اوراق مختارة

حكاية بائسة جدًا... طرابلس وحكمة افلاطون

post-img

د. لينا الطبال (صحيفة الديار)

كان البيت يعرف أنه سيسقط. شعر بذلك قبل السكان، وقبل البلدية، وقبل النواب. عرف حين رأى الشقوق تكبر، وحين سمع عن غياب الدولة... فهم البيت أن أحدا لن يأتي، لأن أحدا لا يأتي إلى الاحياء الفقيرة إلا بعد أن تنهار.

في البدايات، كما في الحكايات البائسة حقا، لا يسقط البيت دفعة واحدة. يدخل في مرض طويل، مزمن، يشبه الأمراض التي لا تُشخَص لأنها تُصيب الفقراء.. يسعل في الليل، تتصدع عظامه ببطء، يئن جسده لان الطبيب لم يأتِ... يُرسل إشارات استغاثة، لكن الدولة تمرّ بجانبه وتتجنبه.

في النسخة السياسية من الرواية، تمنحك السلطة ما يكفي من الضوء المزيف حتى تمنعك من الرؤية... لأن النصف المضيء دائما هو أخطر... لا تريدك السلطة ان تطالب بالشمس، تُريك الظلال فقط وتقول لك: هذا هو الواقع... وبعضهم يصدق، تريك الانهيار وتقول: هذا قدرك... وبعضهم يصدق أيضا...

انا لا احاول صناعة فلسفة جديدة... ما أستعيره هنا هو ما اخبرنا به أفلاطون منذ قرون في أسطورة الكهف:

" أخطر أشكال الطغيان هو أن تُقنع الناس أن ما يرونه هو كل ما يمكن رؤيته"... هذه هي حكمة أفلاطون.

تقول لكم السلطة: هذا قدر المدينة.. تقول: الفقر طبيعي، والانهيار طبيعي ايضا، والمباني تسقط لأنها قديمة.

وتُطفئ الكشف عن الفساد، عن الإهمال، عن نهب البلديات، عن غياب الدولة، ثم تطلب من الناس أن يتكيفوا الواقع...

لا يا سادة ... طرابلس، لا تنهار فيها الأبنية بسبب الزلازل..

انتم تحبون التفسير العلمي عندما ينهار جدار: هل هو الزمن؟ هل هو المناخ؟ هل هي الهزات الأرضية الخفيفة التي لا نشعر بها؟ هل هو القدر الذي يزور طرابلس أكثر من غيرها؟

أنتم تعرفون هذه الأبنية.. تعرفونها كما تعرفون مواعيد الانتخابات.

تعرفون أيًا منها مهددًا، ومؤجلًا، وأيًا منها يمكن أن ينتظر سقوطه قليلا او سينهار كليا ويصبح رمادا...

كل شيء تعرفونه وتجدون جوابا له إلا سؤال واحد: ماذا فعلتم أنتم؟

في منطق المسؤول اللبناني، المبنى لا يسقط لأنه تم اهماله. المبنى يسقط لأن الظروف لم تساعده على إنقاذه، والظروف دائما مذنبة ممتازة يجب محاسبتها.

اسألوا الحجر في طرابلس فهو يعرف عن الفقر... هو يشعر حتى برفة عين طفل جائع في الطابق الأول.

ويعرف ان الإنسان هناك متروك، مثله تماما... وأن سقوطهما معا هو مسألة وقت لا أكثر.

الحجر في هذه المدينة تعلّم الفقر وتعلّم كيف يحمل طابق إضافي غير شرعي، وشقة بلا رخصة، وعائلة مكتظة في غرفة واحدة، وإذا كان الحجر قد انهار وتفتت... فكيف تريدون ان يظل الإنسان واقفا؟ كيف تطلبون منه الصبر الذي لم يعد حتى الحجر قادرا عليه؟

انا اعرف، و انتم تعرفون ان:

إنقاذ بيت في حيّ مهمّش لا يرفع من شعبيتكم...لا يملأ قاعة، ولا يساوي خبرا عاجلا تافها على الشاشات.

لكن الوقوف أمام الركام بوجه كئيب وبتصريح من جملتين فارغتين، هذا، يا سادة، صفقة ممتازة في بازار الانتخابات المقبلة.

تأتون بعد السقوط دائما، بعد أن ينتهي كل شيء.

تأتون عندما تصبح الحكاية جاهزة للاستهلاك.

هلا لاحظتم ان وجودكم لا يتحقق إلا بالأنقاض؟ ... أنتم لا تظهرون إلا عندما ينهار شيء، بيت، حيّ، مدينة، أو ما تبقى من كرامة.

اجل، عندما يختلط الفقر بالرطوبة الساحلية ومعه حفنة من وعود انتخابية كاذبة، تحصلون على كوكتيل الانهيار المثالي... واستثمار سياسي في الكارثة.

هل تعرفون؟؟ لقد اكتشفتُ مؤخرا أن الأبنية في طرابلس تمتلك ألفة مذهلة مع ساكنيها. علاقة غير معلنة، لكنها قائمة: توازن مشترك، وتعايش بين الحجر واللحم.

العمارات في القبة والتبانة والأحياء الشعبية تمارس نوعا من “اليوغا” القسرية لتفادي السقوط فوق رؤوس ساكنيها. تلتوي، تنحني، تتشقق ببطء، حتى تؤذي من احتموا بها... إنها مفارقة سريالية، نعم، لكن ليست بلا معنى.

طرابلس ببساطة تُعاقَب لأنها تحمل من التاريخ أكثر مما يستطيع "السياسيون الصغار" هضمه، هي مدينة تمتلك تاريخا أطول من الدولة، وهو أمر غير مريح.

لقب “عاصمة العروبة” هو عبء بنيوي واسم أوسع من سلطة تبحث عن مدن مطواعة، نعم مدينة بهذا اللقب تتحوّل إلى عبء سياسي.

لذلك تم اختراع عقاب ذكي لها: الإهمال الممنهج.

المدن مثل طرابلس لا يتم قصفها بالمدافع، لكنها تترك للتآكل البطيء، تماما كما عاقبها المستعمر الفرنسي. وهذا النظام لم ينتهِ مع رحيله. انما أعاد إنتاج نفسه عبر نخب محلية تعلمت الدرس.

طرابلس هي ضحية استمرارية استعمارية، تغير الفاعلون فيها، لكن المنطق يبقى واحدا.

هل ما زلتم تتابعون القراءة؟ او بدأتم بالانزعاج...

لكن خطر لي اقتراح أخير -ايها المسؤولون-: هل جرّبتم الاتصال بأفلاطون؟

ليس لإلقاء التحية عليه ولا ليحدّثكم عن الكهف، ولا ليشرح لكم الظلال، فأنتم بارعون فيها.

اتصلوا به فقط لتسألوه، بلباقة: هل يمكن أن ينهار البيت وانتم تتابعون بشرح الواقع؟

ان لم يرد افلاطون على الاتصال، لا مشكلة. فلسنا بحاجة إلى الفيلسوف... الأبنية التي تسقط في طرابلس قامت بالشرح فعلا.

ملاحظة اخيرة:

الاتصال بأفلاطون مجاز. لكن عدم الردّ… فهو الشكل الأكثر صدقا للسياسة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد