اوراق خاصة

البعد الاستراتيجي ليوم القدس العالمي بين فكر الإمام الخميني و"طوفان الأقصى"

post-img

عدنان عبدالله الجنيد/ كاتب يمني

يُعد يوم القدس العالمي الذي أعلنه الإمام الخميني، في العام 1979، حجر الأساس في مشروع مواجهة الاستكبار العالمي وتفكيك المنظومة الصهيونية الاستعمارية. إذ لم يكن مجرد نداء خطابي، بل كان إعلانًا استراتيجيًا يهدف إلى إحياء الوعي الإسلامي والعالمي بمظلومية فلسطين، وتحشيد الأمة الإسلامية لمواجهة الكيان الصهيوني.

في المقابل، جاءت معركة "طوفان الأقصى"، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تجسيدًا عمليًا للرؤية التي أرساها الإمام الخميني، فقد مثّلت اختراقًا نوعيًا للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، وأثبتت أن خيار المقاومة المسلحة والاستنزاف المستمر هو السبيل الأوحد لتحرير فلسطين.

إن الربط بين يوم القدس العالمي ومعركة "طوفان الأقصى" يُبرز امتدادًا استراتيجيًا متصاعدًا، يكشف عن حتمية الصدام بين محور المقاومة ومنظومة الهيمنة الصهيو-أمريكية، ويؤكد أن القدس لم تكن شعارًا سياسيًا عابرًا، بل هي محور صراع تاريخي تتجسد ملامحه في كل مواجهة بين المقاومة والاحتلال.

أولًا: يوم القدس العالمي – رؤية الإمام الخميني لمواجهة الاستكبار وتحرير فلسطين

  1. البعد العقائدي؛ القدس بوصفها رمزًا للصراع بين الحق والباطل: لقد رأى الإمام الخميني أن القضية الفلسطينية ليست قضية أرض أو قومية، هي قضية إسلامية محورية، إذ ترمز القدس إلى المواجهة الأزلية بين المستضعفين والمستكبرين. وشدد على أن تحرير القدس واجب شرعي وفريضة دينية، لا يمكن التنازل عنها تحت أي ظرف، فبرأيه أن الكيان الصهيوني سرطان يجب استئصاله. وقد رفض الإمام الخميني النظرة القُطرية للصراع، وأكد أن تحرير القدس ليس مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، هي مسؤولية الأمة الإسلامية جمعاء.
  2. البعد السياسي؛ كشف المشروع الصهيوني بوصفه أداة استعمارية: رأى الإمام الخميني أن "إسرائيل" ليست مجرد كيان محتل، بل قاعدة متقدمة للاستعمار الغربي في قلب الأمة الإسلامية، مهمتها تمزيق وحدة الأمة، وإجهاض أي مشروع نهضوي مستقل. لقد كان يوم القدس العالمي بمثابة إعلان تعبئة ضد المشروع الصهيوني-الأمريكي، ووسيلة لكسر هيمنة الدعاية الغربية التي سعت إلى شرعنة الوجود الصهيوني وطمس الحقوق الفلسطينية. وعمل الإمام الخميني على ترسيخ معادلة جديدة في الوعي الإسلامي والعالمي، مفادها أن "إسرائيل" كيان مؤقت لا يمتلك مقومات البقاء، وأن زواله مسألة وقت مرتبطة بتصاعد المقاومة.
  3. البعد العسكري؛ إرساء مبدأ المقاومة خيارًا وحيدًا لتحرير فلسطين: رفض الإمام الخميني كل مشاريع التسوية والاستسلام، مؤكدًا أن فلسطين لن تُستعاد بالمفاوضات، بل بالمقاومة والجهاد. وأسس لدعم الحركات الجهادية المقاومة، ورأى أن إمدادها بالمال والسلاح والتدريب واجب شرعي وأخلاقي. كما رأى أن "إسرائيل" لن تتحطم عبر الضغوط الدبلوماسية، إنما باستراتيجية استنزاف طويلة الأمد، تجعل استمرار وجودها أمرًا مستحيلًا.
  4. البعد الشعبي؛ تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية أممية: أدرك الإمام الخميني أن الحكومات العربية والإسلامية خاضعة للتبعية السياسية وغير قادرة على اتخاذ موقف حاسم ضد الاحتلال. لذلك، جعل يوم القدس العالمي يومًا لتحشيد الشعوب؛ لأن الجماهير الحرة أقوى من الأنظمة المستبدة في تغيير المعادلات. ورسّخ مفهوم أن تحرير القدس لن يأتي من قصور الحكام، إنما من ميادين المقاومة ومن زحف الشعوب نحو النصر.

ثانيًا: معركة طوفان الأقصى – تجسيد عملي لرؤية يوم القدس العالمي

  1. الضربة الاستباقية وإعادة تعريف موازين القوة : لقد مثلت طوفان الأقصى تحولًا جذريًا في مسار الصراع، حين نجحت المقاومة في نقل المعركة إلى قلب جغرافية الاحتلال الإسرائيلية. ولأول مرة منذ نكبة 1948، تخترق المقاومة الحواجز الأمنية وتسيطر على مستوطنات ومدن داخل العمق الإسرائيلي. هذه العملية أعادت التأكيد بأن الاحتلال هش، وأنه قابل للهزيمة متى توفرت الإرادة والإعداد الجيد.
  2. إسقاط نظرية "الردع الإسرائيلي" وكسر هيبة الجيش: منذ تأسيسها، اعتمدت "إسرائيل" على عقيدة الردع والتفوق العسكري، كونها الوسيلة لضمان استمرار وجودها؛ فجاء "طوفان الأقصى" ليحطم هذه العقيدة، ويؤكد أن الجيش الإسرائيلي ليس القوة التي لا تُقهر، هو قوة قابلة للاختراق والانهيار. هذا التحول يتسق مع رؤية الإمام الخميني بأن "إسرائي"ل لا تمتلك مقومات البقاء من دون الدعم الغربي، وأن زوالها مسألة وقت.
  3. إعادة توجيه بوصلة الصراع نحو جذوره الحقيقية: لقد حاولت "إسرائيل" منذ سنوات طمس القضية الفلسطينية عبر مسار التطبيع والاتفاقيات الدولية، لكن "طوفان الأقصى" أعاد الصراع إلى جوهره: الاحتلال والمقاومة. وأصبح من الواضح أن أي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية لن تنجح طالما أن هناك مقاومة حقيقية على الأرض.

ثالثًا: العلاقة الاستراتيجية بين يوم القدس العالمي و"طوفان الأقصى"

  1. تعزيز محور المقاومة بوصفه معادلة ردع حقيقية: كان يوم القدس العالمي بمثابة نداء لتوحيد الجهود ضد المشروع الصهيوني، وهو ما تحقق فعليًا عبر تنامي محور المقاومة وتنسيقه العسكري والسياسي. ومعركة "طوفان الأقصى" أظهرت أن المقاومة لم تعد معزولة، بل أصبحت جزءًا من منظومة إقليمية تمتد من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق وإيران.
  2. تقويض مشاريع التطبيع والتصفية: منذ الإعلان عن صفقة القرن ومسار التطبيع العربي، سعت "إسرائيل" إلى ترسيخ وجودها أمرًا واقعًا في المنطقة؛ فجاء "طوفان الأقصى" ردًا استراتيجيًا مباشرًا على هذه المشاريع، حيث كشفت أن المقاومة قادرة على قلب الطاولة وإعادة تعريف معادلة الصراع.
  3. تكريس استراتيجية الاستنزاف الطويل لــــ"إسرائيل": أدرك الإمام الخميني أن القضاء على "إسرائيل" لا يتحقق في معركة واحدة، إنما باستنزاف متواصل. و"طوفان الأقصى" أكد أن المعركة مستمرة، وأن الاحتلال دخل مرحلة الإنهاك الاستراتيجي، ما يسرّع من عوامل انهياره الداخلي.

إن يوم القدس العالمي ومعركة "طوفان الأقصى" ليسا حدثين منفصلين، هما امتدادٌ استراتيجيٌ واحدٌ في مسار المواجهة ضد الكيان الصهيوني. وكما بشّر الإمام الخميني بزوال "إسرائيل"، فالأحداث على الأرض تؤكد أن هذا الزوال لم يعد سيناريو بعيد المنال، إنما هو واقع يقترب مع كل مواجهة، ومع كل خطوة تخطوها المقاومة نحو النصر الحتمي.

المعركة لمّا تنته بعدِ، والقدس لمّا تُحرر بعد، لكن الطريق أصبح واضحًا: المقاومة وحدها هي السبيل، والاحتلال إلى زوال.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد