اوراق خاصة

الحجاب ممنوع في تلفزيون لبنان لتمايزات طائفية.. فهل هو شعار أم زيّ أصيل أم دخيل؟

post-img

د. زينب الطحان/ خاص موقع أوراق

تثير أزمة منع الإعلامية المحجبة في تلفزيون لبنان زينب ياسين من الظهور على الشاشة، أزمة قديمة تتجدد في كل حين، وما يزال الأمر مستغربًا، خصوصًا في بلد مثل لبنان، حيث تعيش فيها 18 طائفة دينية تمارس معتقداتها وحرياتها من دون تقييد أو شروط !.. ويُطرح هنا سؤال تلقائي: هل الحجاب أمر طارئ على المجمتعات ويثير الاستفزاز والتحدي أو الريبة كي تُمنع صاحبته من ارتدائه في الحياة العامة؟

الحجاب في العصور القديمة

لم يكن يومًا الحجاب والستر مشكلة أو مثارًا للجدل والنقاش؛ فهو أمر فطري عند عموم البشر؛ بل كان السفور والتعري سببًا للطرد والعزلة. إذ إنّ الإنسان القديم كان يسلخ جلود الحيوانات ليصنع منها لباسًا يستر بها جسده العاري؛ وهذه كانت الخطوة الأولى باتجاه الحضارة الإنسانية، إذ يتميّز الإنسان البشري بهذا اللباس عن الحيوانات التي لا يعتريها الخجل أو الحياء من مظهرها وشكلها العاري.. فهذها فطرتها وطبيعتها..

أما الإنسان؛ يكتب تاريخه القديم، أن البشرية منذ عهدها الأول عرفت الستر والحجاب، بأنواعه المختلفة، كل بحسب ثقافة المجمتمع الذي تنتمي إليه، في بلاد فارس في بلاد الهند والسند، وحتى في الحضارات الأوروبية، خصوصًا عند الروم، فقد كان الستر الكلي للجسد من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين أمرًا طبييعيًا في تلك المجتمعات. التشريع الرسميّ الأوّل نجده منشورًا ضمن شريعة حمورابي حينما اتحد الكلدان والآشوريون (1365-910 ق.م). ويفرض التشريع البابليّ تغطية الشعر على المرأة الحرّة وعلى الخادمة إذا سارت مع سيدتها والبغيّ إذا تزوجت. فيما يُسمح للفتاة وخادمة المعبد والبغيّ بالسفور. وفي هذا دلالة واضحة على أن المرأة المحترمة في المجتمع هي التي ترتدي الحجاب وتستر جسدها.

الحجاب مع الأديان

مع مجيء الأنبياء تأكد هذا السلوك الإنساني، وخطّ في مسار الشعوب، وفي مقدمتهم اليهود. ما يزال اليهود، الطوائف المتدينة منهم، مؤمنة بهذا الستر الكلي، تمارسه على نسائها؛ بل حتى بشكل يعقد معه حياة المرأة اليهودية. يقول "ويل ديورانت" في "قصّة الحضارة":"كان في وسع الرجل أن يُطلِّق زوجه، إذا عصت أوامر الشريعة اليهوديّة، بأنْ سارت أمام الناس عارية الرأس، أو غزلت الخيط في الطريق العامّ، أو تحدّثت إلى مختلف أصناف الناس، أو إذا كانت عالية الصوت، أي إذا كانت تتحدّث في بيتها ويستطيع جيرانها سماع ما تقول، ولم يكن عليه في هذه الأحوال أنْ يردّ إليها بائنتها".

الأمر نفسه كان في العديد من بلدان العالم القديم؛ إذ يتّضح أنّ لونًا عسيرًا من الحجاب كان يحكم إيران القديمة. ويذهب "ويل ديورانت" الى أنّ إجراءات حادّة كانت تُتّخذ إزاء المرأة الحائض في ضوء تعاليم المجوسيّة، فقد كانت تُحبس في غرفة، وكان الجميع يفرّون من مُعاشرتها، وكانت هذه الإجراءات السبب الرئيس لظهور الحجاب في إيران القديمة. كما كانت هذه الإجراءات الحادّة تُتّخذ إزاء المرأة الحائض بين اليهود.

الحجاب في المسيحية هو، أيضًا، أمر واجب؛ وهناك نصوص دامغة في الإنجيل تنصّ عليه، بدليل تماثيل السيدة العذراء بحجابها الكامل، وبدليل حجاب الراهبات. وما القول إنّ حجاب السيد مريم(ع) لم يكن إلّا زيًا شعبيًا متوارثًا من اليهود، والقول إن الراهبات يرتدين هذا الستر لأنهن في صلوات دائمة، هي مزاعم لا دليل لها، إنّما تسوّغ كذلك كي لا يقبلون الحجة من الكتاب المقدس بوجوب الحجاب على المرأة المسيحية.. وما تزال الأفلام السينمائية التاريخية في أميركا وأوروبا تظهر فيها المرأة المتسترة المحتشمة مع أشكال مختلفة من حجاب الرأس.. وهذا دلالة على أن الحجاب والستر في المجتمعات القديمة كان جزءًا من ثقافتها العامة.

لكن السؤال: متى أصبح الحجاب والستر المحتشم أمرًا مثيرًا للجدل ولم يعد مقبولًا في المجتمعات الحديثة؟

الحجاب في العصر الحديث

في الحقيقة؛ إن الأمر يبدأ مع تشكلات العالم الصناعي والاقتصادي في الغرب تحديدًا، حين بدأ يحتاج إلى الأيدي العاملة في المصانع والمعامل؛ فظهر مفكّرون مأجورن عند السلطات لتروّج لحقوق المرأة وخروجها من البيت لتبني ذاتها وحياتها المستقلة عن الرجل الذي يستعبدها..خدعت النساء بهذا الادعاء ورحن يخلعن عنهن زينة الحياء تدريجيًا، حتى وصلنا إلى بناء منظومة متكاملة من مفهوم الجمال وعالم الموضة، وأصبحت معيارًا تتحكم إليه "المجتمعات المتحضرة".

انتقلت هذه النزعة والظاهرة إلى العالم العربي، مع أهم روّادها مع الكاتب المصري "قاسم أمين"، والذي عمل مع مجموعات من المتثاقفين على ازدراء الحجاب بذريعة أنّه يؤخر تطور المجتمعات الإسلامية والعربية ويمنع لحاقها بالغرب. وهذا حديث يطول وفيه شجون كثيرة، وقبله عندما أنشئت تركيا الحديثة العلمانية بعد انهيار السلطنة العثمانية، حين أمر مصطفى كمال أتاتورك بإلغاء أي مظهر من مظاهر الإسلام، وخصوصًا الحجاب.. ولكن ما يهمنا في هذا الصدد هو أنّ ظاهرة السفور قد انتشرت في مختلف دول العالم وعلى أوسع نطاق. لكن مع ذلك، لم تُشّن حرب ضد هذا الحجاب إلًا في العقود الأربعة الماضية أو أكثر، وباتت أكثر حدّة في العقدين الأخيرين.

السؤال في هذا السياق؛ لماذا هذه الحرب ما دام الحجاب مسألة شكلية متعلقة بصاحبته لا تؤذي الآخرين؟

الحرب على الحجاب .. خلفيات الكراهية والعنصرية

في أول مسوّغ رفعه المعارضون للحجاب الإسلامي أنه يمثل رمزًا وشعارًا لمعتقد أو دين أو لتجمعات ما، والرموز والشعارات ممنوعة في المؤسسات الرسمية أو الخاصة. ولكن وفقًا لما قدّمناه أعلاه؛ نسأل: هل الحجاب يمثل رمزًا دينيًا؟

لا؛ الحجاب ليس رمزًا، ليس موضةً، ليس استفزازًا، إنّه فريضة دينية، بكل بساطة. إذ كما أنّ الراهبة التي تدخل ميدان العلم الأكاديمي أو إلى أي مكان تريده ولا يطلب منها نزع حجابها وتغيير ملبسها، لاقتناع راسخ أنه نابع من التزام ديني؛ فكذلك المرأة أو الفتاة المسلمة. إذ إنّ هناك فرقًا ‏كبيرًا؛ فكما أن الرمز والشعار والوشم تعبيرات اختيارية، لا تثير الاستفزاز تحت شعار "حرية التعبير"، كذلك الحجاب هو فريضة دينية يفترض ألّا يثير الاستفزاز أو تحدّيًا للآخر، تحت شعار حرية المعتقد.

لكن إن فتشت عن الأسباب المفاجئة التي قلبت هذه المعايير، نعود إلى نشوء ظاهرة "الإسلاموفوبيا"، والتي ظهرت  مع بزوغ الحركات الإسلامية الجهادية في العالم العربي ضد الاحتلال الإسرائيلي خاصة؛ فأطلقوا عليها في الغرب تسميات من قبيل "الإسلام السياسي" و"الإسلام الجهادي"، من باب محاربته كونه بات يشكّل خطرًا داهمًا على وجود الاستعمار الإسرائيلي في وطننا العربي من جهة، وخطرًا على ثقافة الغزو الإمبريالي الأميركي تحديدًا من جهة أخرى. فكانت الحرب ضد الحجاب الإسلامي شكلًا من أشكال الصراع مع الإمبريالية الغربية، يشوهون الحقائق ويقلبون المعايير وفقًا لرؤيتهم للتحكّم بمصائر الشعوب؛ لذلك تشكّلت مع مرور السنوات كراهية ضد المسلمات المحجبات وعنصرية بغيضة تصل أحيانًا إلى حد التعدي عليهن.

قد نفهم حرب الغرب، بمؤسساته الرسمية وبعض تجمعاته الخاصة وتحديدًا اليمين المتطرّف، على الحجاب الإسلامي، فهذا صراع تكفّلت بتعزيزه مقولة "صدام الحضارات" للمفكر الأميركي "صموئيل هانتغتون"، والذي يحارب كلّ ما يمثل توجهًا مخالفًا لثقافة الغرب ومعتقداته وفلسفته. ولكن – من المؤسف- أن نشهد هذه الحرب بين ظهرانينا في بلاد العرب والمسلمين..! فبأي حجة وقرينة تّمنع المرأة المحجبة من ممارسة عمل ما أو الدخول إلى أمكنة ما بسبب حجابها؟ ونحن كلنا طوائف نعيش مع بعضنا البعض ويعرف كلّ منا معتقدات الآخر وحقّ ممارسته لها، وتحديدًا في لبنان، حيث يقال عنه إنه بلد الحريات في الوطن العربي..! ونحن بلدان معروفة بالتزامها بالحشمة والوقار بخلاف دول العالم الغربي؛ بل المستغرب جدًا هو السفور "الفاحش" حتى حدود شبه التعري..

مع هذا تخرج علينا السيدة المحترمة "ندى صليبا" مساعدة المدير العام في تلفزيون لبنان لتسوّغ سبب رفض ظهور زميلتها الإعلامية زينب ياسين على شاشة القناة، وهي – أي صليبا- تزين جيدها بسلسة ذهبية تحمل رمز الصليب المسيحي؛ أو ليس هذا رمزًا دينيًا بحسب رأيهم؟ فأي حجج واهية هي تلك التي يقدمونها للرأي العام؟ ومن يقنعون بها؟ أنفسهم أم لأنهم أتباع ثقافة الغرب الرسمية المعادية والعنصرية لكل ما هو إسلامي؟ .. وما ردّ صليبا إلّا تمييزًا ظائفيًا وعنصرية بغيضة ضد إخوانها في الوطن..

كما على ما يبدو أنّ القيمين على إدارة التلفزيون الرسمي في لبنان لا يعرفون أنّ حقّ ياسين وزميلاتها من المحجبات مكفول في الدستور اللبناني، في القطاعين العام والخاص، على حدّ سواء.. فبعد هذا بأي حقّ يتمسكون ويزعمون؟!.  

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد