقائياً.
استثمار العائدات
والقاعدة الأساسية يجب أن تكون واضحة: نحافظ على أصل الثروة، ونستثمر فقط في العائدات الصافية المحقّقة فعلياً، لا في الأرباح الدفترية أو الافتراضية.
إذا نجحنا في تعبئة موارد استثمارية، أو تحقيق عائدات مستدامة ضمن آليات آمنة ومدروسة، فإنّه يجب توجيهها نحو ثلاثة أهداف أساسية:
أولاً، إعادة بناء قطاع الكهرباء، من خلال تمويل الإنتاج والشبكات والطاقة المتجدّدة، بالتوازي مع إصلاحات جذرية وحوكمة مستقلّة وشراكات شفافة مع القطاع الخاص. فلا يمكن بناء اقتصاد تنافسي من دون كهرباء مستدامة.
ثانياً، المساهمة في استعادة جزء من حقوق المودعين، عبر تخصيص قسم من العائدات الفعلية لدعم خطة عادلة وطويلة الأجل، من دون إعفاء الدولة أو مصرف لبنان أو المصارف من مسؤولياتها في معالجة الخسائر.
ثالثاً، تمويل النمو الاقتصادي والاستثمارات المنتجة، عبر دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والصناعة والتكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال، بما يخلق فرص عمل ويُعيد استقطاب الرساميل والكفاءات اللبنانية.
المدخل بالشفافية والمحاسبة
لكنّ أي مشروع من هذا النوع، يجب أن يبدأ بالشفافية والمحاسبة، عبر تدقيق مستقل في احتياطات الذهب داخل لبنان وخارجه، وضمانات قانونية واضحة، وإدارة استثمارية محترفة ومستقلة عن التجاذبات السياسية.
في المحصّلة، إنّ الذهب ليس الحل السحري، لكنه قد يكون جزءاً من الحل، فلا يجوز أن نبيعه لتمويل العجز، أو أن نرهنه لتغطية خسائر الماضي، كما لا يجوز تجاهل إمكاناته الاقتصادية من دون دراسة جدّية. فالتحدّي ليس في تحويل الذهب إلى سيولة تُنفق وتختفي، بل في دراسة كيفية تحويل جزء من الفرص التي يتيحها إلى كهرباء مستدامة، واستثمارات منتجة، وفرص عمل، ومساهمة عادلة في استعادة حقوق المودعين. لذا، إنّ الفارق كبير بين أن نستهلك ذهب لبنان لتمويل الماضي، وأن نُحافظ عليه ونستثمر بحكمة لبناء المستقبل.