ولادة قيصرية لـ"ليبان تليكوم" على حساب موظّفي أوجيرو

post-img

خضر حسان (صحيفة المدن)

وصلت المفاوضات بين وزارة الاتصالات ونقابة عمال ومستخدمي هيئة أوجيرو إلى حائط مسدود، فأعلنت النقابة الإضراب المفتوح، الذي يتضمَّن عدم الحضور إلى مراكز العمل، والتوقف عن أداء المهام، باستثناء الحالات الطارئة. على أن تحدّد "خلية الأزمة" ماهيّة الوضع الطارئ، وتتولى تقييم ومعالجة كل موضوع على حدة وبحسب درجة أهميته وضرورته الاستثنائية، بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية دون المساس بقرار الإضراب. وفي حين أنّ اليوم الأوّل من الإضراب الذي بدأ أمس الثلاثاء قد انطوى ودخل الموظّفون في يومهم الثاني، يبدو أنّ الأمور تتّجه نحو الجمود، ما لم تظهر حلول سريعة ومناسبة.

ويعود سبب الجمود إلى تمسّك كل طرف بوجهة نظره للحل. علماً أنّ الوزارة والموظّفين متّفقون على مسار الانتقال إلى شركة "ليبان تليكوم" مستقبَلاً. لكن تبقى الآلية وضمان الحقوق، وهنا يكمن الخلاف الجوهري بين الطرفين.

حقوق قابلة للطعن

في العام 2002 صدر القانون 431 المتعلّق بتنظيم قطاع الاتصالات والذي ينص على إنشاء شركة "ليبان تليكوم"، التي سترث هيئة أوجيرو، وعلى نقل بعض مهام وأصول وزارة الاتصالات وأوجيرو إلى الشركة، مع ضمان مصير وحقوق الموظّفين. واليوم، يظهر الخلاف الجوهري حول آلية ضمان حقوق الموظّفين عند الانتقال إلى الشركة الجديدة.

من جهتهم، يتمسّك الموظّفون بالقانون 431 الذي ينظّم انتقالهم إلى ليبان تليكوم ويضمن استمرارية عملهم، وبالتوازي، يطالبون بضمان تطبيق القانون 161 المتعلّق بحفظ تعويضاتهم عبر نظام التقاعد. وتلك التعويضات قد تتبخّر إثر الانتقال إلى ليبان تليكوم ما لم يكن هناك إطار قانوني جديد يضمن تلك التعويضات بقيمتها الفعلية، وليس بمبالغ وضعت على سعر صرف 1500 ليرة للدولار.

علماً أنّ المادة 49 من القانون 431 حدّدت تعويضات مَن لم تبلغ خدمته 5 سنوات، بتعويض قيمته راتب شهرين عن كل سنة خدمة، على ألّا يقلّ التعويض عن 30 مليون ليرة وألّا يزيد على 50 مليون ليرة. في حين مَن تجاوزت خدمته 5 سنوات يقبض ما يوازي مجموع الرواتب والتعويضات عن 30 شهراً، على ألّا يقلّ التعويض عن 30 مليون ليرة وألّا يزيد على 200 مليون ليرة.

ويتخوَّف الموظّفون من أنّ إقرار تحسين قيمة التعويضات بمرسوم سيكون عرضة للطعن السهل، لأنّ المرسوم لا يبطل القانون، والقانون يحدّد قيمة التعويضات بالليرة. وبحسب سعر الصرف الراهن، يبلغ أعلى تعويض 200 مليون ليرة؛ أي نحو 2200 دولار. ويقول عضو نقابة عمال وموظفي أوجيرو، محمد ماجد، إنّ "النقابة منفتحة على الحلول، لكن لا يمكن إعطاء ضمان حقوق الموظفين إلّا بقانون يعدّل القانون الصادر في العام 2002. أمّا التعديل بمرسوم، فيمكن الطعن به بسهولة، ويبقى الموظفون أمام ما نصّ عليه القانون 431 من تعويضات فقدت قيمتها اليوم".

وإلى جانب التعويضات، فإنّ ضمان استمرارية العمل مهدّد. وهنا يكمن جوهر تحصين التعديلات المطلوبة على القانون 431، من خلال تعديله بقانون وليس بمرسوم. وبحسب ما يقوله ماجد لـِ "المدن"، فإنّ "الخدمات التي ستقدّمها ليبان تليكوم قد لا تصمد أمام منافسة الشركات الخاصة التي ستدخل إلى القطاع. وهذا الأمر يهدّد استمرارية عمل الموظفين. فلا يمكن الاكتفاء بالانتقال إلى الشركة الجديدة، ولكن يجب ضمان استمرار قدرة الشركة على تقديم الخدمات".

كما يشير ماجد إلى أنّ "جميع الموظّفين يوافقون على الانتقال إلى شركة ليبان تليكوم، لكن الانتقال لا يمكن أن يحصل من دون ضمان الحقوق، كي لا نكون أمام حقوق جديدة منفصلة عن الحقوق السابقة المضمونة بحسب سنوات الخدمة. ما يعني أنّ العقدة في ضمان استدامة العمل وتعديل قيمة التعويضات".

في الوقت عينه، لا تنفي الوزارة حقوق الموظّفين. وبحسب مصادر في الوزارة فإنّ "وزير الاتصالات أكّد ضمان جميع الحقوق للموظفين بعد الانتقال إلى ليبان تليكوم". لكن توضح المصادر في حديث لـِ "المدن" أنّ "لا مبالغ مالية لدى الدولة لدفع تعويضات نهاية الخدمة بقيمة تتوافق مع سعر الدولار اليوم". وترى المصادر أنّ "على الموظّفين الانتقال إلى ليبان تليكوم، والتعويضات التي سيحصل عليها مَن ستنتهي خدمته ستكون أعلى مما سيحصل عليه بموجب القانون الحالي، وهو ما يضمنه الوزير".

استعجال ولادة ليبان تليكوم

التعديلات التي تؤيّدها الوزارة على القانونين 431 و161 لا يمكنها انتظار المسار التشريعي في مجلس النواب. وبذلك، تعتبر مصادر في أوجيرو أنّ "وزارة الاتصالات تستعجل ولادة شركة ليبان تليكوم، في حين أنّها لا تستطيع تقديم الضمانات الحقيقية لقدرة الشركة على المنافسة، ولا الضمانات المطلوبة لتعويضات الموظّفين. ولذلك، نحن كموظّفين لا يمكننا السماح بالانتقال المجتزَأ فقط من أجل تسجيل إنجاز إنشاء ليبان تليكوم، ووضعها ووضع الموظّفين أمام المنافسة الشرسة للقطاع الخاص، ومن دون حقوق قانونية". وتستغرب المصادر "إصرار الوزارة على تغطية حقوق الموظّفين بمرسوم، في حين تعلم أنّها لن تصمد أمام أي طعن. وهذا الأمر يستدعي التساؤل حول سبب الاستعجال، إن كانت النية حماية القطاع وضمان حقوق الموظفين".

لا إجابة واضحة لدى وزارة الاتصالات، سوى التأكيد على عدم المساس بحقوق الموظّفين، وعدم تحميل الدولة عبئاً مالياً لا قدرة لها على سداده، خصوصاً أنّ الانتقال إلى ليبان تليكوم يستدعي إنفاق مبالغ مالية كبيرة على تطوير القطاع ليكون قادراً على المنافسة. وفي الوقت عينه، تسعى وزارة العمل إلى التوفيق بين وزارة الاتصالات والموظّفين من دون أن يكون لديها تأثير واضح على الملف.

باتت القضية أوضح بالنسبة إلى مصادر في أوجيرو. فعدم موافقة وزارة الاتصالات على انتظار المسار القانوني لتعديل القانون وضمان حقوق الدولة والموظفين "يعني وجود نوايا مبيَّتة خلف استعجال إنهاء الملف بمرسوم".

وترفض المصادر التذرّع بما يُرَوَّج له في أروقة الوزارة وأوجيرو حول التوظيف السياسي وترتيبه أعباء مالية على الدولة سواء بالرواتب أو التعويضات. فتقول المصادر إنّ "كل إدارات ووزارات ومؤسسات الدولة فيها توظيف سياسي، ومَن يجب عليه دفع الثمن هو القوى السياسية التي تسيطر على الدولة والتي أوصلتنا إلى هذا الانهيار، ولذلك على الدولة إيجاد حل، لا استعجال الدفع نحو واقع جديد من دون إنهاء الواقع السابق وفق أسس متينة، وإلّا فتكون قد وضعت الدولة والموظفين أمام إشكال مؤجَّل. إلّا إن كانت هناك نية واضحة بترك الموظفين أمام تشريعات قديمة تمتصّ حقوقهم، فتكون الدولة قد تخلّصت من أكلاف مادية كبيرة، تحت ستار تطوير القطاع عبر فتحه أمام خبرات القطاع الخاص".

هي ولادة قيصرية تتحضّر لها شركة ليبان تليكوم. فالوزارة أمام سباق مع الوقت لتحقيق إنجاز الانتقال نحو واقع جديد، في حين أنّ تلك الولادة قد تكون على حساب الموظّفين الذين هم أيضاً أمام تحدٍّ آخر يتعلّق بقدرتهم على الصمود لنيل مطالبهم، بدلاً من الانصياع للتدخّلات السياسية التي ستظهر بوضوح مع تصاعد حدّة الإضراب المفتوح. وهو ما تشهده الإضرابات في مختلف القطاعات الرسمية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد