شمس الدين مطعون (صحيفة المدن)
أصدرت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية القرار رقم /144/ المتضمن تنظيم ترخيص مكاتب خدمات الشحن الجوي، وتحديد الشروط المالية والإدارية والأمنية الناظمة لعملها. ووفق القرار، تُمنح شهادة ترخيص مكتب خدمات الشحن الجوي لمدة ثلاث سنوات، مقابل بدل نقدي قدره 25 ألف دولار أميركي يُسدّد لحساب الهيئة، كما يُلزم القرار المكتب المرخّص بتقديم كفالة مالية بقيمة 100 ألف دولار أميركي لمصلحة الهيئة، ويُحدد بدل تجديد الترخيص بـِ 15 ألف دولار أميركي لمدة ثلاث سنوات جديدة.
ويأتي هذا القرار في وقت لا يزال فيه قطاع النقل والخدمات اللوجستية يحاول استعادة جزء من نشاطه بعد سنوات من التراجع، ما فتح باب التساؤلات حول مدى قدرة السوق الحالية على استيعاب هذه الشروط المالية المرتفعة، خاصة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
رسوم مرتفعة
يوضح مدير شركة المتوسط للملاحة والخدمات (ميدترانس) خلدون الخولي، لـِ "المدن" أن فرض هذه المبالغ دفعة واحدة قد يؤدي إلى تباطؤ حركة الشحن الجوي، وربما خروج عدد من الشركات ذات الخبرة الطويلة من السوق بدل تمكينها من المساهمة في تنشيط الاقتصاد.
ووفق المعلومات المتداولة بين العاملين في القطاع، فإن الرسوم في عدد من الدول المجاورة أو الإقليمية تكون أخف بكثير مقارنة بالمبالغ المطروحة محلياً.
فعلى سبيل المثال، بحسب الخولي، فإن رسوم مزاولة نشاط الشحن الجوي لدى الطيران المدني في دبي تُعد ضمن الحدود السنوية المعقولة دون اشتراط كفالات نقدية مرتفعة، وكذلك الحال في المملكة العربية السعودية والأردن حيث تقتصر الرسوم غالباً على رسوم ترخيص وتجديد سنوية تتناسب مع حجم النشاط الفعلي.
ويتابع، أن تلك المقارنة من ناحية اقتصادية، إذ أن المطارات في الدول المذكورة تتمتع ببنية تحتية متقدمة، وقدرات تشغيلية عالية، وحصص سوقية كبيرة ومكانة جغرافية لوجستية متقدمة على مستوى المنطقة والعالم.
محادثات إيجابية
في العام 2020 توقفت الشركة التي يديرها الخولي والعاملة في مجال الشحن الجوي عن تجديد الترخيص نتيجة الظروف الاستثنائية والصعوبات الإدارية والاقتصادية، أدّت إلى إغلاق فرع الشركة داخل سوريا والاكتفاء بالعمل من خلال مكاتبها في الصين والإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية.
ويبيّن الخولي أنه قبل تلك الفترة لم يكن هناك رسم مستقل أو مبلغ مخصّص حصرياً لمزاولة نشاط الشحن الجوي بحد ذاته، بل كانت الرسوم تُدفع عبر جهة أو جمعية مهنية تمثل أصحاب مكاتب الشحن، وذلك مقابل ممارسة نشاط الشحن الدولي أو الداخلي بصورة عامة، وليس كرسم منفصل خاص بالشحن الجوي فقط.
ويؤكد أن ناشطين ومهنيين في مجال الشحن الجوي على تواصل مع غرف التجارة والجهات المعنية، حيث تتسم المحادثات بالإيجابية من حيث الاستماع وتبادل وجهات النظر، مبيناً أن الجميع يدرك أن الدولة تمر بمرحلة تأسيس وتنظيم شاملة، والهدف من الطرح ليس الاعتراض بحد ذاته، بل الوصول إلى صيغة توازن تجمع بين تنظيم القطاع وتشجيعه في آنٍ واحد بما يخدم المصلحة العامة.
ومن وجهة نظر الخولي فإن الرسوم العادلة في هذه المرحلة ينبغي أن تكون رمزية ومحفّزة، وألا تتجاوز نسبة محدودة لا تزيد عن نحو 10 بالمئة من الرسوم المطبّقة في الدول المجاورة ذات البنية التحتية المتقدمة والحصص السوقية الأكبر، بحيث تكون متلائمة مع القدرة الاقتصادية المحلية وتسهم في تنشيط القطاع بدل إضعافه.
احتكار السوق
من جهته يوضح الخبير الاقتصادي في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الشركات القابضة، مهند الزنبركج، لـ"المدن"، أن الإعلان عن الشروط الجديدة لترخيص مكاتب الشحن الجوي يفرض واقعاً جديداً على العاملين في هذا القطاع لا سيما أن الخدمات اللوجستية في سوريا لا تزال تحاول استعادة جزء من نشاطها، وتزداد الإشكالية وضوحا عند مقارنة هذه الشروط بالنماذج المعتمدة في دول أخرى.
ففي الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما في المناطق الحرة، تعتمد سياسات أكثر مرونة لدعم قطاع الشحن والخدمات اللوجستية. حيث تصل رسوم ترخيص خدمات الشحن في Meydan Free Zone لحوالي 4 آلاف دولار مع خيارات تشغيل مرنة تراعي احتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتسمح لها بالدخول التدريجي إلى السوق. وأما في تركيا، فتشير البيانات إلى أن تأسيس شركة شحن صغيرة أو متوسطة يتطلب رسوم لا تتجاوز الرقم ذاته، وهو نموذج يركز على الملاءة التشغيلية والقدرة المهنية أكثر من فرض أعباء نقدية مرتفعة في مرحلة التأسيس.
ويبّن الزنبركجي أنه لا يمكن الشك في أن نية الجهات التنظيمية في سوريا قد تكون موجهة نحو تنظيم السوق، ورفع مستوى الكفاءة، والحد من دخول الشركات غير المؤهلة. غير أن واقع السوق يشير إلى أن هذه المتطلبات المالية المرتفعة قد تشكل عائقاً حقيقياً أمام الشركات الصغيرة، التي قد تعجز عن تأمين الرسوم والكفالات المطلوبة، ما يدفع بعضها إلى الخروج من السوق أو العمل خارج الإطار الرسمي.
وأما الشركات المتوسطة، فربما تستطيع الاستمرار، ولكن على حساب ضغط كبير على السيولة وهوامش الربح، الأمر الذي قد ينعكس برفع الأسعار أو تقليص حجم النشاط والخدمات.
ومن المرجح، وفق الزنبركجي، أن يؤدي هذا الواقع إلى تراجع عدد الشركات العاملة وبقاء عدد محدود من الشركات الكبيرة المسيطرة على السوق، وهو ما يفتح الباب أمام احتكار نسبي للخدمة، ستكون له انعكاسات مباشرة، أبرزها ارتفاع أسعار خدمات الشحن الجوي لتعويض التكاليف الثابتة المرتفعة، وزيادة تكاليف الخدمات اللوجستية؛ وبالتالي زيادة كلفة السلع المستوردة وإضعاف تنافسية الصادرات السورية في الأسواق الخارجية.
ويضيف: في المحصلة، فرض الرسوم الكبيرة يُعد عاملاً مثبطاً لجذب الاستثمارات الجديدة، سواء المحلية أو الأجنبية، في قطاع يُفترض أن يكون من القطاعات الداعمة للتجارة والنمو الاقتصادي، ويزيد من تعقيد المشهد بدلاً من تخفيفه.