جهاد نافع (صحيفة الديار)
ليل الثلاثاء – الأربعاء، افترش سكان مبنى كبّارة المهدّد بالسقوط في محلّة القبة الأرض، إثر إخراجهم من منازلهم.
رفض الأهالي الخروج من منازلهم لم يكن عبثاً، فالبدائل المقترحة لإيوائهم غير مستوفية الشروط. وحسب ما قاله أحد السكان، فإنه يفضّل الموت تحت سقف منزله على أن تُهان كرامته وكرامة عائلته.
أما أماكن الإيواء التي وُضعت بتصرّف الأهالي المنكوبين في مباني القبة والتبانة حتى اليوم، فهي المعهد الفندقي الذي يتّسع لأربعين عائلة، حيث يشترك الجميع بمرافق صحية واحدة، إضافة إلى فندق «الكواليتي إن» الذي لا يصلح للسكن نظراً للإهمال اللاحق به منذ سنوات.
ومن جهة ثانية، فإن المبلغ الذي تقرّر صرفه لكل عائلة هو ألف دولار بدل إيواء لثلاثة أشهر، وهو مبلغ غير كافٍ لا لاستئجار منزل ولا لتغطية مصاريف عائلة تشردت من منزلها.
فاجعة التبانة لها ما لها من تداعيات على الساحة الطرابلسية. فالسلطة السياسية اللبنانية، وفق ما تقوله فاعليات طرابلسية، لم تستنفر جدياً رغم انهيار مبنى ضهر المغر، ثم انهيار مبنى شارع الجديد، وصولاً إلى انهيار مبنى التبانة الأكثر مأساوية.
ملف الأبنية المتصدعة ليس ملفاً حديثاً، بل يعود إلى سنوات مضت، تخلّلتها مسوحات ميدانية وتحذيرات وتقارير هندسية، كان آخرها ما يفيد بأن بين القبة والتبانة وأحياء أخرى 114 مبنى يقتضي الإخلاء السريع، وأن ما بين 600 إلى ألف مبنى يحتاج إلى ترميم وتدعيم، فيما أشارت دراسات أخرى إلى نحو 4000 مبنى بحاجة إلى تأهيل.
رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة، الذي كان قد وضع استقالة بلديته على طاولة وزير الداخلية، عاد وسحبها إثر الاستنفار الرسمي.
وشكّل الحراك الطرابلسي الواسع، الذي ضمّ مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام، ومطران الموارنة يوسف سويف، ومطران الروم الأرثوذكس كرياكوس، ومطران الكاثوليك إدوار ضاهر، إضافة إلى محافظ الشمال وبلديتي طرابلس والميناء، حالة استنفار جدية، خلال جولتهم على الرؤساء الثلاثة، حيث شرحوا خطورة الوضع المتدهور في طرابلس، واستمعوا إلى وعود وقرارات ينتظر ترجمتها الفورية ميدانياً، لأن الوضع لا يحتمل الانتظار.
القرارات الحكومية المتخذة يراها بعض الأهالي أنها لم تلامس الحل الجذري للأزمة، بل جاءت ضمن حدود قدرات الدولة المالية، ما يستدعي، بحسبهم، طلب النجدة المالية من الخارج، ولا سيما من دول عربية وصديقة، وهو ما أشار إليه كلّ من المفتي إمام والمطران سويف.
ترميم الأبنية وتأهيلها وتدعيمها لا تقل كلفته، في الحد الأدنى للمبنى الواحد، عن ثلاثين ألف دولار، ما يعني الحاجة إلى ملايين الدولارات، قد تعجز ميزانية الدولة عن تأمينها.
ويشير أحدى الفاعليات إلى صعوبة إيواء سكان 114 مبنى، فكيف إذا كان العدد يتراوح بين 600 و1000 مبنى؟ ويؤكد أن المطلوب تأمين منازل جاهزة تؤمّن للعائلات حياة كريمة، وهو من أبرز واجبات الدولة اللبنانية التي حرمت طرابلس، لأكثر من أربعين عاماً، من الإنماء والموازنات المالية الكفيلة بإغاثة المدينة.
ويضيف أن الدولة رفضت في سنوات مضت تخصيص مبلغ عشرة ملايين دولار لإنماء طرابلس، ولم تلتفت إلى واقعها المتدهور، وإلى ما تعانيه من فقر وتجويع وانعدام فرص العمل، حتى باتت العاصمة الثانية أشبه بقرية كبيرة نائية، تحوّلت لاحقاً إلى مدينة منكوبة.
لكن، يقول أحد الأهالي المصابين، إن طرابلس ليست فقط مدينة منكوبة، بل منكوبة أيضاً بنواب هاجسهم الوحيد كرسي النيابة، ثم يغيبون أربع سنوات ليظهروا من جديد.
ويضيف: «لعل من سوء طالع هؤلاء النواب أن فاجعة الأبنية المتساقطة حصلت قبل ثلاثة أشهر من الاستحقاق الانتخابي، وسيكون هناك حساب لكل منهم».
مصدر طرابلسي يرى أن ملف الأبنية المتصدعة أكبر من المجلس البلدي والنواب وهيئة الإغاثة، ويتطلب إقرار مشروع متكامل لإعادة إعمار طرابلس، بموازنة مالية كافية لهدم أبنية وإعادة إعمارها، وتأهيل وتدعيم أبنية أخرى.
كما يشدّد على ضرورة إجراء مسح ميداني جديد عبر فريق هندسي متخصص، وتكليف شركات متخصصة، وفتح تحقيق واسع لتحديد المسؤوليات والأسباب التي أدت إلى انهيار بعض الأبنية وتصدّع أخرى، والتي لم تكن مجرد صدفة.
ويردّ بعض المهندسين الخبراء أسباب تداعي الأبنية في طرابلس إلى عدة عوامل، أبرزها: أولاً: تجاوزات في عمليات البناء وغياب الرقابة الهندسية منذ سنوات طويلة.
ثانياً: مخالفات بناء، حيث أُضيفت طوابق على العديد من الأبنية بغطاء سياسي.
ثالثاً: المعارك العديدة التي شهدتها المدينة وما أصاب الأبنية من قذائف.
رابعاً: إهمال مالكي الأبنية أعمال الترميم والصيانة.
خامساً: الهزات الأرضية الخفيفة التي قد يكون لها دور مساعد في التصدع.
ما يمكن لمسه أن لدى الأهالي مخاوف من القرارات الحكومية التي تبدأ بوتيرة مرتفعة، ثم تخفّ تدريجياً بعد أيام، عقب وعود يعتبرها البعض «تخديراً» للنفوس المشحونة بالغضب.
وقد عبّر الأهالي عن غضبهم خلال اليومين الماضيين في الشارع، حيث استُهدفت مكاتب ومنازل نواب طرابلس، الذين امتنعوا عن القيام بجولاتهم المعتادة في مثل هذه الحالات على موقع الكارثة في التبانة، لا سيما بعد إعلان بعض أهالي الشهداء صراحة أنهم سيطردون أي نائب يحاول دخول قاعة عزاء.