غنوة فهد (صحيفة الأخبار)
على الرغم من تجاوز نسب المتساقطات معدلاتها الطبيعية في بعض المناطق اللبنانية، لا تزال وفرة الأمطار وحدها غير كافية لتعويض العجز المائي المتراكم خلال السنوات الماضية، في ظل تحديات لا تقتصر على العوامل المناخية، بل تمتدّ إلى ضعف إدارة الموارد المائية والاستفادة منها.
وتُظهر الأرقام التي حصلت عليها «الأخبار» من مصلحة الأرصاد الجوية في مطار بيروت الدولي أنّ الموسم المطري سجّل انطلاقة قوية مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي.
فقد بلغت المتساقطات التراكمية في طرابلس نحو 60 ملم، مقابل 20 ملم العام الماضي، متجاوزةً المعدل الطبيعي لهذه الفترة، البالغ 45 ملم. وفي بيروت، قاربت الكميات 40 ملم، مقارنةً بـ8 ملم فقط في الفترة نفسها من العام الماضي، لتقترب من معدلها الطبيعي البالغ 44 ملم. أمّا في زحلة، فقد بلغت المتساقطات نحو 35 ملم، مقابل 4 ملم العام الماضي، متخطيةً المعدل الطبيعي التراكمي البالغ 18 ملم.
وعلى الرغم من أنّ هذه الأرقام تعكس بداية أفضل من الموسم السابق، فإنّها لا تكفي للحكم على نجاح الموسم المطري بأكمله. ويوضح رئيس قسم التقديرات في مصلحة الأرصاد الجوية في مطار بيروت الدولي، محمد كنج، في حديثٍ إلى «الأخبار»، أنّ الموسم المطري يمتد من أيلول حتى 31 آب من العام التالي، وأنّ نجاحه يتوقف على عدد المنخفضات الجوية ومدتها وشدة برودتها والمسارات التي تسلكها.
فالمنخفضات القادمة عبر البوابة الشمالية، من جهة البحر الأسود مروراً باليونان وتركيا وسوريا وصولاً إلى لبنان، تكون عادةً أكثر برودة وغزارة، وقد تحمل معها الثلوج. في المقابل، تفقد المنخفضات التي تسلك البوابة الجنوبية، عبر مناطق من شرق البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا، جزءاً من رطوبتها، فتكون أكثر دفئاً وأقل قدرة على إنتاج كميات كبيرة من الأمطار.
ويشير كنج إلى أنّ الأمطار الغزيرة التي شهدها أيلول تجاوزت المعدلات المعتادة لهذا الشهر، من دون أن يشكّل ذلك مؤشراً حاسماً إلى طبيعة الموسم أو إجمالي المتساقطات السنوية.
وفي ما يتعلق بظاهرة «النينيو»، المرتبطة بارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في المحيط الهادئ الاستوائي، يوضح كنج أنّها تدخل ضمن المعطيات المناخية العامة التي تُراقَب عند تقييم الموسم، إلا أنّ تأثيرها في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط يبقى محدوداً مقارنةً بمناطق أخرى، ولا سيّما المناطق الاستوائية وشرق آسيا وأميركا الجنوبية.
وتساهم هذه الظاهرة في زيادة التبخر وبخار الماء في الغلاف الجوي، ومن المتوقّع أن تبلغ ذروتها في شباط 2027، ما قد يسهم في ارتفاع درجات الحرارة وزيادة غزارة الأمطار في بعض المناطق، مع احتمال حدوث هطولات مطرية متطرّفة نسبياً. لكنّ ذلك لا يسمح بالتنبؤ بصورة حاسمة بكميات الأمطار التي سيشهدها لبنان.
هل يكفي موسم واحد لتعويض العجز المائي؟
لا يمكن تحديد كمية ثابتة من الأمطار التي يحتاج إليها لبنان لتعويض العجز المائي، إذ لا تتوقف المسألة على إجمالي المتساقطات، بل تشمل أيضاً طبيعتها وتوزّعها بين الأمطار والثلوج وطريقة هطولها.
ويوضح كنج أنّ الثلوج المتراكمة على الجبال تؤدي دوراً أساسياً في تغذية المخزون الجوفي والينابيع والأحواض المائية، إذ يتيح ذوبانها التدريجي تسرّب المياه إلى باطن الأرض. كذلك، تكتسب الأمطار الهادئة والمنتظمة أهمية كبيرة، لأنها تمنح التربة وقتاً كافياً لامتصاص المياه، وتحدّ من انجراف التربة وتشكّل السيول.
في المقابل، قد تتجاوز الهطولات المطرية المتطرّفة، التي تتساقط خلالها كميات كبيرة من الأمطار في ساعات قليلة، قدرة الأرض على الامتصاص، فتتحول المياه إلى سيول تتدفق على الطرقات وفي المجاري المائية، مسبّبةً أضراراً من دون أن تحقق الفائدة نفسها للمخزونات الجوفية.
ويقدّر كنج المعدلات السنوية للأمطار بنحو 800 ملم في بيروت والمناطق الساحلية، ونحو 650 ملم في البقاع.
وتكتسب أهمية الموسم الحالي بُعداً إضافياً في ظل العجز المائي المتراكم خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد الموسم المطري القاسي الذي سبق الموسم الماضي، والذي صُنّف من بين الأسوأ في سجلات مصلحة الأرصاد الجوية، إذ لم تتجاوز كمية المتساقطات على الساحل 400 ملم. ورغم التحسّن النسبي الذي شهده الموسم الماضي، فإنّ كميات الأمطار المسجّلة لم تكن كافية لتعويض النقص المتراكم وإعادة التوازن إلى المخزون المائي، وفق كنج.
لذلك، فإنّ تسجيل كميات من الأمطار ضمن المعدلات الطبيعية هذا العام، أو أعلى منها بقليل، قد يساهم في تعويض جزء كبير من العجز.
غير أنّ معالجة أزمة المياه لا تقتصر على تحسّن المتساقطات، بل تتطلب سياسات مستدامة لترشيد الاستهلاك، والحدّ من الهدر، وإنشاء المنشآت اللازمة لتجميع مياه الأمطار وتخزينها وحسن توزيعها.
مسار المنخفض الجوي يحسم مصير الثلوج
ويقول كنج إنّه «عادةً ما تُشكّل أشهر كانون الأول وكانون الثاني وشباط قلب الموسم الشتوي، إذ تشهد هذه الفترة القسم الأكبر من المتساقطات المطرية والثلجية، وتُعدّ المرحلة الأساسية التي تُحدّد طبيعة الموسم المطري ومدى اقترابه من المعدلات الطبيعية أو تجاوزه لها».
وفي ما يتعلّق بالثلوج، يشير إلى أنّ التوقّعات بشأن تساقطها هذا العام لا تزال متأخّرة، فيما تتوقّف كثافتها والارتفاعات التي قد تصل إليها على مسار المنخفض الجوّي.
وبالنسبة إلى درجات الحرارة، «فما زالت ضمن معدلاتها المعتادة، وتُعدّ مقبولةً في هذه الفترة من السنة».