آلان علم الدين/ جريدة الأخبار
نسمّيه «عامًا جديدًا»، لكن ليس ثمة ما يميز اليوم الذي اخترنا أن نؤرخ به لبداية العام الجديد -الأول من يناير- من وجهة نظر العلم. فالأرض تمر في هذا اليوم بنقطة مثل باقي نقاط مدارها حول الشمس.
ثم لماذا اختار البشر تقسيم الزمن إلى سنوات أصلًا؟ كان تتبع الفصول أمرًا ضروريًا للمجتمعات الزراعية، لذا كان اعتماد الدورة الشمسية مفيدًا لها. لكن من المثير للاهتمام أن كل المجتمعات البشرية تقريبًا، حتى غير الزراعية منها، وفي كل القارات، كانت تعتمد تقويمات تستند إلى دورات زمنية هي السنوات.
إنّ علاقة الإنسان بالزمن هي، بطبيعتها، علاقة خوف. فالزمن ينطوي على الخسارة - كل ثانية تمر هي ثانية لن نستعيدها أبدًا. والزمن ينطوي على المجهول - فهو الذي يحدث فيه ما لم يكن في الحسبان. والزمن ينطوي على العدم - فهو يذكرنا بتقدّمنا الذي لا هوادة فيه نحو الموت. والزمن، على عكس الكيان، لا يُقهر.
لذلك؛ من المطمئِن أن نتخيّل أن الزمن دائريٌّ وليس خطيًّا. فتقسيم مسارنا نحو المجهول والموت إلى وحدات زمنية دورية يعطينا وهم السيطرة عليه. إن «العام الجديد» (و«قراراته») يصيغ المجهول كتكرار للمعلوم ويمنحنا وهم القدرة على التحكّم. أوهام تخدّرنا فلا نلحظ مرور الوقت، نفاد الوقت.
أدعوكم إلى رفض وهم التكرار، إن استطعتم. الأرض وأشكال الحياة الموجودة عليها تعاني، بل تتعذب، مع مرور كل ثانية. بعض جوانب العذاب جزء لا يتجزأ من الحياة - فالمخلوقات ستمرض وتشيخ وتموت. أمّا البعض الآخر فهو نتيجة البنية الرأسمالية والاستعمارية التي نعيشها (22,000 شخص ماتوا بسبب التدخين يوم 31 ديسمبر). تكرار «عام جديد» يعني تكرار هذا العذاب.
أدعوكم إلى رفض هذا التكرار، إن استطعتم. تحتاج الأرض وأشكال الحياة عليها إلى بنية سياسية جديدة، بنية على نقيض تام مع البنية الراهنة. وتفكيك البنية القائمة واستبدالها يستلزمان أكثر من شعارات. نحن بحاجة إلى الانخراط في تنظيمات سياسية تدرك واقع الديناميّات الاجتماعية والسياسية الحاضرة، وتمتلك رؤية للبديل، ويمتلك أعضاؤها القدرة على رؤية الواقع خارج وجهات النظر السائدة، وتعمل على بناء القدرة على إحداث التغيير السياسي. بكلمات أخرى، تنظيمات تتحدّى الخوف فتجرؤ أن ترى الزمان كما هو حقًا: خطّيًّا، لا دائريًّا.
أدعوكم، إن استطعتم، إلى الانتقال من راحة التجديد إلى استعادة الفاعلية (agency)، الانتقال إلى نظام سياسي أكثر أخلاقية، وحياة أقل إيلامًا وأكثر كرامة.
إنه أمر مخيف، لكن لا يمكنني التفكير في أي سبب آخر للعيش عامًا آخر.