بعد قرنٍ تقريبًا على عرض المخترع الإسكتلندي جون لوجي بيرد أولَ نظام تلفزيوني ميكانيكي، تواجه أجهزة التلفزيون منافسةً متصاعدة من اختراعٍ أحدث بكثير: الهواتف الذكية. لكن مع طرح مجموعةٍ من الطرازات الجديدة التي تتميز بشاشاتٍ عملاقة، وصورٍ أكثر ثراءً، وتحسيناتٍ مدعومة بالذكاءِ الصناعي عُرضت هذا الأسبوع في معرض إلكترونيات المستهلكين (CES-Consumer Electronics Show) في لاس فيغاس، لا يخطط المصنعون لدفع أجهزة التلفزيون إلى هامش التاريخ.
بحسب شركة تتبع السوق أمبير أناليسس، تراجعت حصة المشاهدة اليومية عبر شاشات التلفزيون من 61% في مطلع العام 2017 إلى 48% في أواخر العام الماضي. وفي المقابل، كادت مشاهدة الهواتف الذكية أن تتضاعف خلال الفترة نفسها لتصل إلى 21%.
أوضح باتريك هورنر، رئيس أبحاث التلفزيون في شركة أومديا، أن "المعركة تدور بين الشاشات الكبيرة، التي ارتبطت تقليديًا بكبار السن الذين نشأوا مع التلفزيون، وبين الشباب الذين يستهلكون المحتوى عبر الهاتف أو الجهاز اللوحي أو الحاسوب المحمول". وأشار إلى أن الصين، التي تُعد مُحدِّدًا للاتجاهات في السوق العالمية، تشهد عزوفًا من المستهلكين الشباب عن أجهزة التلفزيون ذات الشاشات الكبيرة لصالح الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية.
على مستوى العالم، لفت هورنر إلى أن امتلاك أجهزة التلفزيون بات ثابتًا أو في تراجع، فيما تظل أسعار البيع المتوسطة مستقرة أو تميل إلى الانخفاض. وأضاف أن أحد سبل حماية الإيرادات أو زيادتها في ظل عدم ارتفاع مبيعات الوحدات يتمثل في دفع المستهلكين إلى شراء شاشاتٍ أكبر وأكثر ذكاءً، وبأسعارٍ أعلى.
التلفزيون الشخصي
عادت الشاشات العملاقة لتتصدّر المشهد في معرض إلكترونيات المستهلكين، حيث روّج المنتجون لاستخدام الذكاء الصناعي من أجل تخصيص التجربة وتحسين جودة الصورة. كما برزت تقنية "مايكرو آر جي بي"، التي ترفع جودة الصورة بشكلٍ كبير عبر تحكّمٍ فائق الدقة بالألوان في شاشات "إل إي دي".
كشفت شركة سامسونغ إلكترونيكس، أكبر بائع لأجهزة التلفزيون على مدى 20 عامًا متتالية، عمّا وصفته بأنه أول تلفزيون "مايكرو آر جي بي" بقياس 130 بوصة في العالم، متحدثةً عن دمج الذكاءِ الصناعي في منتجاتها. وأوضح المدير التنفيذي لقسم تجربة الأجهزة في "سامسونغ"، تي إم روه، خلال فعاليةٍ إعلامية، أنهم "سيدمجون الذكاء الصناعي في كل مجال، وكل منتج، وكل خدمة". وشهد المعرض أيضًا مشاركة شركات "هايسنس"، و"إل جي"، و"سامسونغ"، و"سوني"، و"تي سي إل".
يُستخدم الذكاء الصناعي لتحسين جودة الصورة والصوت، فضلًا عن مساعدة المستخدمين على العثور على البرامج التي يرغبون بمشاهدتها أو طرح أسئلة عمّا يشاهدونه. وأبدى توماس هوسون، المحلل الرئيسي في شركة فورستر، فضولًا لمعرفة ما إذا كانت معظم العلامات التجارية المشاركة في المعرض ستتمكن فعلًا من إثبات أن أجهزتها الجديدة المعتمدة على الذكاءِ الصناعي ترقى لمستوى وعودها.
"أمازون" في مواجهة "وولمارت"
خلف الكواليس، تُسهم عملاقتا التجارة الإلكترونية "أمازون" و"وولمارت" في رسم ملامح مستقبل التلفزيون، وهما تتنافسان على الهيمنة، لا في بيع أجهزة التلفزيون، بل في الإعلانات والتجارة الإلكترونية. وأوضح هورنر في حديث له مع وكالة فرانس برس أن "هذه مواجهة شرسة بكل معنى الكلمة بين أمازون ووولمارت".
في أواخر العام 2024، أتمّت "وولمارت" صفقةً بقيمة 2.3 مليار دولار للاستحواذ على شركة تصنيع التلفزيونات "فيزيو"، في خطوةٍ استراتيجية جاءت ردًا على تعزيز "أمازون" مبيعاتها عبر الإعلانات على أجهزة التلفزيون الذكية التابعة لها، غالبًا من خلال خدمة البث "برايم فيديو". وأشار هورنر إلى أن "أمازون كانت تضع إعلانات داخل البرامج التلفزيونية لمنتجاتٍ تبيعها"، مضيفًا: "والآن ستضع وولمارت إعلانات على تلفزيونك لمنتجاتٍ تبيعها هي".
لفت إلى أن هامش الربح من بيع الإعلانات يفوق بكثير هامش الربح من بيع أجهزة التلفزيون نفسها. ومن المتوقع أن تبيع "وولمارت" أكثر من مليون جهاز تلفزيون شهريًا من علامتها "أون"، وأن تستخدم نظام التشغيل الذي حصلت عليه مع "فيزيو" لضخ الإعلانات إلى المشاهدين. وخلص هورنر إلى أن "أجهزة التلفزيون لم تعد تتمحور حول تحقيق الربح من بيع العتاد، بل أصبحت وسيلة لتوصيل إعلانات تُزرَع في غرفة المعيشة لتعزيز مبيعات التجارة الإلكترونية".