عماد ياغي (صحيفة البناء)
ليس هذا قراراً إدارياً عابراً، ولا سطراً يُضاف إلى أرشيف البيانات الرسمية، ولا سوء تقدير يمكن احتواؤه باتصال دبلوماسي بارد. ما جرى هو لحظة انكشاف مدوّية، لحظة سقطت فيها الأقنعة دفعة واحدة، وانقلب فيها المنطق رأساً على عقب، فصار السرير الأبيض موضع شبهة، وغرفة العمليات مادة اتهام، والمشرط الطبّي أقرب إلى لائحة سوداء منه إلى أداة إنقاذ. أن تُدرج ثمانية مستشفيات لبنانية على قائمة الإرهاب ليس خبراً؛ إنه صفعة مدوّية على خدّ الإنسانية، وقرار لا يعرف الرحمة، كأنه يعلن أنّ الحرب لم تعد على السياسة وحدها، بل على الحياة نفسها.
في بلدٍ يتنفس بصعوبة، تتعثر فيه الدولة بين انهيار مالي غير مسبوق وتآكل مؤسّساتي موجع، تشكّل المستشفيات آخر ما تبقى من أعصاب حية في جسدٍ أنهكته الأزمات. هناك، في أقسام الطوارئ، لا تُسأل الهوية قبل ضغط الدم، ولا يُفحص الانتماء قبل نبض القلب. يدخل الفقير والغني، ابن المدينة وابن القرية، المختلفان في السياسة والمتخاصمان في الرأي، ويستلقون جميعاً تحت ضوءٍ أبيض واحد، لا يميّز بينهم إلا شدة الألم. فكيف تحوّل هذا الضوء إلى تهمة؟ وكيف صار المكان الذي يُقاوم الموت كل يوم موضع تصنيف إرهابي؟
المستشفيات التي طاولها القرار ليست أبراجاً مغلقة ولا مؤسسات غامضة. إنها مؤسسات معروفة، تستقبل آلاف المرضى، وتجري مئات العمليات، وتفتح أبوابها لمن يطرقها، في وقتٍ صار فيه الاستشفاء في لبنان معركة يومية مع الفواتير الباهظة، وانقطاع الدواء، وهجرة الأطباء. هذه المستشفيات لم تولد في الفراغ، بل في قلب الحاجة، في مناطق عانت طويلاً من التهميش، فكانت لها رئةً إضافية وقلباً احتياطياً. والآن يُراد لها أن تُعامل كخطر، لا كملاذ.
ليست المشكلة في النص القانوني الذي استند إليه القرار، بل في الروح التي تسكنه. فالقانون حين ينفصل عن العدل والرحمة يتحوّل إلى أداة قاسية، وحين يُستخدم بلا حسّ إنساني يصبح أقرب إلى عقوبة جماعية. ما الرسالة التي تصل إلى مريض سرطان ينتظر جلسة علاج؟ ماذا يُقال لأمّ تحمل طفلها المحموم إلى قسم الطوارئ؟ هل يُشرح لهما أنّ السرير الذي ينتظرانه صار موضع نزاع سياسي؟ وأنّ جهاز التنفس الذي قد ينقذ حياة صار محاطاً بسياج الشبهات؟
إنّ أخطر ما في هذه الخطوة أنها لا تضرب مؤسسة بعينها، بل تضرب الثقة. الثقة التي بالكاد صمدت في بلدٍ انهارت فيه المصارف، وتراجعت فيه قيمة العملة، وتآكلت فيه القدرة الشرائية حتى صارت زيارة الطبيب قراراً يُؤجَّل إلى حدّ الخطر. حين يُقال للناس إنّ مستشفياتهم موضوعة على قوائم سوداء، فإنّ الشك يتسرّب إلى الجدران، والخوف يتسلّل إلى القلوب، وتصبح المؤسسة العلاجية مساحة قلق بدل أن تكون مساحة أمان.
لا يمكن فصل هذا القرار عن السياق الأوسع الذي تعيشه المنطقة، حيث باتت الأدوات الاقتصادية والقانونية سلاحاً موازياً لكلّ أشكال الضغط الأخرى. لم تعد المعارك تُخاض بالمدافع وحدها، بل بالتصنيفات، وباللوائح، وبالتجفيف البطيء للموارد. يُحاصَر المجتمع من تفاصيل حياته اليومية: من حدوده، من تحويلاته المالية، من استيراداته، وها هو اليوم يُمسّ في قطاعه الصحي، أكثر القطاعات حساسية وارتباطاً بالكرامة الإنسانية.
المفارقة القاسية أنّ لبنان، الذي لطالما كان مقصداً للعلاج في المنطقة، يتحوّل اليوم إلى متهم في أهمّ ما عُرف به: كفاءة أطبائه، ومهنية مؤسساته، واحتراف طواقمه الطبية. آلاف المرضى العرب قصدوا بيروت يوماً بحثاً عن شفاء. عشرات المستشفيات اللبنانية استقبلت جرحى حروب وكوارث من دول مختلفة، بلا سؤال عن السياسة. واليوم، تُكافأ بعض هذه المؤسسات بلصق تهمة الإرهاب على أبوابها.
الردّ الرسمي اللبناني، وإنْ جاء بلغة متزنة، لا يخفي عمق الصدمة. فوزارة الصحة أكدت أنّ هذه المستشفيات تعمل ضمن النظام الصحي الوطني وتخضع لرقابة الدولة وتقدّم خدماتها لكلّ اللبنانيين من دون تمييز. لكن المشكلة ليست في توصيف قانوني يمكن تصحيحه، بل في الانزلاق الخطير نحو اعتبار المرفق الصحي ساحة اشتباك سياسي. حين تُسحب المؤسسات العلاجية من فضائها الإنساني وتُدفع إلى ساحة الاصطفافات، نكون أمام مرحلة جديدة من تسييس كلّ شيء، حتى الألم.
ما يجري ليس تفصيلاً في دفتر العلاقات الثنائية، بل اختبار لقيمة الإنسان في المعادلات الإقليمية. هل ما زالت الصحة حقاً فوق النزاعات؟ أم أنّ كلّ شيء قابل لأنّ يُدرج في خانة الضغط والتأديب؟ وإذا كان الهدف سياسياً، فهل يُعقل أن يُحمَّل المريض ثمنه؟ أن يُقال له ضمنياً إنّ سريره جزء من لعبة أكبر منه؟
لبنان اليوم لا يملك فائض قوة ليُهدره في سجالات. هو يترنح تحت أعباء الدين والانهيار، ويحاول إعادة لملمة مؤسّساته وسط انقسام داخلي حاد. ومع ذلك، ما زالت مستشفياته تقاوم: تُقسط الفواتير، تبحث عن تبرّعات، تستدين لتشتري أدوية، وتُبقي أبوابها مفتوحة. أن تُضاف إلى هذا المشهد لائحة تصنيف سوداء هو بمثابة وضع حجر إضافي على صدر يغالب الاختناق.
القرار، في جوهره، يشي بتحوّل خطير: لم يعد الاستهداف يقتصر على البنى العسكرية أو السياسية، بل امتدّ إلى النسيج الاجتماعي نفسه. المستشفى، المدرسة، المستوصف، صارت كلها قابلة لأن تُقرأ بعيون أمنية باردة، لا بعيون إنسانية دافئة. وهذا التحوّل إنْ استمرّ، فلن يتوقف عند حدود لبنان، بل سيطال كلّ مساحة يُراد الضغط عليها من داخل حياتها اليومية.
الأخطر من القرار هو سابقة القرار. فإذا أصبح ممكناً إدراج مستشفى على قائمة الإرهاب، فما الذي يمنع غداً إدراج مؤسسة تعليمية أو مركز إغاثة؟ وأيّ معيار سيُعتمد للفصل بين الخدمة العامة والاصطفاف السياسي؟ الخطوط الحمراء التي كانت تفصل بين النزاع والسياسة من جهة، والحقّ في العلاج من جهة أخرى، تبدو وكأنها تُمحى تدريجياً.
لبنان لا يطلب حصانة خاصة، ولا يعترض على حق أيّ دولة في اتخاذ ما تراه مناسباً لأمنها. لكنه يطالب بأمر بسيط: ألا يتحوّل القطاع الصحي إلى ورقة ضغط. ألا يدفع الناس ثمن صراعات لا علاقة لهم بها. ألا يُختزل الطبيب في عنوان سياسي، ولا يُختصر المريض في خانة اشتباه.
إنّ إدراج عدد من المستشفيات اللبنانية على لوائح الإرهاب لن يُغيّر حقيقة واحدة: أنّ هذه المؤسسات ستستمر في استقبال مرضاها، وأنّ الأطباء سيواصلون عملهم، وأنّ الممرّضين سيبقون إلى جانب الأسرة في الليل الطويل. لكن الضرر الرمزي كبير، لأنه يمسّ صورة لبنان، ويضرب ما تبقى من أعمدة الثقة في بلدٍ يئنّ.
القضية ليست تقنية ولا إجرائية. إنها سؤال أخلاقي صارخ: هل يمكن تبرير استهداف مؤسسات علاجية تحت أيّ عنوان؟ وهل يجوز أن يُخلط بين الحسابات السياسية وحق الإنسان في الحياة؟ حين يصبح الجواب ملتبساً، نكون قد دخلنا زمناً خطيراً، زمناً تُدار فيه المعارك على حساب الضعفاء.
في النهاية، تظلّ المستشفيات اللبنانية، رغم كلّ القرارات والتصنيفات، صروحاً للحياة، وملاذاً لكلّ محتاج، وساحةً لاختبار الإنسان قبل السياسة. لكن مذبحة المعاطف البيضاء، كما يمكن أن نطلق عليها اليوم، تركت بصمة لا تُمحى: صورة لبنان الذي يُصارع من أجل أبسط حقوقه، وصرخة أطباء وممرّضين يقاومون العبث والظلم، ومرضى يبحثون عن الأمان وسط لوائح تهدّد وجودهم. فالسرير الأبيض سيبقى شامخاً، والمشرط سيستمرّ في إنقاذ الأرواح، لكن الدرس صار واضحاً: في عالم لا يعرف الرحمة، يجب أن تقف الإنسانية صامدة، وأن يُفهم أنّ حياة الناس ليست ورقة مساومة، ولا أداة تصنيف، بل الحق الأقدس الذي لا يجوز المساس به…